الإعلام العربي يهتك عرض الأمهات الفلسطينيات تحت مظلة الرواية

 

أي فائدة تخدم صورة نساء المخيمات عبر تقديمهن كمومسات أكبر همهن متعة بين أفخاذهن.

 

بقلم: إقبال التميمي

 

عندما وصلتني الشكاوى كمسؤولة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا وكرئيسة شبكة أمهات فلسطينيات كردة فعل على رواية احتفى بها بعض الإعلام العربي الأجوف، تأكدت بأن الأمر جلل. الأمر يتعلق برواية يطلق عليها عنوان “حليب التين” لكن تبيّن لي بعد قراءة ما جاء في الشكاوى من نساء فلسطينيات وبعد التعرف على محتوى الرواية بأنه كان من الأجدر بالكاتبة أن تطلق على روايتها اسم “حليب الطين” رغم أن في ذلك تجنًّ على الطين الذي رغم أن ظرف مكانه يقع تحت الأحذية ويلطخ ما يعلق به، إلا أنه والحق يقال، له فوائد وهو أرفع منزلة من مداد من فشلت في التسلق الإعلامي ولم تجد بداً من الوصول عن طريق هتك عرض النساء الفلسطينيات الصامدات في المخيمات، أرامل وأمهات الشهداء وأمهات أيتام فلسطين، وذلك بوصمهن بممارسة العادة السرية في الحمامات العمومية للمخيمات، بين أكوام البراز والروائح النتنة، وممارسة الدعارة في دبي.

عندما قرأت اسم الرواية بحثت عن الراوية وإذا بها سامية عيسى. إحدى من عرفتهن إبان عملي في الإعلام منذ سنوات في الإمارات العربية المتحدة. كانت كاتبة في مجلة الأسرة حاولت مراراً الدخول على الإعلام التلفزيوني. لكنني استغربت كيف لجدّة في الخامسة والخمسين من العمر مثل سامية عيسى أن تخون من منصّتها الإعلامية في أول أعمالها، المرأة الجدّة الفلسطينية “فاطمة” وادعاء بأنها قدمت خدمة للمرأة الفلسطينية المقهورة.

كانت سامية قد عرضت عليّ وعلى غيري من الزملاء عام 2004 بضعة صفحات مما أصبح الآن رواية “حليب الطين” لتأخذ رأينا فيها ككتاب وكإعلاميين وكمثقفين في دائرة النقد الأدبي ، وكنا قد حذرناها حينها من الهبوط إلى ذلك المستوى الذي ينحدر دون خط البذاءة ويغرق دون خط المهنية ويركز على الجنس لاجتذاب القاريء لمجرد الحاجة الملحّة لتسويق اسم الكاتبة والحصول على الشهرة في أقصر وقت ممكن، لأن محتوى الصفحات التي أطلعتني عليها ما كانت سوى حشو رخيص من مادة عهر مكتوب لو تم تسجيلها فلمياً لمنعت الرقابة تداولها على ما فيها من بذاءات وسقوط لغوي وأخلاقي. أحد الزملاء قال لها حينها صراحة رغم الصداقة التي ربطتهما معاً، لن أدخل روايتك إلى مكتبة بيتي ولن أجعلها في متناول أيدي أولادي.

