![]()
إقبال التميمي
بعد رحيل عام 2011 الذي فاجأنا بنهضة المارد العربي من سباته وما رافق هذه الصحوة من ثورات شعبية كانت بمثابة توابع زلزالية لثورة تونس. وجدنا أنفسنا في مواجهة سؤال في غاية الأهمية. كيف استطاع الساسة الديكتاتوريون التحكم والسيطرة بحياة الملايين لأطول مدة حكم ممكنه، وما هي أداة الديكتاتورية الأكثر نجاعة في إيجاد طرق لإلهاء الشعب عن جرائم القادة بحق الشعوب. ما كتب في هذا الموضوع يشير إلى أن أكثر تلك الوسائل نجاعة هي الاستمرار باختراع أعداء جدد لكل جماعة لديها القابلية على رفع رأسها بالاعتراض، وتغذية هذه الجماعات بأوهام الكراهية والخوف من الفريق الآخر، ودسّ السم بالدسم من خلال الإعلام الفاسد والمفسد بجميع أشكاله، من المشافهة إلى استخدام أحدث تقنيات الاتصال.
أثبت الواقع ان قادة العرب هم ذيول لأمريكا التي نجحت من خلال إعلامها المتصهين ببذر عداوات مفتعلة بين قطاعات الشعوب عن طريق القادة الذين يشبهون لعب الأراجوز الخشبية المتصلة بخيوط تحركها أصابع من الخارج. من نتائج تلعيّب هذه الدمى، انشغل المسيحي والمسلم ببعضهما البعض، وانشغل السنّيون والشيعة، والمثقفون بالمتثاقفين، والنساء بالرجال، وذوي اللحى بالحليقين، والمقيمون بالوافدين، والمسلمين أو المتأسلمين بمن يطلق عليهم وصف الليبراليين. وعندما عدموا الحيلة على تفريقنا طرائقاً وشعابا، شغلونا بهموم الفقر وضياع الكرامة، وصعود وهبوط أسعار الأساسيات مثل ثمن رغيف العيش، وثمن جرّة الغاز، وفاتورة الدواء والفساد المستشري على مستوى متواضع بين اللصوص الصغار، وشغلوا الناس بالفتاوى المتعلقة بتيسير الجنس للرجال تحت مظلات إسلامية التصميم عاهرة المحتوى.
بالعودة إلى تاريخ إحدى أقدم خدعات السياسة وأول أساليب التخطيط للسيطرة على الشعوب في التاريخ تعود إلى عهد الرومان. حيث كان الساسة يقومون باختراع الأعداء الذين يحتاجونهم لتحقيق أهدافهم. وكما هو متوقع، كان لا بد من تأمين مصادر المال لتحقيق تلك المآرب. ويمكن المقارنة بين الماضي والحاضر للتمكن من رؤية الوضع بشكل أوضح.
في عام 70 قبل الميلاد أراد رجل ثري طموح وسياسي صغير يدعى ماركوس ليسينيوس كراسوس أن يحكم روما. وحتى تتخيّلوا مدى دهاءه في التخطيط والتسييس، كان لكراسوس فضل اختراع وظيفة رجال المطافيء ومكافحة النيران وتوظيف رجال الإطفاء، لكن بأسلوب مغاير لما نعرفه عن مهمّة رجال الإطفاء في وقتنا الحالي.
إذ كان كراسوس يأمر عبيده فيهرعون إلى موقع المبنى الذي يحترق منتظرين إشارة منه، بينما كان يقوم هو بمساومة صاحب المبنى الذي تأكله النيران. فيعرض على صاحب المبنى بأن يشتريه منه على الفور مقابل ثمن زهيد جداً. إذا استجاب مالك المبنى وقبل ببيعه، كان كراسوس يأمر عبيده بإخماد الحريق فوراً. وإذا رفض صاحب المبنى عرض البيع، كان كراسوس يترك المبنى ليحترق عن آخره. وبهذه الطريقة أصبح من أكبر مالكي العقارات الخاصة في روما. واستخدم جزءاً من ثروته لتحقيق مآربه السياسية وتكاليف ِفتنه، عن طريق دعم يوليوس قيصر ضد سيسيرو ( شيشرون).
