الصحافة الالكترونية بين النصب والاحتيال والتسوّل

header-online_internet_marketing

إقبال التميمي –  لندن

2 / 5 / 2009

هناك إرشادات واضحة في نقابات الصحفيين البريطانية تشدد على عدم تقديم أعمال صحفية مجانية وذلك من أجل حماية حقوق الصحفيين كجماعة. كنت أعتقد بأن هؤلاء الرهط من بني حبر لا يفقهون معنى العطاء وثقافة التطوع التي نتعاطاها كصحفيين قادمين من العالم الثالث، إذ غالبيتنا يقوم بأعمال صحفية تطوعية لو تقاضينا عليها أجوراً لتربعنا مع بني يورو في قاعات البورصة.

لم أعتقد بصحة توجه هؤلاء الأجانب الذين لا يعرفون لماذا نقوم بالتبرع للكتابة، فكثير من الصحفيين العرب لديهم قضايا لا يرضى الإعلام العربي الرسمي بطرقها لانعدام الشفافية أحياناً أوالخوف من ردات الفعل وسط مستويات مختلفة من القراء أحياناً أخرى، إلى جانب أن هناك قامات صغيرة تتمرن على سباق الهامات الكبيرة، وهناك من ليس لديه منصة مجاهرة لكشف ظلم وقع به لانعدام قنوات التظلم أو فسادها فلا يجد المرء سوى  مواقع الانترنت كرئة ثالثة يتنفس من خلالها، لكن يبقى الأمر منوطاً بسياسات كل منصّة إعلامية على حدة.

الوضع في بريطانيا مغاير، لا يوجد نص واحد مجاني، ولا صورة صحفية مجانية ولا شريط صوتي مسجل مجاني، وفي حالة المواقع الخيرية التي تضطلع برسالة وليس لديها المال الكافي لدفع المقابل، تطلب الإذن الرسمي بالنشر من صاحب المادة ولا تنسى شكره علناً وتثبيت حقه الأدبي.

وسط كل ذلك التنظيم حضر بعض العرب المغتربون المتصيدون للمشاريع تحت ضباب لندن وكل منهم يعتقد بأنه مبصر في سوق العميان وأن لا أحد سمع بتصميم المواقع غيره، تجد أحدهم قد أطلق في يوم وليلة موقعاً على أنه صحيفة انترنت وبدأ صاحب القرار الرشيد بمراسلة كل من له عنوان الكتروني ليطلب منه المشاركة في الكتابة للموقع مع وضع خطين عريضين تحت كلمة مجاناً. وبنظرة سريعة على المواقع تراها تعجّ بمساحات الإعلانات مدفوعة الأجر، وهذا يعني أن المردود المادي للصحيفة الالكترونية غير بسيط.

يصر ” رجال الأعمال” هؤلاء وباتفاق جماعي غريب على أنهم ” يكرهون المادة” والمقصود بالمادة هنا هو التحدث عن المال المتعلق بأجور الجهد الصحفي، ويتقلّص وجه أحدهم كلما ذكرت كلمة ” أتعاب” وينتفض وكأنه وقع في مكان نجاسة وذلك لإحراج الصحفي، إذ أن تربيتنا زرعت فينا أن مناقشة الحق المادي هي دليل على الجشع وأن العمل المجاني أرفع شأناً، ويصر هؤلاء النصابون بدرجة رئيس تحرير على أنهم لا يجيدون حساب حقوق الصحفيين من أجل المماطلة، ورغم إصرار الصحفي على أنه راض بالفتات وراض بأن يحشر مع الماديين إلا أن صاحب التجارة الصحفية يصر على التهرب من أي التزام. مما جعل مشاريع المواقع الصحفية في الغالب مشاريع نصب واحتيال على جهد الآخرين وسرقة من مواد المواقع الصحفية الرسمية مع شيء من عمليات الترميم والترقيع وإعادة التشكيل.

كثير من المواقع الإخبارية الشهيرة تستكتب الصحفيين مشافهة على الهاتف أو عبر الانترنت ثم تنفض وعودها بعدم دفع مليم واحد لمن اجتهد بتوفير المواد، ويختفي هؤلاء عادة خلف اسم لشخصية إعلامية معروفة شريكة في مشروع الاحتيال. لذلك على المرء أن يتسلح بعقد موثق وأن ينسى الأمثال الشعبية التي تقول “لسانك حصانك” إذ على ما يبدو كثير من رؤساء التحرير الالكتروني يمتطون خشبة.

مقابل الصحافة الورقية التي تحمل أعباء النشر وأجور التشغيل واستئجار المكاتب وتكاليف الانتاج وصعوبة التراجع عن خطأ مطبوع، هناك صحافة لا تحمل عبء المكان أو الآلات أو الموظفين، ولا تساهم في قتل البطالة، ولا تخضع للمساءلة على كثير من القضايا لسهولة إلغاء خبر من عالم الانترنت، هذا عدا عن إيهام متدنيي نسبة الذكاء بأن هناك طاقم من العاملين خلف الموقع وليس نصاباً أو اثنان. ينجم عن دعم هؤلاء المتسولون قتل لمهنة الصحافة وحقوق الصحفيين. لذلك على النقابات الصحفية الاقتداء بالنقابات الصحفية البريطانية من وضع لائحة بأسعار خدمات الصحفي بغض النظر إن كانت للصحافة الورقية أو لصحافة الانترنت، وعدم التنازل عن هذا المطلب لحماية المهنة. واعتبار أن مهنة صحافة الانترنت يجب أن تخضع لمعايير الكسب والضرائب وتوثيق عقود الاتفاقات والاستكتاب كما هو حال الصحافة الورقية وتسجيل المواقع رسمياً كمصادر للدخل، وإخضاعها للمساءلة عن مصادرها الخبرية ومسائلتها عن مصادر المعلومات والصور. إذ لا يعقل ان تحمل كل صفحة  انترنت إعلانات مدفوعة الأجر من شركات طيران وسلسلة فنادق فخمة ومصانع وشركات خدمية من الوزن الثقيل بينما لا يدفع صاحب الموقع لأي من الصحفيين مليماً واحداً على جهودهم وفي ذات الوقت ينافس صحف ذات تكالبف إنفاق ثابته على مصادر رزقها. التأخر في معالجة هذا الانفلات سيدمر تقاليد الصحافة وسيزيد من عدد العاطلين عن العمل، وعدد المتظلمين الذين أسيء إليهم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s