حين وصلتني الشكاوى علمت بأن الرواية قد نشرت أخيراً، كانت سامية قد أخبرتني منذ عام 2004 بأنها تنوي نشرها في فرنسا. فرأيت أن أبحث عن الأسماء التي روّجت لتسويق رواية تهتك عرض الفلسطينيات في الحمامات العامة، وفي جو لم يمنع أرملة وأم شهيد فلسطينية تعرضت لجميع أنواع القهر في المخيمات من أن تتأوه وتصل ذروة نشوتها في وصف بالغ الدقة، وسط روائح البراز في حمام عام مصنوع من الزينكو ومخرّم بالثقوب حيث تمكن ” ركاد” من مراقبتها والاطلاع عليها وعلى عورتها والتلذذ بمنظرها وهي تداعب نفسها، بدلاً من أن تفعل ذلك في بيتها إن كان ولا بد من ذلك الفعل اليائس. لكن لسبب ما قررت سامية فضح المرأة الفلسطينية في مكان عام، ليس هذا فقط بل قامت الكاتبة بمحاولة لمنح روايتها المزيد من الاستمرارية في سوق اشترى وباع أوجاع النساء الفلسطينيات بالجملة، بالكتابة عن الأرملة الفلسطينية التي تعمل في الدعارة في دبي وكأن السوق كان يعاني نقصاً في العنصر الفلسطيني. بالطبع لم يذكر الزملاء الصحفيين ممن طبّلوا وزمرّوا لهذه الرواية البائسة أين يجري العهر لأنه حسب وصفها فإن في روايتها إساءة، ليس فقط لجميع المغتربات العاملات باجتهاد وصبر ممن يقمن على إعالة عائلاتهن تحت هياكل الإسمنت وأجواء الاغتراب بكل ما فيها من معاناة وقسوة، بل هناك أيضاً إساءة مبطنّة للمؤسسات الحكومية والأمنية التي تتربع على اقتصاد رهيب لكنها تغض الطرف عن شبكات الدعارة تحت غطاء مؤسسات التجميل كما أن هناك إساءة للمرأة الإعلامية التي تنقصها أدوات الانتشار فتسعى إلى المنحدر من النصوص لتصل غايتها.

للأسف الشديد، غالبية الصحف ومن ضمنها مواقع فلسطينية مسطحة الفكر ضحلة الكفاءات، انقادت للتصفيق لهذه الرواية دون قراءة محتواها، لأن ما وزعته الكاتبة من بيانات صحفية على الإعلام للترويج، لم يوضح محتوى الرواية التي هي أشبه بسرد لسيرة ذاتية لامرأة ساقطة، رغم أن الكاتبة قالت أنها من نسج الخيال.

هناك تضارب واضح في بناء الرواية. إن كانت الرواية حقاً من نسج الخيال، لماذا لم يتفتق خيالها عن أي محاور أخرى تخدم فيه قضايا معاناة نساء المخيمات عدا عن تصويرهن كمومسات أكبر همهن متعة بين أفخاذهن، هل ضاقت على قريحتها المواضيع بما رحبت لتركز على فرج المرأة دون مئات القضايا التي تؤرق الفلسطينيين الذين صودرت جميع حقوقهم. إن كانت الرواية من نسج الخيال كما تدعي، لماذا أدخلت الكاتبة عليها جميع الأسماء الحقيقية لقادة فلسطينيين مناضلين وذكرت أسماء وأماكن تجمعاتهم ومخيماتهم لتكسب مصداقية. لماذا أطلقت على روايتها اسم “حليب التين” دون أن يكون للتين وجوداً في روايتها. هل لأن لحليب التين ايحاءات جنسية متعلقة بالسائل الأبيض. لماذا اختارت اسم فاطمة الذي يحمل في موروثنا العربي والإسلامي رمزاً للطهر والعفاف ليكون اسما للجدة الساقطة، أم الشهداء، فتهوي بها من مكانتها المقدسة إلى حضيض ممارسة العادة السرية مثل المراهقين في حمام عام، وإلى الرذيلة حيث تصبح عشيقة أبو علي. لماذا غيبت النماذج الطيبة عن الرواية وأقصتهم وركزت على العناصر الفاسدة فقط دون توازن في النص ليخدم بناء الرواية. ولماذا أشارت إلى هروب المرأة الفلسطينية من واجباتها وصمودها وقامت على تفصيل حياتها على مراحل من الهروب، الأولى أثناء ممارسة العادة الجنسية في حمام قذر في المخيم، والثانية ممارسة الجنس المحرم مع أبو علي في المخيم، ثم ممارسة البغاء في حمام نظيف في دبي، ثم التسليم بأن تصبح عشيقة لرجل ثري في الإمارات وبعدها الفرار إلى الغرب، لتمارس “حريتها” بعيداً عين الأعين في كوبنهاغن. كيف خدمت سامية عيسى المرأة الفلسطينية؟