حينها، في عام 70 قبل الميلاد، لم تكن روما قد أصبحت جمهوريّة بعد. ممّا قيّد الحكّام من ناحية ما يمكنهم وما لا يمكنهم فعله. ولم يكن كراسوس مستعدّاً لقبول تطبيق الأحكام عليه أوالتدخل بسلطاته الخاصّة. فوضع خطّته مستغلاً ثورة العبيد التي قادها سبارتاكوس ليشيع الرعب في قلوب أهل روما.
كان قد هزم في الحرب، ولم تكن لديه النيّة بأن يتقدّم في زحفه للسيطرة على روما لأنّه كان يعرف أنّ هذه الحركة تعتبر انتحاراً. لذلك خطّط لجعل فريقه يزهد بأي شيء له علاقة بالإمبراطورية الرومانيّة. وشرع لجمع ما يكفي من المال من أهالي القرى الإيطاليّة وأوهمهم بضرورة استئجار جيش من المرتزقة يستطيع من خلاله قيادتهم باتجاه الحريّة.
ولكن الإبحار بعيداً كان آخر ما أراده كراسوس لسبارتاكوس أن يقوم به، لأنّه كان بحاجة إليه كعدو مناسب يستخدمه لإثارة الرعب في روما من أجل مكاسبه السياسية الخاصة. لذلك قام كراسوس برشوة جيش المرتزقة ليبحروا تاركين وراءهم سبارتاكوس. بعدها عمل على شرخ الرومان إلى فريقين بحيث لم يترك لسبارتاكوس خياراً سوى الزحف باتجاه روما. خيّم الرعب المرتقب من وصول زحف جيش المجالدين المخيف على الناس. لذلك سارعت روما وسبقت بإعلان كراسوس قائداً لها حتى يتولى حمايتها. عندها قام كراسوس بالقضاء على جيش سبارتاكوس، وعزي الفضل ساعتها لبومبي، وانتخب كراسوس في العام التالي قنصلاً لروما. وبهذا الأسلوب من المراوغة استسلم الرومان، وبعد ذلك بمدّة وجيزة تكوّن أوّل حلف ثلاثي مكوّن من كراسوس، وبومبي، ويوليوس قيصر.
كذلك وعلى الرغم من إنجازاته الأدبية، لعب سيسيرو، الخصم السياسي ليوليوس قيصر،نفس الحيل في حملته ضد يوليوس قيصر. مدّعياً أنّ روما وقعت ضحية “للجناح اليميني المتطرّف” في مؤامرة من الداخل. ومن أجل أن يؤكّد سيسيرو للرومان مدى عدم أمن روما، قام باستئجار جماعة من العصابات لتقوم بإحداث أكبر فوضى ممكنة، والإخلال بالأمن، ثم قام بحملة وعد فيها بالقضاء على العنف الداخلي في حال انتخابه ومنحه سلطات عليا.
هنا نجد شئياً من المفارقة فيما يتعلق بتشابه سياسات سيسيرو بسياسات حسني مبارك. ويمكن عقد مقارنة بين عصابات سيسيرو وعصابات حزب مبارك الذين هاجموا الناس بالجمال والمدرعات، وأشعلوا النيران، وسرقوا ونهبوا وسبّبوا أقصى درجات الفوضى. بينما ألقى مبارك خطابين، واقفاً منتصب القامة، واعداً الشعب بأنّه يستطيع أن يقضي على موجة الإجرام التي يقوم بها المفسدون، وأنه يستطيع إنهاء عمليّات التخريب إذا مُنِحَ فرصة أخرى. وبمجرد خلعه أصبح فجأة ملازماً الفراش على ظهره، ولا يجلس أمام الناس في المحكمة كما يفعل في مستشفى الخمس نجوم الذي أودع فيه بدلاً من السجن، كما يفعل عندما يصبغ شعره أو عندما يرتدي طقم الرياضة الذي ظهر فيه أثناء جلسات المحاكمة.
