ادعاءاته بأ ن للمتظاهرين ‘اجندة خارجية اسرائيلية’ أججت غضب المحتجين: لماذا فشل الاعلام المصري في منع الانتفاضة؟

اقبال التميمي


قام الإعلام المصري الحكومي أثناء الانتفاضة بتقديم وجهة نظر رسمية مغايرة لمحتوى الخطاب الثوري الذي كانت تنقله وسائل الإعلام الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي. لكن محاولاته قوّضت نتيجة وجود البدائل الإعلامية، إضافة إلى استقالة عدد من الشخصيات الإعلامية الفاعلة وفشل قادة الحزب الحاكم بالاستمرار بتوفير مادة خبرية منتظمة وغير متضاربة المحتوى .
فوجئت صحافة النظام من حجم وتأثير وتعقيد الإعلام الشعبي الثوري، وحاولت وأد الثورة وتمييع تأثير إعلامها الجديد مستخدمة أدوات الصحافة التقليدية بتجاهل أخبار الانتفاضة لأطول فترة ممكنة، وببثّ صور للأحياء الهادئة من القاهرة أثناء اشتعال تظاهرات عشرات الآلاف. وبعد أن فشلت الصحافة الرسمية في طمس الأحداث وتغطية الشمس بغربال، اضطرت إلى سياسة استحداث تغطيات مناقضة لأخبار إعلام الشعب في محاولة للتقليل من جسامة وأهمية الحدث، عن طريق بثّ عدد متواضع من التقارير الإخبارية حول التظاهرات، تعكس صوراَ تدل على تدنّي أعداد المتظاهرين واستخدام ألفاظ تجريمية في وصف المشاركين بالتظاهرات على أنهم ‘بلطجية مدفوعي الأجر’ و ‘مثيري شغب مستأجرين’.
ولما فشل إعلام النظام في اقناع المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم والتخليّ عن مطالبهم، ادعى أن التظاهرات والاعتصامات ما هي إلا خطّة مدبرّة من قبل أعداء مصر الذين يسعون لتخريبها، مدعياً بأن إسرائيل هي التي نفخت نار الثورة تارة، وتارة أخرى أن أمريكا هي التي صبّت الزيت على النار، وتارة هي إيران، وتارة أخرى هي القاعدة. متناسية أن الشعب ثار لأسباب متعلقة أصلاً بالعلاقة المشبوهة بين النظام وكل من إسرائيل وأمريكا، بسبب التفريط بمصادر قوة وعزّة واقتصاد وسياسات مصر، وتسليم مقدارات وقوت الشعب إلى هؤلاء الأعدقاء الذين باتوا يطبخون المكائد مع شبكة الفاسدين في السلطة. هذه الادعاءات السفيهة أججّت غضب الشعب المصري أكثر لأنه لم يعد يحتمل أساليب استغباءه بهذا الشكل المفضوح، وتعريضه لشتى أنواع القهر من خلال فساد الحاكم وبطانته وتجاهل حقوق الشعب وتجويعه. هذا إضافة إلى أن معظم تقارير الإعلام الرسمي كانت حافلة بالتناقضات بسبب الفوضى التي حدثت عقب انسحاب بعض القيادات من وزارة الإعلام. وفقد الإعلام الرسمي مصداقيته عقب استقالة شخصيات إعلامية اعتبارية ذات مصداقية من مناصبها على خلفية سقوط أخلاقيات المهنة ووجود ثغرات في التغطيات الإخبارية، من ضمن هؤلاء الصحافيين المخضرمين محمود سعد، وسهى النقاش، وشهيرة أمين. تخبط الإعلام الرسمي وتأرجحت آراءه أثناء الثورة، ومثال على ذلك صحيفة الأهرام التي تسيطر على إدارتها سياسات الدولة. حصلت في الأهرام بلبلة حول كيفية تغطية الانتفاضة. في البداية تجاهلت تغطية التظاهرات وقللت من شأن تأثيرها، حتى أنها يوم السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير قامت بتغطية أخبار تظاهرات جرت في لبنان ولم تذكر تظاهرات ميدان التحرير، مستعيضة عنها بخبر حول الاحتفال بيوم الشرطة وكيف احتفل المواطنون المصريون بهذا اليوم بتبادل الحلويات والزهور مع رجال الشرطة. يوم الثالث من شباط/فبراير حملت صحيفة الأهرام مانشيتا عريضا يقول ‘الملايين يخرجون لتأييد مبارك’ وبعد أربعة أيام فقط، وفي السابع من شباط/فبراير، أشاد رئيس تحريرها، أسامة سرايا بـ ‘نبل الثورة’ وطالب الحكومة بالشروع بوضع تعديلات تشريعية ودستورية لا رجعة فيها. وبمجرد تنحي مبارك عن منصبه جاء مانشيت الصحيفة بالعنوان الصارخ ‘الشعب أسقط النظام’. بينما الصحافة المستقلة مثل صحيفة المصري اليوم، كانت واضحة الموقف ثابتة في تغطيتها للمظاهرات، وكانت تقاريرها موثوقة.