للأسف الشديد، حتى المؤسسات الإعلامية المعنية بالثقافة العربية لا يوجد لديها كفاءات تعمل على البحث والتقصي، بل تصدق ما يصلها من خلال البريد الالكتروني ومن خلال التعارف في حفلات عشاء المحسوبيات، وتعمل على القصّ واللصق وتعيد تدوير القمامة المكتوبة. ومن غريب الشأن أن تختار مؤسسة محترمة مثل مؤسسة الفكر العربي سامية عيسى فور نشرها روايتها الأولى هذه، كمتحدث رئيسي في مؤتمر على مستوى الدول العربية. يتساءل المرء هنا عن آليات الاختيار، ومن الذي يقرر مثل هذه القرارات. تدعي مؤسسة الفكر العربي على موقعها الالكتروني أن سامية عيسى ” تعرضت لملاحقات بسبب كتابتها تقارير لدعم المرأة”، أي ملاحقة وأي تقارير هذه. لقد ولدت سامية عيسى وتعلمت وعملت في بلدها لبنان وها هي مدعوة للتحدث في مؤتمر يجري على أرضه، كما دخلت أخيراً عالم التلفزيون، ولم نسمع عن أي كان يلاحقها. ألا يجدر بمؤسسة الفكر العربي تنويرنا حول هذه الادعاءات. ليس هذا فقط بل وصفتها مؤسسة الفكر العربي بأنها “مناضلة” . نتساءل، كيف يمكن لرواية واحدة من هذا المستوى المتدني من المحتوى والبناء الأدبي أن تؤدي إلى خلع لقب مناضلة عليها، ومن الذي يوزع الألقاب بغير حساب. إن كانت رواية “حليب التين” قد جعلت من سامية عيسى مناضلة، فما اللقب الذي يمكن خلعه على صحفيات فلسطينيات ومبدعات تذوقن المرّ في المهجر وعملن ليل نهار واقتطعن من ثمن أرغفة أولادهن لخدمة القضية الفلسطينية وكشف دوائر الفساد والصهيونية وتعذيب العائلات الفلسطينية من خلال جميع وسائل الإعلام المتاحة. إن كانت كاتبة رواية الاستمناء في المراحيض العمومية تحمل لقب مناضلة، ماذا نلقب صحفيات فلسطينيات كتبن عن حقائق مؤلمة لا خيال، ودافعن عن الأمهات الفلسطينيات وأطفالهن مثل كوثر سلام، ناديا حسن، رهام الهلسي، ناديا حجاب، صابرين دياب، رولا جبريل، امتياز المغربي، فيحاء عبدالهادي وغيرهن من زميلات.

لقد تحول الإعلام العربي إلى ببغاء غبي كسول يردد ما يقال له دون محاولة من بذل جهد التحري أو التقصي. نفس الكلمات الفارغة المكتوبة حول الراوية وحول الرواية استنسخت من موقع مؤسسة الفكر العربي في لبنان وأعيد تكريرها والترويج لها دون استقصاء للحقائق من خلال مواقع إعلامية ذات ثقل، كصحيفة المدينة ، وموقع عكاظ في المملكة العربية السعودية، وصحيفة الإمارات اليوم، والاتحاد والخليج في الإمارات وجريدة الأيام، كما نقل النص عن صحيفة السفير وبكل غباء، موقع منظمة التحرير الفلسطينية ودون قراءة الرواية التي جعلت من القيادات الفلسطينية ونساءهم وشهداءهم فاجرين وعاهرات. هناك فرق بين الطرق أو الطرقعة وبين الإيقاع. فرواية سامية عيسى ما هي إلا مجرد طرقعة في عالم الرواية، لا تطرب رغم أنها تصل الآذان وتلفت الأنظار. لا يسعى أحد لتكرار الضوضاء ولا يحتفى بها كمرجع. لكن رغم كل ذلك، انتشرت روائح رواية العهر وأكوام البراز سريعاً، أسرع من أعمال كثيرة تستحق الدعم الإعلامي، لكن، هنيئاً لأمة لا تقرأ إلا إذا كان النص مكتوباً بحليب التين بين فخذي امرأة.

إقبال التميمي

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s