تأثير الثورة على الصحافة المصرية

بقلم إقبال التميمي

مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

من الواضح للعيان أن هناك تغيرات واضحة المعالم في بُنية ومحتوى الصحافة الرسمية قبل الثورات وما بعدها. ولكن ما يقلق المهتمين بالإعلام النزيه هو تحول الصحافة تدريجياً بعد الثورات لتعود مرة أخرى لصورتها القديمة كبوق لخدمة النظام الجديد. كما حدث لتاريخ الصحافة الإيرانية في السبعينيات من القرن الماضي، وهذا ما يخشى البعض أن يحدث للصحافة المصرية التي اختلف إعلام ثورتها عن إعلام الثورة الإيرانية بوجود عنصرين هما الإعلام الالكتروني وطغيان دور الفضائيات التلفزيونية المتنوعة.

إن التطور التقني أضاف عناصراً جديدة لإعلام زمن الثورات عن طريق وصل الأشخاص المنفصلين جغرافياً ببعضهم البعض للتواصل الإخباري والتنسيق والتعليق على المنتج الإعلامي، ورفد المؤسسات الإعلامية بالإخبار الحاصلة على أرض الواقع من خلال بث شرائط الفيديو على الشبكة العنكبوتية وإرسال الصور التي التقتطتها الهواتف النقالة وتسجيل وإعادة بث المقاطع الصوتية، وبالتالي إعادة تأطير وتشكيل الإعلام  من خلال فرض رقابة الجمهور على الصحافة الرسمية. وهذا يعني أن العامة يجبرون الإعلام على انتهاج سلوك مهني يؤدي في النهاية إلى إنتاج صحافة أكثر نزاهة. إذ لا تستطيع أي جهة إعلامية المجازفة ببث أو طباعة أخبار ملفقة أو ناقصة الأركان بشكل متعمد، كما كان يحصل في الماضي، دون المجازفة بسمعتها المهنية لأن هناك جيش من المدونّين يقومون بالتصدّي لمثل هذا الإعلام المغرض. وهذا يعني فقدانه لجمهوره من المتابعين وما يتبع ذلك من خسائر مادية وسياسية.

لكن توابع ثورة مصر الإعلامية لن تشبه بأي حال من الأحوال إعلام إيران بعد الثورة، ليس بسبب التغير في المناخ الإعلامي فقط، أو لأن الأزمة التي صنعت الثورة حولّت كل مواطن مصري إلى صحفي قادر على تمرير المعلومات والمشاركة السياسية فقط، وإنما بسبب سير العملية السياسية الحالية التي تشير إلى أن الإعلام المصري لن يعود بأي شكل من الأشكال إلى عهد ما قبل الخامس والعشرين من يناير.

أصرّ بني إنترنت وأفراد قبائل الفيس بوك من جميع الأفخاذ وجحافل التويتيريون على محاكمة الطاغية علناً، رغم محاولات الرئيس المخلوع التهرب من المسائلة عبر بوابة ادعاء أن صحته ليست على ما يرام. لكن الشعب المصري استكمل ثورته الإعلامية عبر ملاحقة ادعاءاته داخل المستشفى والسجن، واستمروا بنشر ما توصلوا إليه من معلومات حول الرفاهية التي ينعم بها في “المشفى” المفترض، حيث أدويته على غير حال جميع السجناء المرضى الأخرين مستوردة من الخارج وطبّاخه الخاص أجنبي، ومكونات طعامه لا تمت بأي شكل من الأشكال لأي صنف من المواد الغذائية التي يتجرّعها السجناء الآخرين ولا حتى المنعّمين من أفراد الشعب خارج القضبان، ما يجعل إقامته في سجن أو مشفى السبعة نجوم مجرد حيلة إعلامية أخرى استكملت أدوارها عندما أحضر للمحاكمة، مستلقياً على ظهره على سرير طبي، مع عدم وجود ما يمنع جلوسه كما يفعل عندما يقوم بقضاء حاجته وكما فعل فيما بعد أثناء المحاكمة أمام الجميع. فهل تنطلي حيل الابتزاز العاطفي مرة أخرى على الشعب، خصوصاً وأن ابنه المتهم بالفساد مثل في المحكمة متأبطاً نسخة من القرآن، مع حرصه على أن تلمحها عدسات المصورين.

