العنصرية الفاضحة في الصحافة الخليجية

إقبال التميمي

أصبحنا وأصبح الملك لله، شقّ الفجر قميصه وبدأنا بالروتين اليومي من جرد لمطالعات الصحف وأخبار الدنيا. ومن ضمن الصحف التي طالعتها هذا اليوم، الثالث والعشرين من ابريل 2011، صحيفة الرياض السعودية. لفت نظري عنوان أحد الأخبار، حيث جاء صارخاً فازعاً دارعاً:
«هيئة» القريات تنقذ فتاة من ابتزاز إمام مسجد «مقيم عربي»
ولقراءة الخبر كاملاً يرجى الضغط هنا

يتساءل أي شخص لديه ما يعادل على الأقل نسبة ذكاء دجاجة، ما الداعي أو الدافع الصحفي لإضافة وصف للمتهم في العنوان الرئيسي بأنه ” مقيم عربي” وتكحيل الخبر بتوضيح أصله، الذي ينفي أنه سعودي أو خليجي بين أقواس؟ إن لم يكن الدافع هو عنصرية بحتة، ونظرة دونية للعربي الوافد، ونفي احتمال أن السعوديين كغيرهم من البشر، قادرين على الحياد عن السراط المستقيم ، فما الدافع إذاً؟

حشد الخبر جميع مقومات إلهاب المشاعر ضد هذا الرجل “الوافد” لإدانته قبل المحاكمة ودون سماع طرفه من القصة، فجميع ما جاء في الخبر يفتقر إلى أهم مقومات الصحافة الخبرية النزيهة من توازن وعرض وجهات نظر جميع الأطراف. إذ بدا الخبر كرأي شخصي للكاتب.

لمراجعة الخبر من وجهة نظر منطقية، من قام بإلقاء القبض على المجرم “العربي الوافد” هم هيئة دينية وليست مؤسسة أمنية أو قانونية يحق لها حسب القوانين المعمول بها حول العالم من إلقاء القبض على متهم. وهنا كوني أعيش في بريطانيا كما عشت في عدد من الدول العربية، وجدت نفسي منساقة خلف عقد مقارنة، بين ردة فعل الرأي العام لو قامت هيئة كنسية أو دينية بإلقاء القبض على وافد في بريطانيا، أو حتى مواطن يتمتع بكافة حقوق المواطنة . لو حصل شيء من هذا القبيل، رغم أنه من سابع المستحيلات، لأقيمت الدنيا ولم تقعد لأن تدخل الجهات الدينية في شؤون القانون والأمن هو أمر شاذ عن المنطق لأن لكل موقع كفاءاته وشروطه الخاصة.

الخبر الذي جاء في صحيفة الرياض أحكم حبل المشنقة حول رقبة ” الوافد العربي” بذكر جميع مقومات تهييج المشاعر باستعمال تعابير لغوية منتقاة بعناية فائقة لتأكيد إدانة الرجل وابتزاز القاريء عاطفياً. مثلاً تعبير تمكنت الهيئة من ” إنقاذ” الفتاة، وتحديد عمر المرأة بأنه عشرون عاماً، ورغم ذلك وصفها بأنها “فتاة”، لأن القلب يتحرك لصغار السن والأغرار. ثم وضع الزميل الصحفي قائمة بالأعمال المكلف بها هذا “الوافد العربي” والمتعلقة بأهم ما يثير غضب أي مجتمع محافظ يرفض اقتراب الذكور من أماكن وجود الإناث، إذ ذكر الخبر أنه يعمل إماماً لأحد المساجد إضافة لعمله كسائق لتوصيل بنات المدارس والكليات. ما يعني أنه خان مكانته الروحية والأمانة المتوقعه منه بتوظيفه في عمل يستدعي رعايته للنساء.

يصرخ المنطق هنا شادّا شعر رأسه حتى لو كان أصلعاً، إن كان هذا الأمر صحيحاً، فمن هو المخطيء بتمكين رجل من العمل بمثل هاتين الوظيفتين الحساستين دون تدقيق في أهليتة، لماذا يعمل الرجال بكافة أطياف اخلاقياتهم بالقرب من فتيات ونساء في سن حرجة وبحاجة للمزيد من الحماية، ولماذا لا تقوم الأمهات والنساء بتوصيل الفتيات إلى المدارس عوضاً عن لطم الخدود كلما طفت قصة مثيرة للقلق على سطح الصحافة لتجمع بين ذكر وأنثى ملتهبي العواطف.

من ضمن المفردات التي استخدمتها الصحيفة “يقوم بابتزازها” و “تهديدها بنشر صورها” و”فضحها عن طريق أهلها والشبكة العنكبوتية، والتي حصل عليها إثر علاقة غير شرعية”. هذه المفردات تدين الرجل ضمناً، ولا تشير ببنصر اتهام إلى المرأة، شريكته في الوزر.

