مهزلة خبراء الإرهاب وربط تفجيرات النرويج بالمسلمين


بقلم إقبال التميمي / مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

فوجئنا يوم الجمعة بأخبار اعتداءات إرهابية على منطقتين في النرويج، كان نتيجتيهما سقوط 97 قتيلاً. لكن بمجرد إذاعة الخبر، ربط الإعلام الغربي فوراً بين تلك الاعتداءات الإرهابية وبين المسلمين، رغم أن النرويج ذاتها وسياسييها كانوا يقولون حينها لا نعلم بعد سبب التفجيرات ولا من يكون خلفها. بالنسبة لتوقعات أي إنسان عادي سليم النيّه، ممن ليس لديهم خبرات عن أساليب حياكة مكائد الإعلام، قد يضع ضمن احتمالاته أن التفجير جرى بفعل مجموعة إرهابية ليست بالضرورة إسلامية الروابط، إذ أن الإرهاب موثق في أكثر من دولة، ومقترفي إثم الإرهاب ليسوا بالضرورة مسلمين أويمتون إلى الإسلام بصلة من قريب أو بعيد، وأقرب الأمثلة هجمات منظمة الجيش الجمهوري الإيرلندي التي استمرت لسنوات.

شعرت بالغثيان وأنا أراقب شاشة الأخبار متنقلة ما بين نشرات “بي بي سي” ونشرات” سكاي” بحكم سكني في بريطانيا واهتمامي بالإعلام المحلي. ساعات طوال من التغطية المستمرة قاربت ستة ساعات وهم يتصلون بخبراء أمنيون وصحفيون متخصصون في مجال تغطية أخبار الإرهاب. والمقرف تماماً أنهم أجمعوا جميعاً ودون استثناء أنه من المؤكد أن هذا العمل الإرهابي متصل بالقاعدة وبالإرهاب الإسلامي، أو ربما متصل بليبيا لأنه حسب تبريرهم قد يكون السبب عائد لمحاولات ليبيا الانتقام من دور النرويج في إرسال قوات إلى ليبيا، وغيرها من الإفتاءات المسيئة والغبية التي لا ترى احتمال أن يقوم أي شخص بعمل إرهابي سوى المسلمين.

حتى أن أحد “الخبراء” الأمريكيين من مركز مكافحة الإرهاب قال ” إن هؤلاء الجهاديين لديهم صلات دولية ويخططون لمهاجمة لندن ومترو الإنفاق في نيويورك. لقد أُعلمنا مراراً أن النرويج مستهدفة بسبب عضويتها في الناتو”. هل هناك أسخف من هكذا تصريح لخبير. إن كان هو ومؤسسته على علم بأن النرويج مستهدفة، لماذا لم ينبهوا السلطات النرويجية لتأخذ حذرها حقناً للدماء.

ستة ساعات من بث السموم بشكل مستمر وساعات من التعبئة ضد المسلمين قبل استقرار الغبار على الأرض أوالقيام بأي فحص أو الاستماع لرأي خبير من السلطات النرويجية. لم يتحدث شخص واحد من ضيوف الأخبار عن احتمال أن تكون التفجيرات غير مرتبطة بالإرهاب الإسلامي أوالمسلمين، رغم الحقيقة الواضحة وضوح الشمس أن السبب متعلق بالأجندة السياسية الداخلية للنرويج، كون الهجوم كان على مكتب رئيس الوزراء، وعلى معسكر للشباب التابعين للحزب الحاكم. ورغم أن الإنترنت كان يؤز أزّاً بمئات الرسائل الالكترونية وبشكل مستمر، على تويتير وفيس بوك، قال فيها شهود العيان أن الذي قام بالهجوم على جزيرة يوتويا حيث معسكر الشباب كان أشقر الشعر وأبيض البشرة. لكن رغم كل ذلك اختارت كل من “بي بي سي” و”سكاي” أن لا تذكرا هذه التفاصيل والاستمرار باستضافة “خبراء” معروف خطهم التجريمي للمسلمين.