أصرّ الشعب على طلب نقل محاكمة رئيسهم المخلوع عبر وسائل الإعلام مباشرة لضمان عدم تحرير المادة الخبرية وللتأكد من التزام هيئة التحقيق بالنزاهة والمهنية. ما يعني أن زمن استغباء الشعب عبر الصحافة المفلترة أو المغربلة ولّى دون رجعة.

تقوم الثورات بتغييرات جذرية في المجتمعات، ليس لأنها تحطم أنظمة سياسية كانت قائمة فقط، بل لأنها تعمل على إعادة تشكيل النظام الاقتصادي وتؤثر في الهيكل الاجتماعي وأثناء ذلك التحول تبرز طاقات إبداع خلاقّة في جميع المجالات بما في ذلك في المجال الصحفي والإعلامي لأن الأنظمة والآليات المعهودة سابقاً لا تعود قابلة للتطبيق.

تلعب وسائل الإعلام عقب الثورات أدواراً رئيسية، حيث  تتغيّر علاقاتها مع المؤسسات ومع الدولة ومع الشعب المتلقيّ من جهة، ومن جهة أخرى تلعب القوى الاجتماعية الإعلامية أدواراً مختلفة في العملية الثورية. وهذا التحول في العلاقات بين الصحافة والدولة يؤثر على مقدرة الصحافة على التأثير بسبب التغيرات الحاصلة في التمثيل المؤسساتي، ومصادر الروايات المختلفة، وتغير الرموز والشخصيات التي كانت فاعله والتي كانت لها الكلمة الأولى. إضافة إلى حصول انزياح في العلاقات بين المؤسسات الإعلامية والمؤسسات الحكومية من جهة، والمشاهد أو القاريء من جهة أخرى.

الإعلام المصري قبل الثورة

 

كانت جميع الصحف المصرية قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير متورطة مع الدولة بنسب متفاوتة، ومقسمة إلى ثلاثة مجموعات رئيسية. الأولى كانت بوقاً للحكومة، يتم تعيين الصحفيين العاملين فيها بأمر من وزارة الإعلام، وتمؤّل جزئياً من خزينة الدولة. وهي بدورها تقوم بنشر الأخبار والفعاليات من وجهة نظر الدولة، وتمجّد الشخصيات القيادية الحكومية وأصحاب السلطة وبالذات الرئيس المخلوع حسني مبارك وأفراد عائلته.

المجموعة الثانية هي صحف الأحزاب الرسمية. إذ كان مسموحاً لـ14 من الأحزاب السياسية المصرية أن تنشر مطبوعاتها الخاصة بها. وهذه المطبوعات تتلقى بعض الدعم المادي من الحكومة كما تستخدم المطابع الحكومية أحياناً. غالبيتها مطبوعات متواضعه تصدر أسبوعياً عدا عن صحيفتي الوفد والأحرار. ومع أنه يفترض بأنها صحف تحمل سياسات مغايرة لسياسات الحكومة إلا أن الحكومة سيطرت عليها من خلال التحكم في الإعانات التي تصلها، كما أن الصحفيين والمحررين العاملين فيها كانوا دائماً عرضة للمحاكمة تحت بند قانون الطواريء إذا حصل وأن تجرأ أي منهم بانتهاك المحرّمات بانتقاد الرئيس أو أحد أفراد أسرته.

المجموعة الثالثة هي الصحف المستقلة المعروفة بصحف المعارضة. وهي صحف ربحية مرخصّة من قبل الدولة مثل صحيفة المصري اليوم، والدستور، والشروق. يخضع مالكيها للتدقيق ودراسة ملفاتهم من قبل أجهزة أمن الدولة ووكالات الاستخبارات قبل حصولهم على التراخيص. وتستطيع الدولة سحب التراخيص منهم في أي وقت تشاء، كما تطلب من بعضها دفع مبالغ معينة مقابل استخدام مطابع الدولة لتتمكن من النشر. ومع أن الصحف المستقلة لم تكن تتعرض للرقابة المسبقة بشكل مباشر إلا أنها كانت عرضة للمثول أمام القضاء تحت ذرائع بنود قوانين مطاطة قابلة للتأويل وغير واضحة المعالم، مثال على تلك المواد القانونية، يحظر على الصحفيين والمذيعين قول أو كتابة أشياء يقال أنها قد تمسّ “السلم الاجتماعي”، أو “الوحدة الوطنية”، أو “النظام العام” أو “القيم الاجتماعية”.

