عندما كانت فلسطين تحت الاحتلال اللبناني


إقبال التميمي

 في يوم ذكرى النكبة أو النكسة أو الفكشة.. أو ما شاء لليائسين مثلي أن يطلقوا عليها لمداراة سؤاتنا التاريخية في جيب ذاكرة الألم، كتبت عن مشاعري في ذلك اليوم على مدونتي في الديلي تلغراف، لأجد خلال ساعات قليلة أن موضوعي قد ختم عليه باللون الأحمر وقد تم تصنيفه بأنه موضوع في غاية السخونة، راجعت صفحتي لأجد مشاركات لم يسبق لها مثيل في تاريخ تدوين ذلك الموقع. فكيف استيقظت الدبابير من أعشاشها؟ ومن الذي أخبرها أن هناك من يريد أن ينبش جرحه الغائر ويعرّي تاريخ صهيونية إسرائيل.

اكتشفت بعد كثير من العجن في نقاشات لا يرجى أن تؤدي في طريقها إلى روما أو إلى القدس، أن معلومات الشعب البريطاني وكثير من المشاركين من دول أخرى مثل أستراليا، وأمريكا مغلوطة تماماً عن فلسطين، وعن الإسلام، وعن الشرق الأوسط بشكل عام. وأنهم مشحونون بدرجة تفوق شحن أرنب ببطارية ديوراسيل للتطبيل إلى ما لا نهاية لدعم الأجندة الصهيونية العالمية. أصرت إحدى السيدات في نقاشها أن عليّ بدلاً من الحديث عن اليهود وإسرائيل ومهاجمة هؤلاء الأفراد المسالمين في بيوتهم، أن أتحدث عن احتلال فلسطين من قبل لبنان، وقارعتني طويلاً بقرن مكسور وعلى امتداد ساعات لإثبات معلومتها مستندة إلى أن أحد أقاربها أخبرها بذلك، أدارت لي الأذن الطرشاء وأنا أحاول إقناعها بالرجوع إلى أحد المصادر لقراءة شيء ما عن تاريخ المنطقة، لكن هيهات.. كان دماغها مغسولاً تماماً بشكل لا يجدي معه أي منطق.

غيرها أصرّ أن الفلسطينيون جاؤوا إلى إسرائيل منذ سنوات قليلة لطرد العائلات اليهودية المسالمة من بيوتهم. لم يكن هناك من مفر سوى الرجوع إلى البحث لإقناعهم بقراءة شيء ما، لكن دون جدوى.. وكأنني كنت أقوم بفرم الهواء. الأجواء مشبعة بأفكار كريهة عن كل ما هو عربي أو مسلم. عندها أعدت اكتشاف كم هي الصهيونية منظمة، وكم هو طول باعها وذراعها التي تمتد لإجهاض جهد كل من يحاول أن يعيد صياغة التاريخ، لأنهم استطاعوا وبكل دهاء إحداث حالة من الضباب الإعلامي والفوضى المعلوماتية، من خلال تمرسهم في احتلال مقعد في كل مكان يمكن إبداء الرأي فيه، والتأكد من زراعة إصبع على ضفة كل منتدى لتحريك مياه الكراهية كلما حاول أي كان أن يصطاد الحقيقة.

اضطررت إلى اللجوء إلى البحث لأدعم إثبات بعض النقاط بالتواريخ، فكتبت في محرك البحث كلمة مذبحة بالانجليزية، وبالطبع ظهرت على رأس المواقع أكبر موسوعة معلوماتية يستخدمها البشر على نطاق العالم ألا وهي موسوعة ويكيبيديا. وفيها وجدت الشرح الكامل عن كلمة مذبحة وبما لا يدع مجالاً للشك، فبحثت في سلسلة أسماء المذابح التي ذكرت، لأجد سلسلة من أسماء وتواريخ ومعلومات مذابح الدنيا بأسرها وخصوصاً هناك توثيق دقيق لمن جرح إصبع قدمه الأصغر من اليهود على امتداد التاريخ، لكن لا شيء عن المذابح التي جرت في فلسطين. ستجد ضمن القائمة أن هناك مذبحة قام بها الفلسطينيون المسلمون ضد المسيحيين أهل طرابلس عام 1289 ميلادية، وهناك في عام 1453 مذبحة القسطنطينية حيث قام المسلمون بذبح المسيحيين، وللمفارقة هناك عام 1929 مذبحة قام بها أهل الخليل ضد اليهود، والغريب أنهم يستخدمون مفردة فلسطين عندما تكون هناك مذبحة ضد اليهود، بينما لايعترف الموقع بشيء اسمه فلسطين ولا وجود لدولة تحمل هذا الإسم عندما يكون الحديث عن غير القتل، فتلك المساحة هي إسرائيل. وهذه النقطة كانت واضحة من مشاركات جميع من دافعوا باستبسال عن وجود إسرائيل على الموقع، بالنسبة لهم لم يكن هناك ما يسمى فلسطين إلا إن كان الأمر يتعلق باضطهاد اليهود. كان هناك توثيق لما لا يمكن أن يطلق عليه مذبحة لأن المكان أو الزمان أو عدد القتلى غير مذكور أوالمعلومات غير أكيدة ضد اليهود ومع ذلك تم توثيقها. وغني عن التعريف أن الهولوكوست جاءت على رأس القائمة. عندما يكون اليهود هم المستهدفون كان هناك ذكر بالأرقام والشرح المفصل واستخدام كلمات مثل ” القتلة الإرهابيون” لكن ضاقت ذاكرة الموسوعة عن ذكر المذابح التي تتعلق بالشعب الفلسطيني، وبعض المذابح التي جرت بحق العرب. فمن الذي يكتب التاريخ؟ ولماذا لم تجد بعض المذابح ومن ضمنها المذابح التالية طريقها إلى قائمة مذابح ويكيبيديا؟