استخدمت الحكومة الأمريكيّة أيضاً الخداع مراراً وتكراراً من أجل إيهام الشعوب بأنّه ليس لديهم خيار سوى القيام بما توجّههم إليه حكومتها. فاخترعت وهم صدام حسين وأسلحته البيولوجية الفتاكة التي ستقضي على الدول المجاورة في أقل من 45 دقيقة، واخترعت وهم جرائم الإسلاميين في أفغانستان وأنها ستغزو لتحرير النساء ومنح الضعفاء حقوقهم الإنسانية، كما اخترعت وهم أسلحة معمر القذافي والآن تحيك المكائد تحت بند التهديد الإيراني ومحاولات صناعة أسلحة نووية. وجميع هذه المكائد ما كانت لتنجح دون دعم الصحافة والإعلام المأجور.
في نبشة صغيرة لملفات الصحافة الأمريكية عام 1898 نجد أن كل من”جوزيف بوليتيزر” من خلال صحيفة “نيويورك وورلد” ، و”وليام راندولف هارت” من خلال “صحيفة نيويورك جورنال” هما أول من قاما بترويج موضوع تدخّل أمريكا في كوبا. وقيل أنّ هارت أرسل مصوّراً إلى كوبا ليقوم بتصوير الحرب “المرتقبة” مع أسبانيا، وعندما سأله المصوّر أي حرب تعني؟ قيل أن هارت أجابه: ” عليك فقط بالتقاط الصور، وأنا سأعمل على توفير الحرب”. كان هارت صادقاً فيما قال، لأن صحيفته قامت بنشر قصص وهمية عن أحداث رهيبة حصلت للشعب الكوبي، والتي اتضح فيما بعد أنّ معظمها كانت قصصاً مُختلقة ليس لها أي أساس من الصحّة.
في ليلة الخامس عشر من فبراير 1898، فجأة انفجرت السفن الأمريكية الراسية في ميناء هافانا والتي كانت ترسو هناك بحجة حماية مصالح أمريكية. عندها نصح الكابتن “سيغزبي”، قائد الأسطول، بأنّه يجب عدم التسرع بالإعلان عن هجمة من قبل الأعداء حتى يتم الانتهاء من التحقيق الشامل عن أسباب هذه الانفجارات. اقتراحه هذا بالانتظار والتيقن من سبب التفجيرات، أدى إلى توبيخه بشدة من قبل الصحافة، واتهم بأنه يرفض رؤية الأمور الواضحة وضوح الشمس. رغم أنه حينها نشرت الدوريّة الشهريّة “الأتلانتيك مونثلي” بكل وضوح أنّ الانفجار هو أي شيء سوى محاولة متعمّدة.
وتحت ولولة شعار “تذكّروا الانفجار” دخل الأمريكيّون حرباً ضد أسبانيا، ومن خلالها قاموا باحتلال الفلبّين، وفي طريقهم قاموا كذلك بضم هاواي أيضاً.