مثل هذه القوانين تدل على دهاء النظام الذي أبدع مثل هذه المحظورات التي يمكن تطبيقها بأشكال مختلفة ومتى شاء. وبشكل عام لا يوجد صحفي أو مذيع أو مدوّن في مصر يستطيع أن يحدد أين تبدأ منطقة  المحظورات. لذلك دفعت هذه القوانين بالصحفيين إلى توخّي الحيطة والحذر وممارسة الرقابة الضمنية، وبهذا تبدو المؤسسة السياسية المصرية أمام المجتمع الدولي وكأنها بريئة من تهمة ممارسة الرقابة على الصحافة بينما هي في الواقع تخنقها خنقاً، وهذا حال جميع الدول العربية مع الصحافة بلا استثناء.

هناك مجموعة رابعة من الصحف هي الصحف الدولية والأجنبية التي توزع داخل مصر وهي من فئتين، الأولى إقليمية وغالبيتها عربية والثانية عالمية تصدر بلغات أجنبية. ورغم أن الصحف الأجنبية غير خاضعة للرقابة ولا تمثل أمام القضاء للمحاكمة كما هو الحال مع الصحف المحلية، إلا أنها تعتبر مخالفة للقانون إذا نشرت أي شيء ” قد يسيء إلى سمعة مصر في الخارج” وهذا يعني وقف توزيعها لو جاء فيها ما يزعج الرقابة. وكل ما ينطبق على النشر ينطبق كذلك على الإذاعة والتلفزيون.

بالنسبة للصحافة المرئية، هناك عدد محدود من القنوات التلفزيونية الخاصة التي تبث من مصر، وهي أيضاً تواجه مشكلة إعداد برامج تستطيع استقطاب المشاهدين دون الوقوع في فخ استثارة حفيظة السلطات، بمعنى أن العمل الصحفي يشبه التنزّه في حقل ألغام. وعلى رأس هذه القنوات قناتي “دريم” التي أسسها رجل الأعمال المصري أحمد بهجت عام 2001 وهي أول قناة خاصة تبث من مصر، وقناة “أو تي في” التي تغير اسمها إلى “أو إن تي في” وهي مملوكة من قبل رجل الأعمال المصري نجيب سويريس.

تخضع جميع القنوات الخاصة في مصر لتحكّم اتحاد الإذاعة والتلفزيون الذي يعتبر أيضاً المساهم الرئيسي في مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية، وقمر نايل سات الذي يقدم خدمات لحوالي 600 قناة تلفزيونية وما يزيد عن 100 محطة إذاعة رقمية، ولا يمكن للقنوات التلفزيونية الخاصة الاستغناء عنها. إضافة لما ذكر تحتاج الشركات التي تقوم بانتاج برامج تلفزيونية في المدينة الإعلامية إلى تراخيص من الهيئة العامة لتستطيع الاستثمار والعمل في المناطق الحرّة. وهذه التراخيص عرضة للرفض أو تعليق نشاطاتها وعدم تجديدها في حال كان محتوى برامجها غير مرضي للسلطات. وكما هو معلوم فإن قانون الطواريء في مصر منح الحكومة الحرية المطلقة لمعاقبة كل من ينتقد سياساتها.

عشية اندلاع الثورة  صنفت مصر من ناحية الحريات الصحفية وفق معايير “مراسلون بلا حدود” في المرتبة 127 من أصل 178 دولة. وهذا التضييق على الحريات في الإعلام التلفزيوني والإذاعي والمطبوع دفع بالمواطن المصري باتجاه صحافة الانترنت للحصول على المعلومات “غير المفلترة” والتي لم تخضع للتجميل الإعلامي وليّ الذراع. وحسب ما جاء في إحصائيات السي آي إيه، عندما اندلعت الثورة المصرية الأخيرة كان هناك 20 مليون مصري يستخدمون الإنترنت للتواصل عبر الفيس بوك، والتدوين، وتويتير وغيرها من برامج التواصل الاجتماعي. وبهذا خرج المواطن المصري من حيز المكان الجغرافي المحصور تحت جلباب الدولة وتحكّمها في المعلومة إلى فضاء افتراضي عالمي رحب، حيث تتوسع شبكة المعارف وتنفتح المجتمعات الصغيرة على مجتمعات أكبر. ومن خلال هذه المجتمعات الافتراضية تكونت جماعات من الداخل والخارج مهتمة بالصحافة الالكترونية المصرية، وجماعات أخرى اهتمت حصرياً بالمقاومة. منحتهم شبكة الانترنت فرصة التعليق على الأحداث وإعادة تصحيح المعلومات والإضافة على الخبر، وعقد المقارنات. كما ساهمت بإعادة هيكلة الصحافة التقليدية عن طريق التواصل معها وتضمين مواد فلمية أو صوتية أو وصلات لمواد نشرت على مواقع أخرى، ونقل أخبار وتصريحات بعض الشخصيات والتعليق على ما ينشر في الصحافة.