خبير الأمن الأمريكي الذي تحدثت عنه سابقاً، وكالمعتاد ممن هم من أمثاله من ضيوف هذه المحطات المصطفين بدقة، اختار أن يهمل ذكر المعلومة المتعلقة بهوية المجرم، لكنه قام بتغطية هذا الاحتمال ليضمن خط الرجعة وليتأكد من أن أصابع الاتهام ستبقى مشهرة في وجه المسلمين بالقول: “ربما قام الجهاديون بتجنيد أشخاص ذوو هيئات أوروبية ليقوموا بهذه الإعتداءات الإرهابية، لأنهم يعلمون تماماً أن السلطات الأمنية تعي موضوع التنميط العنصري”.

عجيب غريب كيف أصبح الإرهاب مقروناً بمفردة الجهاد والجهاديون والإسلام في هذا الإعلام المتحيّز.

لكن لحسن حظ المشاهد البريطاني الباحث عن الحقيقة، هناك قنوات بديلة تقوم بتقديم وجهة نظر مغايرة ذات مصداقية يحترمها المشاهد البريطاني المثقف، وهنا أتحدث عن كل من قناتي الجزيرة وروسيا اليوم اللتين تبثان بالانجليزية. كلا القناتين ذكرتا صباح اليوم التالي أن الذي قام بالهجمة الإرهابية هو شخص اسمه أنديرز بريفيك، كما عرضتا صورة له، بينما محطتي التلفزة “بي بي سي” و”سكاي” لم تذكرا هذا الخبر رغم شدة أهميته. ورغم أنهما خففتا من حدة هجومهما الشرس على المسلمين عقب سيل من المعلومات على الإنترنت كشفت عن عنصرية الشخص الذي قام بالتفجيرات، وأنه من المسيحيين اليمينيين المتطرفين الذين يعارضون علناً سياسات حكومة بلدهم، خصوصاً المتعلقة بالسماح لبعض المهاجرين المسلمين الإقامة في النرويج.

المضحك المبكي في الأمر أنه ومنذ اختراع تعبير “الحرب على الإرهاب” لتمرير الأجندات السياسية المختلفة، تكاثرت وبقدرة قادر أعداد الذين يحملون لقب خبير في الإرهاب، وكأنه يتم تكثيرهم في جهاز تفريخ أو يشترون اللقب بالكيلو من سوق الجملة. لا يكاد يخلو موقع الكتروني لمؤسسة أو معهد أو مشروع خيري الطابع يعتمد على شفط المعونات المالية من الحكومات، من لائحة فيها أسماء وعناوين اتصال بـ”خبراءهم للإرهاب”.

 بالنسبة للإعلام، لا يوجد من يهتم بمدى مصداقية هؤلاء أو صحة ادعاءاتهم أو إن كانوا حقاً مؤهلين لحمل هذا اللقب الثقيل، لأنه ليس في نيّة محطات التلفزة التأكد من نزاهة هؤلاء الخبراء في مجال الكوسا بأحجامه المختلفه، وخصوصاً المخرّط منه، لأنهم بكل بساطة يعتمدون على هؤلاء ” الخبراء” لزيادة نسبة المشاهدة. وهناك منهم من هم عنصريون كارهون للمسلمين رغم عدم إعلانهم عن توجهاتهم تلك لأن القانون يجرّم العنصرية والترويج للكراهية. لذلك يمررون أحقادهم بحذر وذكاء من خلال مناصبهم الإعلامية ومن خلال لغة مفردات يقومون باختيارها بعناية على الفرّازة، ومن خلال انتقائية ما يجب ذكره وما يجب إسقاطه من معلومات عمداً.

والآن وبعد أن أعلنت الجهات الرسمية النرويجية بما لا يدع مجالاً للشك أن الهجمات الإرهابية ليست “إسلامية” وليس لها علاقة بالـ “جهاديين” من قريب أو بعيد، بدأ الإعلام الرسمي الغربي و”خبراءه” في مجال الإرهاب، بتغطية عورات أصواتهم التي كانت تنبح بكثير من الهراء قبل ساعات لتبرير ما قالوه عن الخوف من الإرهاب الإسلامي الزاحف.