في عام 1975 تبيّن من تقرير مفصّل قامت به لجنة برئاسة الأدميرال “هيمان ريكوفر” ومن خلال دراسة دقيقه للمعلومات والأرقام التي حصلوا عليها من فحص حطام عام 1911، تبين أنّه لم يكن هناك أي دليل على وجود سبب خارجي للانفجار. وأنّ سبب غرق السفينة كان نتيجة انفجار حاوية فحم موضوعة بشكل أحمق بجانب مخازن الذخيرة في السفينة. واتّضح أنّ تحذير الكابتن سيغزبي بعدم التسرّع في لوم الغير كان له ما يبرّره. لكن الرئيس فرانك روزفلت كان بحاجة إلى حرب. كان يريد حُمى حرب كبيرة للتغطّية على أعراض ساعات النزع الأخيرة للاقتصاد الأمريكي المريض الذي يصارع من أجل العودة من فترة الركود الاقتصادي الكبير، وترميم التشويه الذي حصل له في نفس الوقت أثناء تغيير اتجاهه إلى طريق الشيوعيّة. أراد روزفلت أن يستفز ما يؤدي إلى إشعال حرب مع ألمانيا ليقوم بإلتصدي لهتلر، وبرغم الاستثارات العديدة التي قامت بها القوات الأمريكية في المحيط الأطلسي، بقي الشعب الأمريكي معارضاً لأي شكل من الحروب، لكن روزفلت لم يهتم برأي الشعب. لذلك قام بانتهاك اتفاقاته، وأصدر أوامره بإغراق عدد من السفن الألمانيّة في المحيط الأطلسي. ورغم أن هتلر أبى أن يُستثار، إلا أن روزفلت كان مصرّا على محاولاته لأنه كان بحاجة ماسّة إلى اختراع عدو.
أصرّ روزفلت من خلال سياساته على أمر واضح. إن كان الشعب الأمريكي يرفض مهاجمة هذا العدو المفتعل بكامل إرادته، يجب القيام ببعض التكتيكات التي ستؤدي إلى ما سيبدو وكأنه هجوم على أمريكا لتبريرإشعال حرب جديدة، تماماً كما فعل ماركوس كراسوس عندما وجّه سبارتاكوس لمهاجمة روما.
فتحت الطريق إلى هذه الحرب المفتعلة عندما وقّع اليابانيّون معاهدة الدفاع المشترك الثلاثيّة مع إيطاليا وألمانيا. وبما أنّ هتلر لم يكن ليعلن الحرب أبداً على الولايات المتحدة الأمريكيّة مهما استُثيِر، فإنّ طريقة الضغط على اليابان لفعل هذا كانت متوفّرة. وكانت أولى الخطوات بفرض حصار على النفط والحديد المسلّح في اليابان، بحجّة الحروب اليابانيّة على الأراضي الآسيوية، ممّا دفع اليابان إلى الرد بالسيطرة على المناطق الغنيّة بالنفط والمعادن في إندونيسيا. وحيث أنّ القوى العسكريّة الأوروبيّة كانت قد أُرهقت بسبب الحروب في أوروبا، لذلك كانت الولايات المتّحدة الأمريكيّة هي القوة الوحيدة القادرة على إيقاف غزو مناطق الهند الشرقيّة التابعة لهولندا. وعن طريق تحريك جيوش المحيط الهاديء من سان دييجو إلى بيرل هاربر، قام روزفلت بهجمة على جيوش الانتداب سبقت الاحتلال، كخطوة تسبق أي خطّة يابانيّة لتوسيع إمبراطوريّتها إلى “المنطقة الجنوبيّة الغنيّة الموارد “. وبهذا ورّط روزفلت اليابان كما فعل كراسوس بسبارتاكوس تماماً. كانت اليابان بحاجة للنفط، وكان عليها أن تجتاح إندونيسيا من أجل الحصول عليه. وللقيام بهذا كان على اليابان أوّلاً أن تتخلص من خطر الجيوش الأمريكيّة القابعة في بيرل هاربر.
ولاستثارة واستفزاز الشعب الأمريكي إلى أقصى درجة ممكنة، احتاج روزفلت إلى هجمة صريحة وواضحة تقوم بها اليابان بحيث تكون داميّة قدر الامكان. على أن تبدو وكأنها هجمة مباغتة. ومنذ تلك اللحظة حتى لحظة الهجوم على بيرل هاربر بذل روزفلت ومعاونيه جهدهم إلى أقصى حد، بأن لا يعلم قادة قواته في هاواي، الجنرال شورت والأدميرال كيميل بأي شيء عن موقع الجيوش اليابانيّة أو نواياها ليكونوا كبش الفداء لهذه الهجمة، (من الجدير بالذكر أنّ الكونغرس قام بعد سنوات طويلة بتبرئة كل من شورت وكيميل وإعادة رتبهم العسكريّة التي كانوا قد جرّدوا منها سابقاً بعد أن اتهموا بالتقصير). ولكن كما استنتج المجلس العسكري عندها، وكما أثبتت الوثائق التي أميط اللثام عن سرّيتها، ثبت أنّ واشنطون كانت تعلم مسبقاً عن الهجمة. وعرفت مسبقاً وبالضبط تحركات ومواقع الجيوش اليابانيّة.