الإعلام المصري الرسمي أثناء الانتفاضة الشعبية

 

قام الإعلام المصري الحكومي أثناء الانتفاضة بتقديم وجهة نظر رسمية مغايرة لمحتوى الخطاب الثوري الذي كانت تنقله وسائل الإعلام الدولية وشبكات التواصل الاجتماعي.  لكن محاولاته قوّضت نتيجة وجود البدائل الإعلامية، إضافة إلى استقالة عدد من الشخصيات الإعلامية الفاعلة وفشل قادة الحزب الحاكم بالاستمرار بتوفير مادة خبرية منتظمة وغير متضاربة المحتوى .

فوجئت صحافة النظام من حجم وتأثير وتعقيد الإعلام الشعبي الثوري، وحاولت وأد الثورة وتمييع تأثير إعلامها الجديد مستخدمة أدوات الصحافة التقليدية بتجاهل أخبار الانتفاضة لأطول فترة ممكنة، وببثّ صور للأحياء الهادئة من القاهرة أثناء اشتعال تظاهرات عشرات الآلاف. وبعد أن فشلت الصحافة الرسمية في طمس الأحداث وتغطية الشمس بغربال، اضطرت إلى سياسة استحداث تغطيات مناقضة لأخبار إعلام الشعب في محاولة للتقليل من جسامة وأهمية الحدث، عن طريق بثّ عدد متواضع من التقارير الإخبارية حول التظاهرات، تعكس صوراَ تدل على تدنّي أعداد المتظاهرين واستخدام ألفاظ تجريمية في وصف المشاركين بالتظاهرات على أنهم “بلطجية مدفوعي الأجر” و “مثيري شغب مستأجرين”.

ولما فشل إعلام النظام في اقناع المتظاهرين بالعودة إلى منازلهم والتخليّ عن مطالبهم، ادعى أن التظاهرات والاعتصامات ما هي إلا خطّة مدبرّة من قبل أعداء مصر الذين يسعون لتخريبها، مدعياً بأن إسرائيل هي التي نفخت نار الثورة تارة ، وتارة أخرى أن أمريكا هي التي صبّت الزيت على النار، وتارة هي إيران، وتارة أخرى هي القاعدة. متناسية أن الشعب ثار لأسباب متعلقة أصلاً بالعلاقة المشبوهة بين النظام وكل من إسرائيل وأمريكا، بسبب التفريط بمصادر قوة وعزّة واقتصاد وسياسات مصر، وتسليم مقدارات وقوت الشعب إلى هؤلاء الأعدقاء الذين باتوا يطبخون المكائد مع شبكة الفاسدين في السلطة. هذه الادعاءات السفيهة أججّت غضب الشعب المصري أكثر لأنه لم يعد يحتمل أساليب استغباءه بهذا الشكل المفضوح، وتعريضه لشتى أنواع القهر من خلال فساد الحاكم وبطانته وتجاهل حقوق الشعب وتجويعه. هذا إضافة إلى أن معظم تقارير الإعلام الرسمي كانت حافلة بالتناقضات بسبب الفوضى التي حدثت عقب انسحاب بعض القيادات من وزارة الإعلام. وفقد الإعلام الرسمي مصداقيته عقب استقالة شخصيات إعلامية اعتبارية ذات مصداقية من مناصبها على خلفية سقوط أخلاقيات المهنة ووجود ثغرات في التغطيات الإخبارية، من ضمن هؤلاء الصحفيين المخضرمين محمود سعد، وسهى النقاش، وشهيرة أمين.