أشعل الزميل الصحفي السعودي فتيل الغضب ضد الرجل، ونحّى اللائمة عن المرأة الناضجة ذات العشرين عاماً، والتي تفهم ” الكفت” والتي وصفها بأنها فتاة ليخفف من ردة فعل القاريء ضد دورها في هذة العلاقة التي جاءت غير واضحة من خلال الخبر، إذ اختار الصحفي أن يكون إلى جانب الفتاة وقام بانتقاء ألفاظه كمن يتخير كيس من الطماطم المفروطة. اختار الزميل الصحفي الكلمات التالية ” استغل غفلة الفتاة لتمكنه من نفسها لإشباع شهواته ورغباته الشيطانية”. الزميل الصحفي الذي يفتقر لجميع معايير أخلاقيات الصحافة جعل الرجل مدبراً ماكراً، بينما المرأة مسكينة عديمة القدرة على تمييز الخطأ من الصواب، بل جعل المرأة مغيبة عقلياً تستسلم لسحر هذا الدون جوان دون أن تستطيع رفضه، وجعل من الرجل صاحب رغبات شيطانية، بينما شريكته في الإثم مجرد ضعيفة مستغلة ذات أجنحة ملائكية. سبحان ربي العظيم الذي أثبت في القرآن الكريم منذ أكثر من 14 قرناً أن مكر النساء أعظم من مكر الشيطان حين وصف كيد الشيطان بأنه “ضعيفاً” بينما مكر المرأة بأنه “عظيم” وشتان ما بين الوصفين. والمكر هنا هو الذكاء أو الدهاء. على كل صحفي قراءة سورة يوسف مرة واحدة في العمر قبل أن يبدأ بتعلم كتابة الأخبار الصحفية المتعلقة بالفضائحيات، وذلك لتكون هذه السورة درساً على مدى الإيذاء الذي قد يحصل لرجل لو أرادت امرأة الإيقاع به، خصوصاً إذا غاب التحقيق والتدقيق.

استمرالخبربشحن القاريء بمزيد من مفردات الغضب إذ يقول “ضاقت بها السبل بعد رفضها لطلباته قام بتهديدها”. لماذا لم تضق بها السبل قبل العلاقة معه برضاها، إذ لا تقوم امرأة بمثل هذه العلاقة المتكررة الى درجة وجود تصوير للحدث دون رضا منها. لكن انتهت القصة مثل الأفلام الهندية، إذ كانت “القفلة” كما يلي: “ألقي القبض عليه من قبل رجال الهيئة، وتم إيداعه السجن وإحالة القضية إلى هيئة التحقيق والادعاء العام لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه”.

وكعادة الصحافة السعودية وغالبية الصحف الخليجية، ينتهي المرء من قراءة الخبر وهو يلعن أبو اليوم الذي سمح فيه للمغتربين العرب، اولاد الستين في سبعين، قليلين النخوة من العمل في بلاد كل نساءها معصومات من الخطأ ومسكينات ومغرر بهن. إن الإعلام الخليجي يحمل عنصرية شديدة في تغطيته لأخبار خرق القانون عندما يكون أحد الطرفين وافداً، وهذا الاستنتاج ليس تجنياً على الصحافة الخليجية وإنما نتيجة دراسة امتدت ثمانية سنوات. وفي حال كان الطرف الثاني أنثى، يتم حمايتها فوراً لدفع الإشكاليات المتعلقة بشرف العائلة والنسب وردءا للفضائح، بينما يتم فضح الوافد بكل وسيلة ممكنة دون اعتبار لحساسية الموضوع لأسرته أو مدى الإضرار بها أو الإضرار العام لجميع الوافدين. قرأنا كثيراً عن حوادث اغتصاب قصّر وأحداث من أبناء الوافدين من قبل خليجيين ومن خلال أكثر من مصدر، ورأينا تعامي وتغابي الصحافة عن حق المغدور لأنه ابن …وافد.

وبفضل الصحافة الخليجية، أصبحت كلمة وافد مرادفة لكلمة عديم الحياء، قليل النخوة، جاي يوخذ فلوسنا، عديم الأصل، لعين الوالدين، يعض اليد التي امتدت له بالخير… وغيرها من سلسلة ألفاظ القذع والشتائم.

لماذا لا تمتلك الصحافة الخليجية بعض الجرأة لتعترف، بأن الخليجيين بحاجة للوافدين لأنهم، إما أنهم لا يملكون كفاءاتهم، وإما أنهم لا يريدون العمل في بعض المهن لأن الدول الخليجية تنفق على المواطنين وتيسر أمور حياتهم دون سياسات دافعة للتحفيز على العمل. لماذا لا يتنازل الخليجي عن السائق والطباخ والخادمة والجنايني، ويقوم بالتشمير عن ذراعيه للعمل هو وأفراد أسرته في منازلهم وشركاتهم بدلاً من استقدام الوافدين للعمل لديهم، لماذا يصّر الخليجيون على السكن في منازل ذات مساحات كبيرة، يرمح فيها الخيّال، تفوق قدراتهم الشخصية على العناية بها هم وأفراد أسرهم.

ان الصحافة التي تحاول استرضاء الناس بليّ عنق الحقيقة، تقوم بجريمة لا تغتفر في حق الوطن. يفترض بالصحافة النزيهة أن تكون ضمير الأمه، وأصبع ارشادها إلى أخطاءه لإصلاحها، بدلاً من إطلاق قنابل الدخان الكلامية للتغطية على فشل وقصور المجتمع في ايجاد سياسات تربوية وعملية تضمن حماية كل من المواطن والوافد، دون تجريح أو ميل لأحد الطرفين. فالصحافة هي الراعي الذي سيكون أول المسؤولين عن الرعية بسبب دورها الكبير في تشكيل ثقافة المجتمع.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s