العرب يملكون المواهب لكن مؤسسات الإعلام العربي لا تملكها

ريا أبي راشد وقصي مقدما برنامج " أرابس غوت تالينت"

ريا أبي راشد وقصي مقدما برنامج " أرابس غوت تالينت"

بقلم إقبال التميمي/ مسؤولة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا



لقد تابعت برنامج ” آرابس غوت تالينت” الذي بثته قناة ” إم بي سي”. واعتذر هنا وأشعر بالحرج لأنني اضطررت إلى كتابة اسم برنامج بالانجليزية المعرّبة رغم أن البرنامج يبث باللغة العربية وأن العنوان يحمل كلمة “عرب”، أو آراب، على رأي مقدمة البرنامج، قارئة “الأرئآم” أو الأرقام ، ريا أبي راشد، مؤدّمة البرنامج الرئيئة، التي يصعب عليها التحدث بلغة عربية سليمة لأنها على ما يبدو تعاني من فوبيا لفظ حرف القاف الذي قد يقحط حلقها، ويحفر به خطوطاً لا تتماشى مع خطوط المودا لهذا العام.

كم الأمر محزن، فالمشاهد العربي استطاع أن يثبت أنه ذا ذائقة عالية ولا يقتات على الرخيص من الإعلام، بينما فشل الإعلام المؤسساتي العربي بمجاراة هذه الموجة المتحضرة المثقفة الواعية من جهود الهواة الذين قدموا ما يثبت نضجهم الفكري والسياسي والفني على امتداد أطياف مواهبهم. مثل عمرو قطامش، شاعر مصر الحلمنتيشي، الذي بهرنا بتوظيفة للكلمة الدارجة لتوصيل رسالة مجتمعية سياسية هادفة. وفنانة الرمل العمانية، شيماء المغيري، التي أثبتت خطأ المعتقد بأنه لا يمكن بناء شيء من الرمال، حين تمكنت من بناء جسر من الإعجاب والتعاطف مع جماعات المقهورين من خلال محادثة أصابعها للرمل، رغم أن اللجنة فشلت في ترجمة عملها المتعلق بقصف غزة ووصول سفينة شريان الحياة، وعبد الرحمن محيميد، الكويتي ذو الحنجرة الأوبرالية المخملية، الذي كسر الصورة النمطية التي عمل الإعلام على تدويرها حول مساحة ذائقة الإنسان الخليجي.

لم يصوّت المشاهد العربي لأي عرض تافه، أو شبيه من قريب أو بعيد من مقاطع الفيديو “كليبات” التي كانت تجرعنا اياها القنوات العربية آناء الليل وأطراف النهار. أثبت المواطن العربي مناعته الشديدة ضد التسميم الثقافي الذي مورس عليه لتبليعه كبسولات الإعلام التافه. فكل من الموهوبين والمصوتين تصرفوا بمسؤولية عالية، وترفعوا عن ما كانت تبثه الفضائيات على امتداد سنوات من مواد هامشية، وخرجوا بحلّة صنعت بأيديهم لتعيد للإنسان العربي ثقته بثقافته الراسخة واختياراته الحضارية الناضجة.

لكن للأسف لم يستطع الإعلام العربي مجاراة جمهوره. فالبرنامج جاء نسخة عن عمل أجنبي هو ” أمريكا غوت تالينت” والنسخة البريطانية ” بريتين غوت تالينت”. ضاقت الأرض بما رحبت على الإم بي سي، ولم تستطع إنتاج برنامج من هذا المستوى من صناعة محلية بحتة.  فكان البرنامج نسخة كربونية عن ثقافة الغير، لذلك لم يحمل البرنامج هوية عربية بل جاء كائناً هجيناً، يشبه الغراب الذي حاول أن يقلد مشية طائر الحجل، فلا هو بقي غراب ولا أصبح حجلاً.