تخبط الإعلام الرسمي وتأرجحت آراءه أثناء الثورة، ومثال على ذلك صحيفة الأهرام التي تسيطر على إدارتها سياسات الدولة. حصلت في الأهرام بلبلة حول كيفية تغطية الانتفاضة. في البداية تجاهلت تغطية التظاهرات وقللت من شأن تأثيرها، حتى أنها يوم السادس والعشرين من يناير قامت بتغطية أخبار تظاهرات جرت في لبنان ولم تذكر تظاهرات ميدان التحرير، مستعيضة عنها بخبر حول الاحتفال بيوم الشرطة وكيف احتفل المواطنون المصريون بهذا اليوم بتبادل الحلويات والزهور مع رجال الشرطة. يوم الثالث من فبراير حملت صحيفة الأهرام مانشيت عريض يقول “الملايين يخرجون لتأييد مبارك” وبعد أربعة أيام فقط، وفي السابع من فبراير، أشاد رئيس تحريرها، أسامة سرايا بـ “نبل الثورة” وطالب الحكومة بالشروع بوضع تعديلات تشريعية ودستورية لا رجعة فيها. وبمجرد تنحي مبارك عن منصبه جاء مانشيت الصحيفة بالعنوان الصارخ “الشعب أسقط النظام”. بينما الصحافة المستقلة مثل صحيفة المصري اليوم، كانت واضحة الموقف ثابتة في تغطيتها للمظاهرات، وكانت تقاريرها موثوقة.

بالنسبة للصحافة الإلكترونية كان تأثيرها فوق التوقعات. فبعد استعادة خدمة الانترنت التي أوقفها النظام يوم 27 يناير، زاد عدد مستخدمي الفيسبوك إلى مليون مستخدم، مرتفعاً من 4.2 مليون في يناير إلى 5.3 مليون في فبراير. كان هناك أكثر من سبب لنجاح الإعلام الاجتماعي الالكتروني في تلك المرحلة، من ضمنها خاصية توجيه المستخدمين للمواقع الأخرى والمدونات والتقارير الدولية، والاختصار في كتابة الخبر وتركيز المعلومة، والتأثير على المستخدم من خلال توجيه رسائل سياسية قصيرة وساخرة. إضافة إلى توثيق خروقات حقوق الإنسان بالصور عن طريق إغراق الإنترنت بصور تدين رجال الشرطة أثناء اعتداءهم على المعتصمين سلمياً مع ذكر أسماءهم ورتبهم وعناوينهم لإحراجهم علناً أمام المجتمع بأكمله.

كان النظام الرسمي قد عطّل عمل شبكة الإنترنت في مصر يوم 27 من يناير بعد تهديد مزودي خدمات الإنترنت وتخييرهم بين فصل خدمات الإنترنت أوسحب رخصهم. كما قام بتعطيل ملقّمات رمز مصر وبالتالي أوقف حركة المرور من وإلى جميع المواقع، إضافة إلى تعطيل نقاط تبادل الإنترنت ووقف اتصال الشبكات داخل البلد. بحلول 29 من يناير 91% من شبكات الانترنت المصرية تقريباً كانت قد أغلقت، إضافة إلى إغلاق نظام خدمة الرسائل النصّية عبر الهواتف النقّالة، وتويتير، وتعطيل استقبال قناة الجزيرة الفضائية التي تبث باللغة العربية، إضافة إلى التعطيل المؤقت لجميع خدمات الهواتف النقالة.

لكن هذه الاحترازات لم تثن المواطن المصري عن البحث عن بدائل، فكثير من الشباب وجدوا طرقاً تقنية التفافية حول هذه الأعطال، بينما استخدم البعض الآخر الهاتف الأرضي للاتصال بالأصدقاء والأقارب القاطنين في الخارج ولقنوهم الأخبار التي قام المغتربون بدورهم بإعادة توزيعها عبر فيسبوك وتويتير.

يبدو أن نظام مبارك أساء تقدير عواقب سياسة فرض الحظر على الإعلام الجديد ، إذ توقع أن تعطيل الاتصالات سوف يبطيء من وتيرة التحريض السياسي عن طريق قطع الأتصالات بين قيادات الثورة ومن ينسقون معهم، وهذا يدل على قصور في فهمه لطبيعة هذه الانتفاضة. إلا أن هذه الإجراءات أثمرت عكسياً وساهمت بتسريع سقوط النظام. إذ بتعطيل تقنيات الاتصال لجأ الناشطون إلى طرق تقليدية، من دقّ على الأبواب والتوجّه للمساجد والتجمهر في الطرقات والميادين وتوصيل الرسائل شخصياً ووجهاً لوجه.

