ارتفاع مستمر بالأسعار في بريطانيا يولد ظواهر اجتماعية جديدة مثل هجرة الأغنياء وسرقة الوقود من الخزانات بين الفقراء

تصوير إقبال التميمي

تصوير إقبال التميمي

إقبال التميمي– لندن

وصلت أسعار الغذاء يوم أمس إلى أعلى حد منذ 18 عاماً، وهذا الارتفاع غير مقصور على بريطانيا بل هو ظاهرة عالمية. إلا أن البريطانيين اختاروا مخرجاً آخر من الأزمة يختلف عن غيرهم من مواطني دول أخرى وذلك لأن بعضهم يملك المال للرحيل.

من كان يصدق أن بريطانيا التي يجازف البعض بحياته للوصول إليها ويحلم بالاستقرار فيها بدأت تلفظ نفس أبناءها لأن الوضع الاقتصادي العام لم يعد قابلاً للاحتمال.

وحسب معلومات صدرت من مكتب الإحصائيات القومي البريطاني، فإن ثمن الخبز واللحم ارتفع بنسبة 9 % منذ العام الماضي وارتفع معه التضخم المالي العام في بريطانيا بنسبة 3.3 %، بينما ثمن الحليب والجبن والبيض والزيوت النباتية زادت أسعارها بنسبة 20 %. بينما ارتفعت أسعار الخضار والأسماك بنسبة 7 %. وبشكل عام وصلت الأسعار في بريطانيا إلى أعلى مستوى منذ عام 1990.

ارتفاع الأسعار العالمي للمواد الغذائية الناجم عن مواسم زراعية سيئة كما في أستراليا هذا العام، أو التنافس على تحويل مادة غذائية يستهلكها الإنسان إلى مادة تبتلعها الآلات الحديدية كما حصل في تحويل الزيوت النباتية إلى بديل للنفط أدى إلى اندلاع تظاهرات وثورات في الدول الفقيرة، لكن في دولة غنية مثل بريطانيا هناك خيار آخر لقطاع من الناس ممن يملكون الخيار.. ألا وهو الهجرة والرحيل إلى بيئة أكثر حناناً على الجيوب. بينما الباقون غيروا أنظمة حياتهم وبدأوا بزيارة محلات بيع التجزئة التي تملك سمعة لبيع أدنى الأسعار والتي كانت محسوبة على الفقراء مثل سلسلة ليدل، ونيتو، وآلدي. كما أنهم تنازلوا عن الانفاق على أشياء كثيرة كانوا يعتبرونها ضرورية.

لكن ماذا يفعل المواطن البريطاني مع ارتفاع قيمة جميع الفواتير الأخرى مثل الغاز والكهرباء، والاتصالات والمواصلات. ارتفع سعر زيت التدفئة بنسبة 84 % عن العام الماضي وهذه الزيادة ارتبطت بظاهرة جديدة وثقتها التقارير الرسمية وهي ارتفاع حوادث سرقة زيت التدفئة من الخزانات الملحقة خارج المنازل. حيث قام اللصوص بشفط ما في الخزانات إلى خزانات مركباتهم مباشرة لتسييرها وبعضهم نقل زيت التدفئة في صهريج. ولجأ كثيرون لاستخدام السيارات القديمة التي لا تستهلك الكثير من النفط. كما ارتفع ثمن الغاز بنسبة 10 % عن العام الماضي.

هذا الارتفاع آذى المتقاعدين الذين ارتفعت نسبة التضخم بالنسبة لهم بمقدار 4.5 %.

لذلك شهدت بريطانيا في الأشهر القليلة الماضية هبوطاً حاداً في أسعار المنازل الفخمة، وركود في سوق العقار المتمتع بالرفاهية رغم استمرار ارتفاع أسعار إيجار العقارات لذوي الدخل المتدني والمتوسط. قابل كل ذلك هجرة متزايدة باتجاه الخارج وبسرعة فاقت هبوط أسعار العقار، والجميع يؤكد أن الوضع الاقتصادي المتدهور هو الملام في الدرجة الأولى على الهجرة من المدن البريطانية وذلك لإنقاذ ما تبقى من مدخرات. إضافة إلى ارتفاع نسبة الجرائم، وانخفاض مستوى الخدمات الصحية وصعوبة الحصول على تعليم مجاني بمستوى لائق كما كان الأمر سابقاً.