كشف “هال” وزير الدولة في التاسع والعشرين من نوفمبر عن رسالة من مراسل اليونايتد بريس “جو ليب” التي حدّد فيها مكان وزمن الهجمة. وفي تقرير لصحيفة النيويورك تايمز في ملحقها الخاص ببيرل هاربر بتاريخ 12 – 8 – 1941 في الصفحة 13 جاء في التقرير أنّ مكان وزمن الهجمة كانا معلومين مسبقا.
واتضح أن ما أعلنته الولايات المتحدة الأمريكية من أنّ الجيوش اليابانيّة أخرست جميع اتصالاتها اللاسلكيّة في طريقها إلى هاواي كان محض افتراء، وتبين من ضمن العديد من الإثباتات الموجودة في ملفّات أرشيف الدولة أن هناك رسالة لم تكن مشفّرة أرسلتها السفينة اليابانيّة “شيريا” تقول: “نحن في طريقنا إلى الموقع 30.00 شمالاً، 145.20 شرقاً ونتوقّع وصولنا إلى نقطة المهمّة في الثالث من ديسيمبر”.
كذلك أراد الرئيس “ليندون جونسون” حرباً في فيتنام لمساعدة أصدقاءه الذين يمتلكون شركات أسلحة وخدمات متعلقة بالدفاع ليستفيدوا من بعض الصفقات كما فعل “بوش” في العراق. وأراد جونسون هذه الحرب ليجعل البنتاغون والمخابرات الأمريكيّة تعدل عن خطتها لمحاولة غزو كوبا، والأهم من كل هذا أنّه أراد تلك الحرب ليقنع الشعب الأمريكي بأنّه لم يكن يملك أي خيار آخر.
فحملت عناوين الصحف الأمريكيّة في الخامس عشر من أغسطس 1964 عنواناً موحّداً وهو “عودة الهجمات ضد الأمريكان من قبل مدمرات في المياه الفيتنامية، وخصوصاً في خليج تونكين”. وقالت القصة الرسمية أنّ قوارب طوربيدات فيتنام الشمالية قامت بهجوم “غير مبرّر” على إحدى الدوريات الروتينيّة للقوارب الأمريكيّة. لكن في الحقيقة كانت هذه القوارب مُشاركة في تجمع قوى المخابرات الأمريكيّة، وكانت تقوم بالتنسيق مع قوات جنوب فيتنام والقوّات الجويّة بهجمات ضد أهداف في شمال فيتنام. واتضح أنه لم يكن هناك أي هجوم من قبل سفن طوربيديه ضد أي قوارب أمريكيّة.
أرسل الكابتن “جون . جي . هيريك” رئيس قوة المهمّة العاملة في خليج تونكين، برقيّة لواشنطون العاصمة مفادها، أنّ التقرير كان “نتيجة لحماس زائد من قبل موظّف اللاسلكي الذي التقط الأصوات من خلال براغي قاربه الخاص فذعر”. ومع هذا ومع علمهم بأنّهم قد قدّموا تقريراً خاطئاً، ظهر ليندون جونسون على شاشة التلفزيون الوطني في تلك الليلة معلناً عن بداية هجمات جويّة ضد شمال فيتنام “كَرَد” على هجمة لم تحصل على الإطلاق.
