مدينة بريستول البريطانية من مركز لتجارة العبيد إلى صناعة الطائرات

مدينة بريستول البريطانية من مركز لتجارة العبيد إلى صناعة الطائرات

إقبال التميمي– بريستول

مهرجان المناطيد في بريستول

مدينة بريستول البريطانية التي اعتمد اقتصادها في الماضي على تقييد الحريات، وتكبيل الإنسانية من خلال تجارة الرق والعبيد. دخلت عالم الحضارة الإنسانية بالارتفاع في أجواء التطور بالانطلاق إلى الفضاء واستبدال الاقتصاد الذي اعتمد على السلاسل والعبودية بآخر يعتمد على صناعة الطائرات. وما بين قسوة القيد وحرية الفضاء تسرد الرياض قصة المدينة.

تقع مدينة بريستول جنوب غرب بريطانيا وتبعد 169 كم عن غرب لندن. يبلغ تعدادها السكاني ما يقارب 411 ألف نسمة عدا عن 550 ألفاً يعيشون في الريف المحيط بها. كانت لمدة حوالي 500 عام ثاني أو ثالث أكبر مدينة في بريطانيا، إلى أن حصلت الثورة الصناعية التي دفعت بمدن مثل ليفربول، وبرمنغهام، ومانشستر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر للتتفوق عليها. لكن أهم ما يرتبط باسم بريستول واقتصادها هو ميناء بريستول التجاري الواقع على نهر أيفون الذي يمر وسط قلب المدينة.

هذا الميناء موجود منذ القرن الثاني عشر حيث كانت تجري من خلاله التجارة مع ايرلندا. وفي عام 1247 تم بناء جسر جديد في المدينة ليصل ضفتي النهر ولتبدأ من هناك صناعة بناء السفن. ومن هذا المكان انطلق جون كابوت في رحلته عام 1497 لاستطلاع الطريق إلى أمريكا الشمالية. في القرن الرابع عشر كانت بريستول ثالث أكبر مدينة في العصور الوسطى في بريطانيا إلى أن انتشر فيها وباء الطاعون الذي انتقل إليها من لندن ويورك وقضى على ما يقارب من 10 – 12 ألف من سكانها.

تغير تاريخ المدينة في القرن السابع عشر مع نشأة المستعمرات البريطانية في أمريكا وتوسع تجارتها عبر الأطلسي في القرن الثامن عشر. وأصبحت مدينة بريستول مقراً رئيسياً لتجارة العبيد الذين كانوا يجلبون من أفريقيا ليستعبدوا في أمريكا. وحسب الإحصائيات الموثقة من عام 1700 إلى عام 1807 مرّت عبر المدينة أكثر من 2.000 سفينة محملة بالعبيد، ونقلت ما يزيد عن نصف مليون من الأفارقة ليصبحوا عبيداً في أمريكا. لكن عام 1807 انتهت تجارة العبيد وسقط معها اقتصاد المدينة. إلى أن عادت النهضة في القرن التاسع عشر مع بداية عصر التصنيع حيث تم بناء خط السكة الحديدي بين لندن وبريستول المعروف بغريت ويستيرن، وبدأ بناء السفن البخارية، وقام المهندس جون ويزلي ببناء الجسر الشهير المعلق الذي ربط المدينة بمقاطعة ويلز.

اشتهرت بريستول في الماضي كذلك بتجارة التبغ. لكن اسمها الآن مرتبط بالصناعات الجوية، والإعلام، وتقنيات المعلومات، واستيراد السيارات.

منذ ترخيص الميناء عام 1991 تم استثمار 330 مليون جنيه استرليني فيه، وأصبح الميناء يتناول 12 مليون طن من البضائع سنوياً. بينما القطاع المصرفي وظف 40.000 شخص في المدينة، قطاع الالكترونيات والتقنيات العالية أصبح 400 شركة في المدينة. وبالمعدل يزور المدينة 9 ملايين سائح سنوياً.

دخلت صناعة الطائرات على مدينة بريستول في القرن العشرين من خلال شركة فيلتون، وصناعة محركات الطائرات من خلال شركة بريستول للمحركات الجوية والتي أصبحت شركة رولز رويس لاحقاً. وأصبحت الشركة مشهورة بعد أن أنتجت الطائرة المقاتلة بريستول في الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية أنتجت طائرتي بلينهايم والبيوفايتار. وفي الخمسينيات أصبحت تصنع الطائرات المدنية إلى جانب المقاتلة بريستول وطائرة بريتانيا وطائرة باربازون العملاقة. كما وسعت نشاطاتها لتصنيع السيارات إلى جانب الطائرات في الأربعينيات، وقامت بتصنيع سيارات فخمة للأثرياء مصنوعة يدوياً في مصنع فيلتون تحت اسم بريستول كارز، إلا أن الشركة استقلت عن الشركة الأم بريستول ايروبلين عام 1960. كما نشطت المدينة في صناعة الحافلات منذ عام 1908.

لكن أهم ما تذكره المدينة أن آخر إقلاع لطائرة كونكورد حصل من نفس هذه المدينة يوم 26 نوفمبر عام 2003، وكانت أيضاً قد أقلعت للمرة الأولى على الإطلاق من نفس المكان عام 1969. لأن شركة فيلتون لصناعة الطائرات والتي مقرها مدينة بريستول، لعبت دوراً هاماً في الستينيات في العلاقات الأنجلو – فرنسية من خلال مشروع الطائرة النفاثة الكونكورد. حيث تم تصنيع قطعها في بريستول وفي مصانع فرنسية، ثم تم شحن القطع إلى مدينة تولوز الفرنسية ومدينة بريستول البريطانية لتجميع الطائرات.

قام الفرنسيون بتصنيع هيكل وسط الطائرة ومركز الجناح، وقام البريطانيون بتصنيع أنف الطائرة وهيكلها الخلفي والمراوح وأطراف الجناح. بينما تصنيع محرك الطائرة أوليمبوس 593 اقتسمته الدولتان وبالذات بين شركة فيلتون ( رولز رويس) البريطانية وشركة إس إن إي سي إم إيه الفرنسية في باريس. لكن هبطت الكونكورد آخر مرة في 26 من نوفمبر 2003 وتقاعدت لتصبح جزءا من المتحف الجوي في المدينة.

ما زالت الصناعات الجوية هي عماد اقتصاد المدينة، ومن أشهر شركات تصنيع الطائرات فيها شركة بيز سيستيم، والإيرباص، والرولز رويس. هذا إضافة إلى مركز للأبحاث الجوية بالقرب من جامعة ويست أوف إنغلاند. إضافة إلى أشهر شركة عالمية لصناعة المناطيد والتي أدت إلى نشأة مهرجان سنوي عالمي يجري في المدينة في شهر آب / أغسطس من كل عام وتشارك فيه جميع الدول الأوروبية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s