وحسب الاحصائيات الأخيرة فإن المهاجرين يتجهون إلى بلغاريا على ساحل البحر الأسود، وإسبانيا، والبرازيل، والمغرب، وألبانيا، والصين إضافة إلى أستراليا وغيرها من الدول. حتى أن هناك من يهاجرون إلى الهند وماليزيا. وحسب الاحصائيات فإن 5 مليون بريطاني هاجروا في السنوات القليلة الماضية، ويتوقع أن يهاجر مليون إضافي خلال السنوات الخمس القادمة. بل هناك من يرجح أنه ونتيجة للركود الاقتصادي الحالي، وسهولة وجود عقارات ذات أسعار مقبولة في الخارج، إضافة إلى سهولة العمل في الدول الأخرى يتوقع أن يهاجر عدداً أكبر من المتوقع، خصوصاً وأن الانترنت يسّر عمليات البحث، حيث زادت الرسائل المتعلقة بالاستفسار عن الهجرة إلى الخارج بنسبة 7 % في العام الماضي فقط.

200.000 بريطاني هاجروا من بلدهم عام 2006 فقط. ورغم الشكوى والتذمر من المهاجرين الوافدين من الخارج إلى بريطانيا، وادعاء أنهم نافسوا السكان المحليين وأنهم كسولين أتوا إلى بريطانيا ليستفيدوا من خيراتها، إلا أن واقع الحال عكس ذلك. وحسب ما شهد ليام كليفورد وهو مسؤول سابق في دائرة الهجرة فإن العوائد التي أتى بها هؤلاء المهاجرون حسنت العائدات الاقتصادية بنسبة 70 %. وحسب رأيه ” الناس متوهمة ببريطانيا، والنظام الضريبي الحالي يعمل على عقاب من يعملون ويجتهدون. لذلك من لديه طموحات ويستطيع العمل يختار الهجرة خارج بريطانيا. مثل مايكل لوغلين الذي يملك شركة يورولوجيكس في ستافودشير، حيث تصنع شركته ماسحات ضوئية ” أشعة إكس” للاستخدام في المطارات والسجون. حيث قرر هو أيضاً نقل شركته وأسرته إلى تورنتو في كندا، حيث سيصدر من هناك منتوجه إلى بريطانيا. وحسب شهادته تلقى دعم وتشجيع غير عادي من الحكومة الكندية لينتقل هناك، ومنح حوافز مالية، ومساعدة في تعريفه على سوق العمل ومن يمكن أن يصبحوا زبائنه الدائمين.

كثير من أثرياء بريطانيا يغادرونها حسب شهادة أندرو لانغتون رئيس شركة أيلسفورد الوكلاء العقاريين الدولية التي تمتلك فروعاً في إسبانيا وفرنسا. والذي أكد أن 40 % من عمل شركته أصبح في بيع وشراء العقار في دول أخرى. وقال أن البريطانيون أصبحوا يفضلون نقل أموالهم إلى الخارج على أن يخسروها في دفع ضريبة الميراث التي وضعتها الحكومة.

الأثرياء من البريطانيين ينتقلون الآن وينقلون مدخراتهم معهم إلى سنغافورة وهونغ كونغ ودبي حيث لا يوجد هناك ضرائب على الدخل، إضافة إلى أسلوب حياة جاذب ومختلف تماماً. إضافة إلى نظام المصارف الذي يوفر لهم خصوصية وحماية من تدخل ورقابة الدولة. إضافة إلى أنظمة مالية وضريبية تعتبر بالمقارنة مع بريطانيا فردوساً لرجال الأعمال.

كما يهاجر البعض إلى قبرص وخصوصاً بعد سن التقاعد للتمتع بأسلوب معيشة أفضل وتكلفة حياة أقل. وخصوصاً أن ثمن المنازل أقل بكثير وفخامتها أكبر مقارنة بما في بريطانيا. وبنفس الثمن الذي يشتري شقة بحجم علبة الكبريت في لندن يستطيع المغترب أن يشتري بيتاً مستقلاً واسعاً فيه عدد من غرف النوم ومسبحاً وله إطلالة جميلة في دول أخرى.

قال أحد المهاجرين أنه هرب من كثرة كاميرات المراقبة المزروعة في كل مكان في بريطانيا، وعدم وجود مكان يركن فيه سيارته، إضافة إلى ارتفاع ثمن الوقود وأسعار الكثير من المواد الاستهلاكية. بينما قال آخر هربت من ملاحقة الجرذان المنتشرة في كل مكان. ومن الاكتظاظ السكاني والتلوث في كل مكان.

لكن بغض النظر عن آسباب الهجرة، الأمر المؤكد الوحيد أن هناك هجرة من داخل بريطانيا إلى الخارج وأن ارتفاع الأسعار هو المتهم الأول.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s