الدراما التوثيقية “رجل من هذا الزمان” تنفيذ سيء لمادة غاية في الأهمية

صورة لدور سعد زغلول وشنبه الصناعي الأبيض

صورة لدور سعد زغلول وشنبه الصناعي الأبيض


إقبال التميمي / مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

في هذا الموسم الرمضاني من عام 2011 قامت شاشات القنوات العربية بعرض عدد من مسلسلات الدراما التوثيقية، المتأثرة بالحالة السياسية التي يمرّ بها الوطن العربي. سأقفز عن عتبة التعميم وأتجه مباشرة للتخصيص، لأناقش أحدها، وهو مسلسل “رجل من هذا الزمان” الذي يحكي قصة عالم الرياضيات والفيزياء المصري البروفيسور “علي مشرّفة” الذي عاصر فترة الاستعمار البريطاني لمصر وكان أول عالم عربي يحصل على أعلى شهادة أكاديمية في مجال العلوم المتعلقة بتكوين الذرّة وقوى المجال المغناطيسي.

أخرجت هذا العمل الدرامي المخرجة المصرية إنعام محمد. المسلسل قصة وسيناريو وحوار محمد السيد عيد وهو من انتاج مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية. جسّد شخصية الدكتور ” مشرّفة” الفنان أحمد شاكر عبد اللطيف، وشاركه البطولة كل من منال سلامه، هنا شيحة، أحمد خليل، شريف خير الله وإبراهيم يسري بالإضافة إلى مجموعة من الممثلين المصريين. وجرى التصوير داخل بلاتوهات مدينة الانتاج الإعلامي في القاهرة.

بالرغم من أهمية المادة الدرامية ومحتواها كمادة توثيقية للقرن الفائت أثناء وجود الاستعمار البريطاني في مصر، إلا أن المسلسل أنتج بشكل يفتقر إلى السلاسة والمهنية والدقّة التي تحدد مدى نجاح أي عمل توثيقي ابتداء من الحوار، مروراً بالديكور والموقع وانتهاء باختيار الأزياء.

أهم سقطات المسلسل كانت نتيجة لإنتهاج أسلوب مزج الحوار ليكون خليطاً من اللغتين العربية والانجليزية معاً. خصوصاً وأن هذا النهج من المعالجة الدرامية أحدث جواً من البلبلة لدى لمشاهدين من كلا الفصيلين، ممن يتقنون الإنجليزية وممن لا يتقنونها. فالذي لا يتقن الانجليزية شعر بالضياع في المشاهد التي تشبه مزج مادتين لا تمتان لبعضهما بصلة، لأن الجملة الواحدة كانت “كوكتيلاً” مكوناً من تناوب بين كلمة عربية وأخرى إنجليزية بحيث لا يجدي حتى التوضيح بإضافة الترجمة على الشاشة باللغة الأخرى. بينما المشاهد الذي يتقن الانجليزية شعر بنفور شديد نتيجة استغباءه كمتلقّي نتيجة الكم الهائل من الأخطاء اللغوية من ترجمة بعض المصطلحات و الطريقة  الخاطئة للفظ الكلمات، وقلقلة الحروف حين نطقها من قبل من لعبوا دور “انجليز” فكان نطقهم كما يفعل عامة المصريين ممن لا يجيدون التحدث بالانجليزية، وبشكل يعكس جهلاً تاماً بطريقة لفظ الأسماء والأماكن والتعبيرات وحتى أسلوب المعيشة ضمن المجتمع البريطاني.

هذا عدا عن ضحالة في التنفيذ من ناحية اختيار بعض الأثاث والتصميم الداخلي للمباني والنوافذ والأبواب التي لا تمت إلى المباني في بريطانيا بصلة، والإصرار على ارتداء الممثلين الذكور الذين لعبوا دور مصريين يعيشون في انجلترا، قبعات صغيرة الحجم لا تكاد تغطي “قرعة” الواحد منهم أحياناً، حيث وجود القبعة كان أقرب إلى وضع طير صغير حطّ على رأس الممثل منه إلى ارتداءه قبعّة. من المؤكد أن ارتداء مثل هذه القبعات التي لا تصل إلى نصف عمق المسافة المطلوبة باتجاه الأذنين هي اختيار سيء كان يمكن التنازل عنه خصوصاً وأن من مثلوا دور انجليز أنفسهم لم يرتدوا قبعات “خواجات” كما فعل المصريون في تلك المشاهد.

