التبرير الإعلامي الأعرج للاعتداء على الصحفيين في الأردن

بقلم إقبال التميمي

كنت أتصفح الصحف العربية وإذا بعنوان يقفز في وجهي ” السلطات الأردنية تقر بخطأ استخدام القوة ضد “مسيرة العودة” بقلم الزميل جمال اشتيوي، مراسل صحيفة الرياض في المملكة العربية السعودية. فرحت إلى درجة لا توصف، وانفردت كسرات وجهي العصيّة على الفرد، لأنه أخيراً تحقق الحلم، وهناك مسؤول عربي تصرف بمسؤولية وكفاءة ومهنية، واعترف بخطأ قام به أفراد مؤسسته. لكن على رأي واحد مقهور ” يا فرحة ما تمّت، أخذها الغراب وطار” مع أنني أشك بأن أي غراب سيتواطأ ويحمل مثل هذه الفرحة المخزية.

الخبر يقول ” أقرت السلطات الأمنية في الأردن أمس بإخفاقها في التعامل مع مسيرة العودة التي انطلقت عصر الأحد من أمام مسجد الكالوتي باتجاه جسر الملك حسين لإحياء الذكرى ال 63 للنكبة الفلسطينية، فيما زعمت في وقت سابق أن المعتصمين اعتدوا على قوات الأمن والمواطنين”.
وحسب ما جاء في الخبر “كان قد أصيب في مسيرة العودة صحافيون وعشرات الناشطين السياسيين من بينهم متضامنون أجانب جراء استخدام قوات الأمن القوة في تفريق المسيرة”.

حتى هذه النقطة فهمنا الخبر، لكن لم نفهم ما جاء لاحقاً، إذ يقول الخبر
“قال الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام المقدم محمد الخطيب ان الاعتصام شهد أخطاء من قبل جهاز الأمن العام في التعامل مع المعتصمين”, وأضاف في تصريح صحافي ان “الاعتداء لم يكن ممنهجا”. وقال إنه “لا يمكن أن تقوم مديرية الأمن العام بتفريغ كامل المديرية لحماية المشاركين بالاعتصام، لافتا إلى أنه ” لدينا في جهاز الأمن مهام ووظائف أخرى”.

السؤال الذي يطرح نفسه بخجل شديد هو، لماذا يشهد أفضل جهاز أمني في الوطن العربي ممن تلقى التدريب على أيدي المختصين الأجانب أخطاء، يا خسارة الميزانية التي تفوق ميزانية تشغيل العاطلين عن العمل. لماذا لا تستطيع مديرية الأمن متابعة مسيرة سلمية هذا إذا كان هناك حاجة لمتابعتها، خصوصاً وأنه تم العثور فيها على أدوات عنف مثل كاميرات صحفيين؟ ما هي انشغالات مديرية الأمن؟… عدا عن حماية مبنى السفارة الإسرائيلية؟ولماذا قام الخطيب بتهويل الأمر والإيحاء بأن هذه المسيرة بحاجة لتفريغ “كامل المديرية”. على حد علمي جميع سكان الأردن لا يتجاوز عددهم بضعة ملايين، نصفهم مغترب يصطاد لقمة الذل في الدول الأخرى تحت وطأة الاغتراب ليوفر معيشة شبه كريمه لبقية أفراد أسرته من المنتظرين تحسن الاقتصاد في الوطن الذي جفت شرايينه. لا يعقل أن جميع مواطني الأردن كانوا في حالة استنفار، تركوا وظائفهم وبسطاتهم ليشاركوا في المسيرة، خصوصاً وأن كثير منهم لم يعد يمتلك ثمن حذاء مناسب للسير بضعة أمتار دون أن تصرخ قدميه طلباً للرحمة.

حتى أثناء أزمة الخبز الله لا يعيدها، أو أزمة اختلاط الماء بمياه المجاري في وادي السير، أو حتى أثناء أزمة المزارعين في الغور لم يستطع الشعب أن ينهض بمسيرة، لأنه ما ظل فيه حيل يوقف. أليس من العار أن يصاب صحفيون في الأردن بينما افتتح منتدى الإعلام العربي في دبي يوم أمس بمشاركة إعلاميين أردنيين منتدبين على الفرازّة ليتشدقوا بشفافية الإعلام وتحسن وضع الصحفيين وادعاء بأن هناك نزوح جماعي مرتد، عائد من جميع دول العالم بالإعلاميين الأردنيين المغتربين نتيجة ارتفاع سقف الحريات؟ أي سقف هذا الذي يلتصق بالصحفي وهو في وضعية الجلوس. أي حريات يتم تشجيعها بكسر الكاميرات لأنها سجلت وصلة من البكاء الجماعي على موت الكرامة وضياع حقوق شعب ومرور 63 عام من الفشل العربي الأخوي المتحد من المحيط إلى الخليج.

السوال يبقى ملحاً، ما هي مشاغل دائرة الأمن التي حالت دون حماية المواطنين من اعتداء رجال الأمن. لو بقي رجال الأمن في مكاتبهم لما حصل أي اعتداء. ما الضرر في أن يتركوا الشعب يلطم شوية في مسيرة، قد يعود المشاركون منها وقد ارتاحوا نفسياً، خصوصاً وأنه لم يحمل أي منهم دبابة على كتفه تهدد الأعدقاء عبر الحدود.