كذلك الأمر أراد الرئيس جورج بوش حرباً على العراق، مثل كراسوس تماماً، ودوافع جورج بوش كانت مادية وبالذات أموال النفط ، لأن فشل اتحاد الأوبيك بالسيطرة على تقييد إنتاج النفط في الشرق الأوسط أدّى إلى فيضان الأسواق بالنفط الذي ينبع من تحت الأراضي العراقيّة التي تجثم على ما يزيد على ثلث مخزون النفط في المنطقة بأسرها. لذلك أراد جورج بوش اختراع حرب توقف تدفّق النفط ، لتثبيت الأسعار وضمان حماية الأرباح من الهبوط أكثر. ومثل روزفلت أراد بوش من الطرف الثاني أن يقوم بالخطوة الأولى.
كان معلوماً أن العراق كانت تريد منذ مدّة طويلة أن يكون لها منفذاً أكبر على الخليج العربي، لأنها كانت تشعر بأنّها محصورة بشريحة ضيقة من الأرض على طول الحدود الشماليّة للكويت، ممّا وضع المصالح العراقيّة على مرمى إيران المعادية. فاستغل هذا الأمر جورج بوش الذي كان يزوّد العراق بالأسلحة أثناء حربها مع إيران. فأرسل خبراً من خلال “إبريل غلاسبي” مفاده أنّ الولايات المتحدة لن تتدخّل فيما لو حاول صدّام حسين أن يضع يده على جزء أكبر من الأراضي الكويتية، فوقع صدّام في الفخ عندما صدق الأمر وقام بالهجوم على الكويت. وكما هو متوقع، لم يكن الأمريكان ليرسلوا بأبناءهم وبناتهم ويجازفوا بحياتهم من أجل حماية مُنتَج نفطي، لذلك قام جورج بوش بحياكة خدعة أخرى، مستخدماً خدمات مؤسّسة إعلامية متخصصة في العلاقات العامة، من النوع الذي أصبح ثريّاً على حساب أموال دافع الضرائب عن طريق فبركة القصص واختراع وترويج الأكاذيب. هذه المؤسّسة قامت بتلفيق كذبة ظهرت فيها ابنة السفير الكويتي في الولايات المتحدة الأمريكيّة على شاشة التلفزيون، مُتظاهرة بأنّها مُمرّضة، وابتدعوا قصّة مرعبة تفيد بأنّ أفراد الجيش العراقي نهب الحاضنات في المستشفى الكويتي، مخلفين وراءهم الأطفال الخُدّج على الأرض الباردة ليموتوا. ولم يبذل الإعلام المتواطئ منذ البداية في هذه الفضيحة جهداً أو يتساءل على الأقل، لماذا لم تقم هذه الممرّضة بالتقاط الأطفال الخُدّج عن الأرض أو لماذا لم تقم بلفّهم ببطّانيّات أو القيام بأي شيء لإنقاذهم.
ومرة أخرى، تأثر الشعب الأمريكي عاطفياً بقصة الحاضنات المفبركة، ودعم عمليّة عاصفة الصحراء التي لم تزح صدّام حسين من السلطه، بل قامت بالاستيلاء على النفط الكويتي من الأسواق لمدّة تقارب السنتين، إلى جانب وضع قيود على صادرات العراق من النفط منذ ذلك الحين حتى تاريخ هذا اليوم.
بعد الانتصار الذي حقّقته الحكومة الأمريكيّة في حرب العراق ظهرت حرب أخرى في منطقة البوسنة الغنيّة بالمعادن ، ومرّة أخرى استخدم الخداع للحصول على دعم الشعب للخطوات العسكريّة التي ستقوم بها الدولة.
قصة خداع أخرى تورطت فيها الصحافة، تضمنت صورة لـ”فكرات آليك” وهو ينظر من خلال سلك شائك. استخدمت تلك الصورة “لإثبات” وجود معسكرات اعتقال عصرية كما ورد في العنوان الرئيسي للصحف الأمريكية “بيلسين 92″ . واستخدمت كل الوسائل الإعلامية بكل ما تعلّق بفظائع الحرب النازية من أجل تسويق الفكرة اللازمة لترويج ضرورة إرسال المزيد من فرق الجيش الأمريكي لتحارب على أرض شعب آخر.