في النهاية اتضح أن قرار إغلاق الدولة لشبكات الاتصال هو منتهى السذاجة، إذ تأذى الاقتصاد أكثر من الأذى الذي أحدثته المظاهرات لأنه أدى إلى تعطيل الأنظمة المصرفية والبورصة وخسر المستثمرون مئات الملايين من الدولارات نتيجة تعطيل الحوالات المصرفية الكترونياً لعدة أسابيع.

دور الصحافة الدولية أثناء الانتفاضة

لعبت الصحافة الدولية دورين مهمين أثناء الانتفاضة المصرية، الدور الأول بتوفير الخبر الموثوق للمواطن المصري كبديل للأخبار التي كان يوفرها له الإعلام الرسمي، والدور الثاني تمثل في إعادة تشكيل الوعي السياسي داخل مصر والرأي العام خارجه.

 بالذات لعبت قناة الجزيرة دوراً ريادياً ومغايراً للإعلام الرسمي بتغطية أخبار المظاهرات والتخريب في ميدان التحرير عن طريق توفير بث حي ومباشر للمشاهدين حول العالم. لكن النظام المصري لم يرق له ذلك فقام بمحاولات مختلفة لتعطيل عمل الصحفيين والقناة، بدءاً من تهديد الصحفيين، ثم اعتقال وسجن ستة من العاملين في القناة، واقتحام رجال الشرطة لمكتب الجزيرة ومصادرة معدات القناة وقطع الكهرباء عن المكتب. لم تتوقف محاولات النظام لتعطيل عمل القناة عند هذا الحد بل تعدتها إلى قطع الاتصال بين الجزيرة والقمر الصناعي نايل سات الذي من خلاله يمكن نقل التغطيات لبقية أنحاء العالم.

 لكن هذه الإجراءات لم تثن الجزيرة عن إيجاد بدائل، إذ استمرت ببث التغطيات عبر تحميل مقاطع من تقاريرها عبر تقنية البودكاست وتحميل مقاطع الفيديو على موقعها، وبتكويت تحالفات مع شبكات عربية أخرى قامت بدورها بوقف برامجها المعتادة لتشارك قناة الجزيرة بموجاتها لتستمر الجزيرة بالبث مباشرة على الهواء. بالإضافة إلى استمرار عملها من خلال القمرين الصناعيين عرب سات ومقره المملكة العربية السعودية، وهوت بيرد ومقره فرنسا وكلاهما قاما ببث الأخبار للمشاهدين القاطنين في الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى. وبذلك أصبحت تقارير قناة الجزيرة جزءاً مهماً من الأخبار التي تبثها القنوات الإخبارية العالمية مثل “سي إن إن” و “بي بي سي” حيث أصبحت قناة الجزيرة مرجعاً للأخبار.

تغطية الأخبار من خلال هذه القنوات الإخبارية العالمية أثرت بدورها على سياسة الخارجية الأمريكية التي تأكدت من أن ما يحدث في مصر هو ثورة ديمقراطية سلمية حقيقية، بعد أن كانت تدعم نظام مبارك في البداية على اعتبار أن نظامه القمعي كان صمام أمان ضد الفوضى التي قد تحصل في الشرق الأوسط، بناء على صورة كانت قد تعززت من خلال الصورة النمطية التي رسمها الاستشراقيون بأن العرب غير مهيئين اجتماعياً لثقافة الديمقراطية. ونظراً للطابع السلمي للاحتجاجات، ومطالب المحتجين بتطبيق الديمقراطية، ومشاركة المصريين من كافة الفئات والطبقات الاجتماعية والأديان ومشاركة الجنسين، وتقارير الفضائيات التي عكست حماقة النظام ووحشيته وفشل جهوده في قمع المتظاهرين، تغير موقف الولايات المتحدة الأمريكية بشكل سريع نسبياً، من مؤيدة للنظام بشدة في أول أيام الاحتجاجات إلى مطالبة مبارك بالاستجابة لمطالب الشعب بعد أيام قلائل.