مذبحة بلدة الشيخ 31/12/1947 وحصيلتها 600 شهيد، مذبحة دير ياسين بتاريخ 10/4/1948 وحصيلتها 360 شهيد، مذبحة قرية أبو شوشة 14/5/1948 وضحاياها 50 شهيد، مذبحة الطنطورة 22/8/1948 التي خلفت أكثر من 90 شهيد، ومذبحة قبية 14/10/1953 وشهداءها 67، مذبحة قلقيلية 10/10/1956 التي خلفت 70 شهيداً،ومذبحة كفر قاسم 29/10/1956 وضحاياها 49 شهيداً، ومذبحة خان يونس 3/11/1956 وضحاياها 250 شهيد وبعد تسعة أيام من المجزرة الأولى حصلت مجزرة ثانية استشهد فيها 275 فلسطيني. ولماذا لم تذكر ويكيبيديا المذابح في مصر مثل مذبحة أبو زعبل عام 1970 التي خلفت 70 شهيداً، أو مذبحة بحر البقر 8/4/1970 التي خلفت 77 شهيداً، لماذا لم تذكر ويكيبيديا في صفحة المجازرمجزرة مخيمات لبنان 14-16/5/1974 التي استشهد فيها 50 شخصاً،أو مجزرة مخيم عين الحلوة 16/5/1983، أومجزرة الجامعة الاسلامية 26/7/1983في الخليل ، أو مجزرة نحالين 13/4/1989، ومجزرة عيون قارة 20/5/1989 التي سقط فيها 7 شهداء من العمال.

لماذا ضاقت الموسوعة عن ذكر مذبحة المسجد الأقصى 8/10/1990 التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 21 شهيدا داخل وخارج الحرم القدسي الشريف. ومذبحة الحرم الابراهيمي 25/2/1994 التي راح ضحيتها 50 شهيدا قضوا أثناء تأدية الصلاة. وماذا عن مذبحة قانا 18/4/1996 التي أسفرت عن استشهاد اكثر من 160مدني . أو مذبحة النفق 25-27/9/1996 التي استشهد فيها نحو 70 فلسطينيا برصاص جنود الاحتلال الذين فتحوا النار على المتظاهرين من الطائرات المروحية. وهل يمكن تناسي مذبحة مخيم جنين 293- 94200، القائمة أكبر من أن تتسع لها صفحات الموسوعة.

بالعودة إلى السؤال المهم، من الذي يكتب التاريخ؟ عدت لموسوعة ويكيبيديا العالمية لأجد أن هناك مجالاً لتعديل المعلومات وإعادة التصحيح، وإضافة المزيد فهي ليست حكراً على أحد، وهنا تساءلت أليس هناك في العالم العربي والإسلامي بأكمله من يمكنه أن يتفرغ لهذه الرسالة؟ أليس هناك من يمكنه أن يتبنى تكاليف رقع جيوب التاريخ المخرومة؟ أليس هناك من يمتلك زكاة مال تجعله قادراً على الاستثمار في الحقيقة بتخصيص شيء من ماله لدعم أحد الأكاديميين للتفرغ لاستئصال أورام المعلومات الكاذبة من ذاكرة التاريخ؟ هناك ملايين من المسلمين الأكاديميين حملة الدرجات العلمية العليا من العاطلين عن العمل. أليس هناك من مؤسسة لتوظيفهم في إصلاح صورتنا المشوهه؟ هل هناك من سيتنازل عن ثمن ثوب زفاف.. أو ثمن سيارة يمكن أن يفقدها في حادث سير ليدافع عن الحقيقة؟… هل هناك من سيتجرأ على إصلاح معلومة أن لبنان لم تكن طرفاً في احتلال فلسطين ولا في أي مرحلة من مراحل التاريخ؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s