ولكن عندما ذهب الصحفيون الألمان إلى ترنوبولجي، موقع معسكر الاعتقال الجماعي المزعوم، لتصوير فيلم وثائقي، اكتشفوا أنّ الصورة كانت مزيّفة، والمخيّم في ترنوبولجي لم يكن معسكراً للاعتقال وإنّما كان مركزاً للّاجئين، ولم يكن محاطاً بالأسلاك الشائكة. وبالفحص الدقيق للصورة الأصليّة تبيّن أنّ المصوّر كان قد قام بالتقاط الصورة من خلال جزء مقطوع من السياج المحيط بكوخ لحفظ العدد والأدوات. والمصوّر هو الذي كان في الداخل يقوم بتصوير اللاجئين الموجودين خارج السياج وليس العكس.
ومرّة أخرى تمّ خداع الشعب الأمريكي ليدعم قرارات لم يكن ليؤيّدها. وبينما بدأ العديد من الرؤساء الأمريكيين حروباً لأسباب شخصيّة عديدة، لم يتخطّى أي منهم حدوده إلى درجة التطرّف التي وصل إليها بيل كلنتون عندما أمر بهجمة إطلاق صواريخ على كل من السودان وأفغانستان، مدّعياً بأنّ لديه الدليل القاطع بأن الحليف السابق للولايات المتحدة في أفغانستان، أسامة بن لادن، كان يقوم بتصنيع أسلحة كيميائية إرهابيّة. وتزامنت حملة كلينتون على السودان وأفغانستان مع فترة توقعات التصريح العلني من قبل “مونيكا لونيسكي” وشهادتها في قضية تحرش كلينتون الجنسي بها.
في النهاية، كشف فحص صور مخلفات الهجمات على السودان وأفغانستان، بأنّه لم يكن يوجد في أي من الأماكن أو المباني التي قصفت، مختبراً له علاقة بأي مواد لها علاقة بتصنيع أي نوع من الأسلحة من قريب أو بعيد. وثبت أنّ تأكيدات المخابرات الأمريكيّة بأنهم حصلوا على نتيجة فحص تربة إيجابيّة لأسلحة بيولوجيّة سقطت على وجوههم، لم يكن لها أي أساس من الصحة. وطالبت السودان رسمياً من المراقبين الدوليين بأن يقوموا بفحص بقايا المصنع لإثبات وجود أي أثر لغاز الأعصاب الذي أصرّ كلينتون على وجوده هناك، لكنهم لم يجدوا أي شيء. والمبنى الذي تمّ قصفه في السودان اتضح أنه كان مصنعاً للأسبرين. ورفع مالك المصنع قضيّة يطالب فيها بالتعويض عما لحق به من ضرر. بينما المكان الذي تمّ قصفه في أفغانستان، اتضح أنّه لم يكن سوى مسجداَ.
في تلك الأثناء، نشر الإعلام الأمريكي ما يشبه طوفان من الأخبار الملفّقة، عن قصص قتل وفظائع في كوسوفو في حملة إعلامية من أجل التشويش والتغطية على الحرج الذي تعرّضوا له بعد ما فعلوه في السودان. وكانت هذه القصص بنفس مستوى الفظاعة والإثارة، وثبت فيما بعد أنّها من وحي الخيال، كما كان الحال في معظم قصص ويليام راندولف هارت عن قصص فظائع الكوبيين.
وكما كان الوضع في ألمانيا أيّام حكم هتلر، حصلت بعض الأحداث التي زرعت الخوف في قلوب أبناء الشعب الأمريكي ليبقوا مستعدين لدعم مخططات حكومتهم التي كانت توهمهم بوجود أخطار، مثل تفجير برج التجارة العالمي في نيويورك. ومسارعة الإعلام الأمريكي لإلقاء اللوم على من لقبتهم بـ “المتطرّفين” و “أصحاب مؤامرات الجناح اليميني” و “الأعداء الذين يعيشون بيننا”.