إنه من المخجل أن يقول الخطيب في مؤتمر صحفي ” أكد العمل الاستخباري الذي قامت به مديرية الأمن العام كشف عن وجود نية مبيتة لاقتحام الحدود والاحتكاك مع رجال الأمن ،الأمر الذي لا يمكن السماح به”.

يا عيب الشوم، ما حبيتها منك يا خطيب، بتشتغلوا مخابرات على المواطنين؟ وتناقض نفسك بأنه لا وقت لديكم لمتابعة وضمان الأمن في المسيرات. لماذا تخشى من اقتحام الحدود؟ هل نسيت أن من هم عبر الحدود لديهم أكثر من 200 رأس نووي وأحدث تقنيات حرق الوطن العربي من البحر للبحر، وأنه لن يخشى عليهم من ضرر من بعض المساكين الذين فقدوا الأمل؟ هل واجب مديرية الأمن التي تنفق من ميزانية الدولة ومن مال دافع الضرائب أن تحمي الذين قاموا بمذابح مثل مذبحة بلدة الشيخ في 31/12/1947 وحصيلتها 600 شهيد، مذبحة دير ياسين بتاريخ 10/4/1948 وحصيلتها 360 شهيد، مذبحة قرية أبو شوشة 14/5/1948 وضحاياها 50 شهيد، مذبحة الطنطورة 22/8/1948 التي خلفت أكثر من 90 شهيد، ومذبحة قبية 14/10/1953 وشهداءها 67، مذبحة قلقيلية 10/10/1956 التي خلفت 70 شهيداً،ومذبحة كفر قاسم 29/10/1956 وضحاياها 49 شهيداً، ومذبحة خان يونس 3/11/1956 وضحاياها 250 شهيد وبعد تسعة أيام من المجزرة الأولى حصلت مجزرة ثانية استشهد فيها 275 فلسطيني. ومذبحة أبو زعبل عام 1970 التي خلفت 70 شهيداً، أو مذبحة بحر البقر 8/4/1970 التي خلفت 77 شهيداً، ومجزرة مخيمات لبنان 14-16/5/1974 التي استشهد فيها 50 شخصاً،أو مجزرة مخيم عين الحلوة 16/5/1983، أومجزرة الجامعة الاسلامية 26/7/1983في الخليل ، أو مجزرة نحالين 13/4/1989، ومجزرة عيون قارة 20/5/1989 التي سقط فيها 7 شهداء من العمال.
أومذبحة المسجد الأقصى 8/10/1990 التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 21 شهيدا داخل وخارج الحرم القدسي الشريف. ومذبحة الحرم الابراهيمي 25/2/1994 التي راح ضحيتها 50 شهيدا قضوا أثناء تأدية الصلاة. وماذا عن مذبحة قانا 18/4/1996 التي أسفرت عن استشهاد اكثر من 160مدني . أو مذبحة النفق 25-27/9/1996 التي استشهد فيها نحو 70 فلسطينيا برصاص جنود الاحتلال الذين فتحوا النار على المتظاهرين من الطائرات المروحية. وهل يمكن تناسي مذبحة مخيم جنين التي اختلف الإعلام على عدد ضحاياها ما بين 293- 9420. وختمت بمجزرة غزة قبل عامين حرقت خلالها 1400 طفل وامرأة ومسن بالفسفور الأبيض الحيّ.

أجمل ما قرأته في الخبر هو خاتمته إذ يقول ” وطلبت مديرية الأمن العام من الصحافيين تقديم أي شكوى لديهم أثناء تغطيتهم للأحداث”.
هذه الجملة بحاجة لسطل قهوة من عند أبو العبد لفهمها. لأن الذين اعتدوا على الصحفيين هم رجال الأمن، أحاول هنا فهم آلية ترجمة هذه النصيحة عملياً، هل يتقدم الصحفي بالشكوى لذات رجل الأمن الذي اعتدى عليه وكسر أدواته الصحفية؟ هل لدى مديرية الأمن، التي لديها مشاغل كثيرة، من وقت لمتابعة أمر تافه مثل حماية الإعلاميين أثناء تأديتهم لواجبهم الوطني من إرهاب رجال الأمن ؟
أنصح دائرة الأمن بتوظيف متحدث إعلامي على كفاءة صحفية ليستطيع ستر عورة الفضائح التي ينزلق بها المتحدثون باسم المؤسسات الأمنية، لأن المتابعين لهذه المؤتمرات الصحفية لا يقتصرون على المواطنين الذين يجب تخويفهم بعصا الطاعة، وإنما جهات دولية مختلفة تقوم على تقييم الأداء العام للحريات والإعلام النزيه. لقد سئمنا من وجودنا على رأس القوائم السوداء التي تقف عائقاً بيننا وبين التطور الاقتصادي والاستثمار، إذ أول ما يبحث عنه المستثمر اقتصادياً أو أكاديمياً هو حالة من الاستقرار والمصداقية والأمن الحقيقي غير المفتعل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s