حتى مقدم البرنامج الشاب السعودي، قصي، جاء معصوب الرأس بـ “بندانا” يعتمر فوقها قبعة وكأن جده كان ” العرّاب” أو تتلمذ على أيدي مافيات إيطاليا إذ حشر نفسه في أطقم أوروبية وقام باستعراض بضع حركات تنفيه عن هامات نخيل وخيل الخليج مليون سنة ضوئية، بينما زميلته ريا استمرت بـ”تطبيش” اللغة العربية لتخليصها من جوانبها الحادة، وبالذات الحرف الحزين، حرف القاف الذي كان ضحية تشويهها له.

أدار البرنامج خمسة شخصيات أساسية، ثلاثة منهم محكمين واثنان قدما البرنامج. ثلاثة من خمسة من ذلك الكادر كانوا شخصيات لبنانية. فهل هذا التوزيع السيء للكفاءات دليل على سوء تنفيذ عمل يفترض أنه عربي الدافع. لبنان بلد صغير الحجم في مساحته كبير في كفاءاته. لكن عندما يتم تنفيذ عمل بحجم الوطن العربي، كان يفترض توزيع الأدوار ليكون لأكبر عدد من الدول العربية حصّة في هذه الكعكة المحسوبة عليهم. يتساءل المرء لماذا تم إقصاء الإعلاميين من دول عربية أخرى، ولماذا تم حرمانهم من حقهم بالمشاركة في تقييم أو عرض عمل يحمل أنفاس العالم العربي الذي يحلم بحبل سرّي ثقافي موحّد، يغذي ثقافتهم من مشيمة غنية بالتنويع والكفاءات. ماذا عن الكفاءات الإعلامية السورية أوالعراقية وماذا عن كفاءات دول المغرب العربي؟ كانت دائماً هناك علاقة مزاوجة بين المال السعودي والإعلام اللبناني لسبب ما، لكن ألم يأزف الوقت لتطعيم الساحة الثقافية بألوان أخرى من الطيف العربي.

النسخة العربية من ” …غوت تالينت” لم تقدم أحداً يرتدي زياً عربياً من ضمن العاملين على البرنامج، لكن لحسن الحظ، قام الهواة من منطقة الخليج برقع هذا العيب، فجاءت شيماء بعباءتها وافتخرنا بالمشاركة الإماراتية لفرقة عيال زايد الذين قدموا مشاركتهم بالكندورة والعصامة. كان بإمكان مخرج البرنامج أن يشير مثلاً على مقدمي البرنامج بارتداء زي من أزياء الوطن العربي في كل حلقة، ليتعرف الجيل على ثقافات الدول العربية، لكن على ما يبدو كان على “إم بي سي” الالتزام ببنود عقد شراء البرنامج الأجنبي، حيث طرحة الفلاحة المصرية، وسروال الفلاح السوري، والقمباز الفلسطيني يشكلون تهديداً على الأمن القومي الغربي. لأن قالب البرنامج بريطاني، من انتاج شركة سايكو التي يملكها سيمون كويل، لكن تم شراء قالبه، كما تم شراء قوالب برامج أخرى عرضت على الشاشات العربية، مثل “من سيربح المليون” و “الحلقة الأضعف”.

أتساءل، هذا إن جاز لي التجرؤ واقتراف اثم التساؤل. إن كان لدى العرب الملايين لشراء قوالب برامج جاهزة، وملايين لتوزيعها على الفائزين، ما الذي يمنع استثمار هذه الملايين في مكافآت تقدم لأي مبدع عربي يستطيع تقديم فكرة برنامج بكر، غير منسوخ، وغير خاضع لعمليات التجميل الإعلامية. هذا، مع افتراض أن فكرة المواطن لن تسرق، وحقه لن يضيع وأن المؤسسات الإعلامية غير مسلحة بأطقم من المحامين القادرين على ادعاء أن.. “الفكرة كانت لديهم أصلاً قبل أن يقدمها المواطن…فلان، لكنهم كانوا قد أجلّوها قليلاً”.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s