 أما في أمريكا، لا غرابة أن كانت صحيفة النيويورك تايمز، المملوكة من قبل عائلة أوكس سولتز برجر اليهودية،  في طليعة الصحف التي بدأت طرق طبول التخويف من إرهاب المسلمين القادم عبر البوابة النرويجبة. إلى درجة أنها عزت هذه التفجيرات لجماعة جهادية غير موجودة أصلاً، وبمجرد نشرها الخبر تناقلته مصادر الإعلام بأشكالها المختلفة على أساس أن صحيفة النيويورك تايمز هي مرجع وتبيع ما يقارب مليون ونصف نسخة يومياً. وبررت هراءها بالقول ” قال مسؤول بوزارة الدفاع النرويجية أن النرويج لديها نحو 550 جندياً وثلاثة طائرات مروحية للإخلاء الطبي في شمال أفغانستان. وأشارت الحكومة إلى أنها ستستمر في دعم عمليات شركاءها طالما احتاجوها”.هذا حسب رأيها كاف لإن يفكر “الجهاديون” بتنفيذ عمليتين إرهابيتين ضدها. الغباء لم يتوقف عند هذا الحد، إذ قال “خبراءها” المزعومين أنه إذا اتضح أن الإرهابيون الذين قاموا بهذا العمل البشع ليسوا مسلمون فلا بد أنهم تعلموا من وحشية تنظيم القاعدة.

قال بريان فشمان، الباحث في مجال الإرهاب في واشنطن من خلال الصحيفة: ” إذا اتضح أن من قام بالاعتداءات له دوافع سياسية أخرى (يقصد غير الانتقام من وجود قوات نرويجية في أفغانستان)، هذا إنما يدل على أن هذه الجماعات تتعلم مما تراه من القاعدة، وإن كان هناك درس تعلمته من هذه الهجمات على الغرب فهو أن الإرهاب انتقل إلى مرحلة استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية “.

بعد هذه الفضيحة الإعلامية من الحجم العائلي، سارعت المؤسسات الإعلامية في الصباح التالي بسحب هذرها الغبي وما قالته عن الإرهاب الإسلامي المتعلق بهذه القضية عن مواقعها الالكترونية. ومن ضمنها محطة بي بي سي ألتي رفعت الموضوع عن موقعها لبضعة دقائق لتعديله وبقي مكان التقرير عن النرويج فارغاً لبرهة. لكن الصحف لا تستطيع فعل ذلك، وغباءها أو عنصريتها ضد المسلمين ستبقى موثقة.

من المؤكد أنه يجب المطالبة بتحقيق عام وعلني لفضح هؤلاء الذين يغذون الساحة بالأخبار الملفقة ويحقنون الناس بالكراهية والخوف من المسلمين. كما أنه من المؤكد أن هناك علاقة بين الجهات الأمنية ومراسلو الأخبار وأن الجهات الأمنية قد تكون مذنبة بتمرير المعلومات الخاطئة والكاذبة للإعلاميين لبثها وتعميمها عمداً.

إن فتاوي هؤلاء الذين يدعون أنهم مختصون في شؤون الإرهاب، هم المحفزون لمشاعر العداء، وببثهم سمومهم غير الموثقة حول الإسلام وربطه بالإرهاب، هذا سيؤدي حتماً إلى إرهاب حقيقي حتى لو لم يكن موجوداً، لأن الذين يسعون لتجنيد الأغرار لأعمال إرهابية سيكون لديهم العديد من الأمثلة المتوفرة من خلال الإعلام الغبي، ليثبتوا لمن يسهل استثارة نخوته، استهداف المسلمين بغير وجه حق. وهذا يعني أن خبراء الإرهاب ومن يستضيفونهم من إعلاميين يتحملون مسؤولية تفريخ المزيد من الإرهابيين نتيجة شعور البعض بالظلم والاضطهاد والاستهداف بغير وجه حق.

tamimi@journomania.net

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s