صورة الأم التي تطوعت كممرضة في قسم المصابين بالكوليرا وهي ترتدي قبعة

صورة الأم التي تطوعت كممرضة في قسم المصابين بالكوليرا وهي ترتدي قبعة

هناك تكلّف لا يمكن أن يكون واقعياً، إذ لا يعقل أن يخاطب الأشقاء بعضهم البعض في المنزل وأثناء ممارسة حياتهم الخاصة وارتداءهم ملابس النوم، بألقاب رسمية أكاديمية على غرار يا دكتور ويا بروفيسور. ولا يعقل الاستعاضة عن الإشارة بالإنشغال بالبحث العلمي والانكفاء عليه لأيام كما حصل في الحلقة العاشرة، بتصوير العالم وقد خرج من صومعته وقد طالت ذقنه بطريقة لم تكن حتى مقنعه، بدا وكأن وجهه متسخاً بسخام وابور كاز. لماذا يختار غالبية المخرجون العرب أسلوب إهمال العناية بالهندام والنظافة الشخصية لعكس فكرة الانخراط بالعلم عند تنفيذ الأعمال الدرامية؟ ألا يوجد بدائل أخرى سوى تدوير هذه الحبكة الساذجة؟حتى اختيار لون “الشنب الصناعي” الذي ألصق على وجه من لعب دور “سعد زغلول” كان فضياً تماماً أقرب إلى البياض الناصع المبالغ فيه، وهو أقرب إلى الشارب الصناعي المقرون بشخصية بابا نويل التي يعلم الصغار زيفها رغم أنهم دون سن السادسة من العمر.

عند الوصول إلى المعالجة الدرامية لمرحلة إصابة حبيبة الدكتور مشرّفة الانجليزية “ليز” بالكوليرا (دون مطّ الياء في اسمها  كما حصل في المسلسل).  حيث عزلت في غرفة خاصة، تطوعت والدتها للعمل في المجال التمريضي لتتمكن من رؤيتها. لكن السخيف في الأمر أنه تم تصويرها داخل المشفى وهي ترتدي قبعة أيضاً رغم ارتداءها الكفوف والمريلة المعقمة، شعرها منكوشاً والكمامة متغيبّة عن الأنف والفم بحيث يمكنها توزيع جميع أشكال البكتيريا العنقودية على المرضى بسخاء، وهذا ما لا يمكن أن يحصل في المؤسسات الطبية العلاجية، ولا حتى في الهند. كما فات المخرجة أنه من باب اللياقة في المجتمع الإنجليزي أن يخلع الإنسان قبعته بمجرد دخوله المباني ولا يعقل التجول بقبعة في غرفة العزل الصحي.

من ضمن الإهمال في تنفيذ العمل، والاستخفاف بالمشاهد، الاستعاضة عن وجود نار في الموقد الذي يفترض أنه مشتعل، باستخدام ضوء “لمبة” عادية وامضة، تضيء وتنطفيء في ثنية جدار الموقد وبشكل فج وفي نفس المكان، بشكل يشبه تنفيذ مسرحية لمجموعة من الهواة في مدرسة إعدادية.

هل كان من الصعب أثناء تنفيذ عمل درامي يتناول السيرة الذاتية لعالم مصري عظيم، عكف على كتابة أبحاث في مجال الذرّة وقارع نظريات نيوتن منذ ما يقارب القرن أن يجتهد العاملون على المسلسل بتوفير موقد حقيقي فيه نار، على الأقل لإيصال رسالة مطمئنة، أننا كعرب استطعنا قطع شوط من التغيير خلال قرن، هذا الشوط انعكس من خلال ما تعلمناه من تنفيذ الدراما على الأقل.

Tamimi@journomania.net

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s