وها هم الأمريكان اليوم مثل الرومان أيّام كراسوس وسيسيرو، أو الألمان إبان حكم هتلر في بداية عهد انتخابه. يتم تحذيرهم من عدو خطير، مجهول الهوية والمكان، يعمل منفرداً، ويسيطر على الموقف بشكل جيّد. وكما كان الحال في روما وألمانيا استمرّت الحكومة الأمريكية باستجداء عطف الشعب لزيادة قوّتها وسلطاتها لتستطيع مواجهة الأزمات. وكما راقب سيسيرو الأحداث وهي تمر، فعل ذات الشيء من كانت بأيديهم السلطات والعلاقات الإعلامية بالاستمرار ببث إعلانات إنذارات الشؤم لتخويف الشعب وتطويعه للموافقة على اي قرارات عسكرية تنوي الحكومة اتخاذها.
تكرر السيناريو عقب ثورات الوطن العربي الأخيرة عندما بدأت حملة تخويف منظمة من أن هناك إسلاميون قد يمسكون بزمام السلطة وقد يطبقون الحدود الإسلامية ويقطعوا أيدي السارقين ويجبروا النساء على ارتداء الحجاب وغيره. يجب الحذر من هذه التصريحات عبر الإعلام المسموم الذي يعيد إلى الأذهان ذات الطنطنة عقب فوز حماس في الانتخابات في قطاع غزة.
هناك بوادر جديدة لطنطنة جديدة في بريطانيا أيضاً، إذ طرح عضو البرلمان من حزب المحافظين عن منطقتي فيلتون وبرادلي ستوك في منطقة بريستول، السيد جاك لوبريستي، السؤال التالي يوم 17 يناير 2012 أمام البرلمان ولجنة الخارجية ومكتب الكومنولث ” ما هي الخطوات التي يمكن اتخاذها للحد من شحنات الأسلحة والعتاد الموجهة من إيران بالذات إلى الجماعات المسلحة في فلسطين؟”.
هذا السؤال الذي يبدو للوهلة الأولى كسؤال بريء، يحمل خلفه شحنة من التضليل الإعلامي والسياسي، لعدم وجود أي دلائل على تمويل أسلحة من إيران لأي جهة في فلسطين. ولأن الساسة البريطانيين هم أعلم الناس باستحالة حصول هذا لوجود حظر مفروض على المناطق الفلسطينية من جميع الاتجاهات. وإن كانت المناطق الفلسطينية لا تستطيع تهريب زجاجة دواء فكيف يمكنها تهريب “شحنات” من الأسلحة. وكما هو متوقع، لم يذكر السيد لوبريستي ما هي مصادر معلوماته. لكنه على علم كشخص متخصص في الرماية أن “العيار الذي لا يصيب، على الأقل يدوِش”. وسيتم تدوير سؤاله ليتحول إلى شبه حقيقة مؤكدة تستخدم لتطويع أو شحن المواطنين حين اتخاذ سياسات خارجية متعلقة بفلسطين أو إيران.
يجب أن يكون هناك دائماً غول جاهز في أماكن اهتمام الحكومات، يخشى منه الناس، ويجب أن تبقى صورة هذا الوحش حاضرة في الإعلام، لتتمكن متى شاءت من إقناع الشعب بضرورة التدخل العسكري بمباركة المواطن البسيط دافع الضرائب.
هل هناك إرهابيون يخشى على الغرب منهم، أم هي تمثيليّة يتم إخراجها بشكل مدروس في كل مرة لإقناع الشعوب بقبول سياسات ثلة من تجار الحرب.
كلما رأينا على شاشات التلفزيون من يعيثون فساداً في الشوارع علينا أن ننتبه أن الفساد والإفساد هما أمران يمكن التخطيط لمسرحيتهما لإثارة الخوف في قلب الجماهير، لتبرير التدخل الأجنبي.