الإعلام المصري بعد تنحي مبارك

نظرة سريعة على اليافطات المنتشرة في ميدان التحرير التي تقول شكراً يا شباب الفيسبوك، والكتابات المرسومة على الجدران التي تمجّد تويتير، ما هي إلا دلائل على أهمية الإعلام الجماهيري ودوره المتوقع في زمن ما بعد سقوط نظام مبارك، ليس بالنسبة للجماهير التي شاركت في الانتفاضة فقط، بل بالنسبة للإعلام الرسمي والأحزاب السياسية والمجلس العسكري الذي ملأ الفجوة التي كان يشغلها نظام مبارك مؤقتاً.

الذين قادوا التظاهرات والذين دخلوا مقرّ أمن الدولة في فبراير 2011 وعثروا على الملفات الرقمية للضباط وحملّوها على موقع “بيغيبيديا” للجميع ليطلعوا عليها من خلال الإنترنت،  استمروا باستخدام الإعلام الجماهيري كأداة لتحقيق الديمقراطية التي ثاروا من أجلها. استمروا باستخدام الفيسبوك والمدونات لمناقشة علل المجتمع والطرق التي قد تحقق الحلول. كما استخدموا الإنترنت مرة أخرى لاستدعاء آلاف المتظاهرين لينزلوا مرة أخرى للشوارع ليطالبوا بمحاكمة حسني مبارك.

استمر الإعلام الجماهيري في تطوير الثقافة السياسية في مصر كما استخدم كتجربة في عدد من أشكال التواصل السياسي. ففي ابريل 2011 أعلن المدعي العام عن سجن حسني مبارك من خلال الفيسبوك بدلاً من عقد مؤتمر صحفي. وفي نفس الشهر استخدم حوالي 1400 أستاذ جامعي الفيسبوك للمطالبة بإقالة وزير التعليم العالي “عمرو عزت سلامة” والمطالبة بإصلاحات في التعليم العالي. كما قدم عدد من ضحايا التاسع من مارس شهادات علنية حول ما جرى لهم في ندوة عقدت في نقابة الصحفيين في القاهرة تم تسجيل بعضها بكاميرات الفيديو وأضيفت إليها ترجمة بالانجليزية ثم  حمّلت على اليوتيوب وصفحات الفيسبوك وتوزعت بعدة لغات.

بينما بالنسبة لإعلام ما بعد الثورة الإيرانية. بعد عام واحد من الثورة تقريبا، عادت وسائل الإعلام إلى دورها السابق من دعم وتأييد أيديولوجية الدولة المهيمنة. لذلك هناك احتمال أن يعود الإعلام الرسمي المصري إلى سابق عهده من التغاضي عن انتقاد السلطات، وهناك احتمال أن يحنّ قطاع منه إلى النظام السابق وأن يستذكر محاسنه وأن يمنحه المبررات إذا تعثّر النظام الجديد أوفشل في لملمة الوضع الإقتصادي المتردي.

عندما قامت الثورة الإيرانية كان حينها شريط الكاسيت هو الأداة الإعلامية الجديدة المتداولة التي استخدمتها المعارضة وكان له تأثير على الإعلام تماماً كتأثير الفيسبوك في انتفاضة مصر. وهذا يعني أن أدوات الاتصال زهيدة الثمن نسبياً التي يستطيع العامة اقتناءها واستخدامها تؤثر بشكل كبير في إعلام الثورات، فالكاسيت كان زهيد الثمن، صغير الحجم، سهل النسخ والتوزيع ويصعب السيطرة على توزيعه، تماماً كما كان دور الإنترنت في ثورة مصر.

الإعلام الجديد في مصر يمر حالياً بفترة تجريب، حيث الإعلاميين والقادة العسكريين والمسؤولين في الأحزاب السياسية المختلفة والمدونين وغيرهم ما زالوا يبحثون عن أدوار جديدة متوازنة. كل نشاط إعلامي هو تجربة جديدة لها نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ستعيد تشكيل التجارب اللاحقة بما في ذلك إعادة تشكيل المؤسسات الإعلامية التي ستؤثر كذلك على بعضها البعض. لكن مهما كانت التوقعات، هناك أمر واحد شبه مؤكد، وهو أن الإعلام المصري بعد 25 يناير 2011 لن يعود كما كان قبل ذلك التاريخ.

tamimi@journomania.net

Advertisements

One thought on “تأثير الثورة على الصحافة المصرية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s