“آراب آيدل” والفرق بين الضم والكسر

عبدالله الطليحي

إقبال التميمي

وصل برنامج “آراب آيدل” الذي يبث على فضائية “إم بي سي” الحلقة الثالثة، وشاهدنا من خلاله حتى الآن ما يبرر الاتصال برقم النجدة. تصرّ الفضائيات على فضيحة نفسها أمام الأمم وتعذيبنا ثقافياً بشكل ممنهج رغم أننا “شاطرين وبنشرب الحليب”.

يا جماعة الخير، لا تستوردوا ثقافة الغير احتراماً لحقوق الإنسان ورأفة في المثقفين ودعماً للأطفال الذين يتلقون علومهم من التلفزيون، ولأنكم مش قدّها.

عملت الـ “إم بي سي” ما عمله الغراب عندما حاول أن يقلّد مشية الحجل، لا هو صار حجل ولا عرف يظل غراب. ولأن البرنامج معلّب ومستورد كالغالبية العظمى من برامج مسابقاتها، التزمت الفضائية بالإبقاء على الاسم الأصلي “أميريكان آيدل” ولأسباب قانونية متعلقة بحقوق المنتج الأصلي، ولأن العرب والأمريكان “فولة وانقسمت نصّين”، تم استبدال “أمريكان” بـ “آراب”، يعني شالوا البرنيطة واستبدلوها بشماغ، وهذا كل ما نجحوا فيه.

عيييييب يا جماعة الخير لما تستوردوا فكرة برنامج بهذا الحجم، أن تدفعوا بكل مثقف التقى بأبجديات القراءة للانتحار. لماذا اختارت لجنة البرامج شخص متعثّر في الدراسة ولا يعرف الفرق بين الضاد والظاد ليقدم البرنامج. هل كان من الصعب على منتج البرنامج أن يعلّم المعلّق “عبد الله الطليحي” كيف يلفظ اسم البرنامج، وبدل ما يكسر يضم. لأن الفرق بين “آيدُل” و “آيدِل” أكبر من الفرق بين الثرى والثريا. والفرق بين الضمة والكسرة، مسافة ما بين الإشادة والإهانة وبصراحة الفرق بينهما هنا يعادل الفرق بين التكريم والوقوف في المحكمة بتهمة القذف والسبّ العلني. ولأن فهم اللغة العربية قد يشكل مشكلة تستعصي على الفهم للبعض، نبسّط الرساله من الآخر ونضعها بين أقواس (كل الناس عم بتكسر وشوية ضم ما بتئزي حدا).

كرر مقدم البرنامج كلمة “آيدِل” بكسر الدال وطبشها ودغدغها مئات المرات، دون أن ينبهه أحد أن هذه الكلمة إهانة، وأنه عليه أن ينجح في المدرسة في درس القراءة قبل أن يتقدم بوظيفة للتلفزيون.

إذا كان مقدم برنامج يستقطب ملايين الشباب العرب لا يعرف أهمية الدور التثقيفي والتعليمي الذي تقوم به وسائل الإعلام، على المؤسسة التي منحته منصتها أن تعلمه كيفية استخدام القاموس، وسيجد أن كلمة آيدِل كما يلفظها مطبوشة وملتعن تواها تعني ( كسلان، عاطل عن العمل، مضيّع للوقت، خامل، فارغ، متبطل، كسول، لا عمل له) بينما كلمة آيدُل التي انتقاها مبتدع البرنامج في البلد الأصل تعني (المعبود، الوثن، الصنم، المحبوب، الصورة، النموذج، الطيف، الشبح، الوهم).

لكن كون القناة تشجع سعودة الوظائف دون كثير اهتمام بالمستوى الثقافي أو التعليمي للمستعرضين على شاشاتها، أصبحت تتعجل القرارات دون فرز للكفاءات وبانتهاج هذه السياسة، تجازف بسمعتها بتقديم الوجوه التي تجرّب قرأ، درسَ ، طبش، كسر، أهانَ… على حساب السلامة الذهنية والنفسية للمشاهد العربي. ناسية أن محاولاتها لدعم هواة القفز السريع على السلالم، ليست مرتبطة بنسبة المشاهدة فقط، بل بمستوى المادة التي تستقطب شركات الدعاية ورعاة البرنامج. وأن الانتباه لهذه الجرائم الإعلامية ليس مجرد اهتمام بالثقافة وإنما اهتمام بالبزنس أو البزبز على رأي أحد المتثاقفين. ولا يجوز تقديم ما يشبه لفلفة صرّة ملابس متسخة وقذفها بوجه الجمهور الذي تحاول الوصول إليه الشركات الراعية التي تحرص على صورة تليق باقتران اسمها بالمستهلك الراقي المثقف وجمهور النخبة.

نصيحة للفضائيات، قبل محاولة تعليم الشباب الموسيقى والغناء والاحتفاء بمواهبهم الصوتية لرفع سويتهم الثقافية، علمّوهم كيف يتقنون القراءة ويلفظوا الكلمات بشكل صحيح. فضحتونا قدّام الهنود. عيب لما يتحدث متباري هندي بلغة عربية أسلم من لفظ مقدم البرنامج.

هذا البرنامج الذي كتب فكرته الأصلية سيمون فوللر وأنتجته فريمانتل ميديا نورث أمريكا، وعرضته لأول مرة فوكس في الحادي عشر من يونيو 2002 مرّ بجميع التحديات وانتقل بأشكال أخرى حول العالم، لكن نجاحه بشكل باهر يعزى إلى كفاءة طاقم العاملين عليه. ومن المؤكد بأنهم سيعانون المغص لو نشرأحد المشاغبين مقالة أو دراسة أكاديمية عن الفرق بين تقديم ريان سيكريست وبريان دنكلمان وتقديم عبدالله الطليحي.

About these ads

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s