بالنسبة للصحافة الإلكترونية كان تأثيرها فوق التوقعات. فبعد استعادة خدمة الانترنت التي أوقفها النظام يوم 27 كانون الثاني/يناير، زاد عدد مستخدمي الفيسبوك إلى مليون مستخدم، مرتفعاً من 4.2 مليون في كانون الثاني/يناير إلى 5.3 مليون في شباط/فبراير. كان هناك أكثر من سبب لنجاح الإعلام الاجتماعي الالكتروني في تلك المرحلة، من ضمنها خاصية توجيه المستخدمين للمواقع الأخرى والمدونات والتقارير الدولية، والاختصار في كتابة الخبر وتركيز المعلومة، والتأثير على المستخدم من خلال توجيه رسائل سياسية قصيرة وساخرة. إضافة إلى توثيق خروقات حقوق الإنسان بالصور عن طريق إغراق الإنترنت بصور تدين رجال الشرطة أثناء اعتدائهم على المعتصمين سلمياً مع ذكر أسمائهم ورتبهم وعناوينهم لإحراجهم علناً أمام المجتمع بأكمله.
كان النظام الرسمي قد عطّل عمل شبكة الإنترنت في مصر يوم 27 من كانون الثاني/يناير بعد تهديد مزودي خدمات الإنترنت وتخييرهم بين فصل خدمات الإنترنت أوسحب رخصهم. كما قام بتعطيل ملقّمات رمز مصر وبالتالي أوقف حركة المرور من وإلى جميع المواقع، إضافة إلى تعطيل نقاط تبادل الإنترنت ووقف اتصال الشبكات داخل البلد. بحلول 29 من كانون الثاني/يناير 91′ من شبكات الانترنت المصرية تقريباً كانت قد أغلقت، إضافة إلى إغلاق نظام خدمة الرسائل النصّية عبر الهواتف النقّالة، وتويتير، وتعطيل استقبال قناة الجزيرة الفضائية التي تبث باللغة العربية، إضافة إلى التعطيل المؤقت لجميع خدمات الهواتف النقالة.
لكن هذه الاحترازات لم تثن المواطن المصري عن البحث عن بدائل، فكثير من الشباب وجدوا طرقاً تقنية التفافية حول هذه الأعطال، بينما استخدم البعض الآخر الهاتف الأرضي للاتصال بالأصدقاء والأقارب القاطنين في الخارج ولقنوهم الأخبار التي قام المغتربون بدورهم بإعادة توزيعها عبر فيسبوك وتويتير.
يبدو أن نظام مبارك أساء تقدير عواقب سياسة فرض الحظر على الإعلام الجديد، إذ توقع أن تعطيل الاتصالات سوف يبطئ من وتيرة التحريض السياسي عن طريق قطع الأتصالات بين قيادات الثورة ومن ينسقون معهم، وهذا يدل على قصور في فهمه لطبيعة هذه الانتفاضة. إلا أن هذه الإجراءات أثمرت عكسياً وساهمت بتسريع سقوط النظام. إذ بتعطيل تقنيات الاتصال لجأ الناشطون إلى طرق تقليدية، من دقّ على الأبواب والتوجّه للمساجد والتجمهر في الطرقات والميادين وتوصيل الرسائل شخصياً ووجهاً لوجه.
في النهاية اتضح أن قرار إغلاق الدولة لشبكات الاتصال هو منتهى السذاجة، إذ تأذى الاقتصاد أكثر من الأذى الذي أحدثته المظاهرات لأنه أدى إلى تعطيل الأنظمة المصرفية والبورصة وخسر المستثمرون مئات الملايين من الدولارات نتيجة تعطيل الحوالات المصرفية الكترونياً لعدة أسابيع.

‘ مديرة المرصد الاعلامي للصحافيات العربيات في بريطانيا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s