اختطاف منصة النساء الليبيات إعلامياً

النساء الليبيات يعبرن عن مواقفهن السياسية بعد الثورة

النساء الليبيات يعبرن عن مواقفهن السياسية بعد الثورة



بقلم إقبال التميمي / مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

المواقع الإعلامية الغربية تنتهج الدقة والمهنية بشكل عام رغم انحيازها وانزياحها عن الحقيقة أحياناً لأسباب سياسية بحتة، لكنها إذ تفعل ذلك تتلاعب بالرأي العام بأساليب في غاية الدهاء بحيث تخفي أجنداتها أو كراهيتها لبعض الفئات من خلال الالتفاف حول التعبيرات المختارة بعناية. لكن المواقع الإعلامية العربية لم تتوصل بعد إلى طرق التذاكي التي تحفظ مياه وجهها وتبقي حبل الود متصلاً مع القراء حين تجرّعهم الغث من الصحافة، لذلك جاءت أمثلة تلاعباتها بالرأي العام فجّة، ساذجة ومفضوحة المحتوى.

أحد تلك الأمثلة نشر اليوم السادس من سبتمبر 2011 والمقال الصارخ بالتحذير جاء منشوراً على موقع ميديل ايست أون لاين، في الجزء العربي منه الصادر في لندن.
العنوان يقول: أولى بشائر تحرير طرابلس: تكميم وتحجيب النساء” والسطر الثاني من العنوان يحذّر
“صعود المتطرفين من القوى الاسلامية المحافظة يهدد هامش الحرية الذي كان متاحاً للمرأة الليبية”
والتقرير مرفق بصورة امرأة محجبة تمسح عيناها بطرف حجابها والصورة مذيلّلة بالشرح التالي: “العودة بالنساء لقرون الحريم”.

هذه الأسطر كافية لإثارة حفيظة أي إعلامي يحترم مصداقية وأخلاقيات مهنته، أو من عنده مقدار ذرّة من إلمام بأبجديات الصحافة.
بالنسبة للعنوان، لا يوجد دليل واحد على فرض الحجاب على النساء في ليبيا عقب الثورة الأخيرة، ولا يوجد دليل واحد على تكميم أفواه النساء فعلياً أو استعارة، ولا يوجد دليل واحد على”العودة بالنساء لقرون الحريم” بعد الثورة الليبية. بل على العكس من ذلك تماماً، أخيراً تعرفنا على المرأة الليبية التي كانت محاصرة بعيداً عن الإعلام الرسمي قبل الثورة ولم نعلم عنها شيئاً، لأن الإعلام كان مسخراً لتلميع صورة قائد النظام وأسرته، بينما بقية نساء ليبيا مقصيات عن المنصات الإعلامية. بدأت النساء الليبيات بالظهور في الإعلام بعد الثورة وشاهدنا نساء مثقفات قويات العزيمة وقادرات على المشاركة السياسية. لم يكن “مكممات” كما ادعى تقرير ميديل ايست أون لاين، بل جئن صارخات، منددات، مزغردات، ملوّحات، معترضات، ومحتفلات.

أما السطر الثاني من العنوان فإنه يوحي للقاريء بأنه كانت هناك حريات متاحة للمرأة الليبية قبل الثورة الأخيرة وهناك مخاوف من أنهن سيسلبن هذه الحريات، وأن من سيقوم بسلبهن هذه الحريات هم رجال مسلمون.
يبدو أن الزميل الذي كتب التقرير خلط بين أنواع الحريات ومضامينها. ربما قصد أنه كانت هناك نساء غير محجبات في عهد حكم الرئيس السابق القذافي، لأن الحرية قزّمت واختصرت في قواميس الإعلام العربي، بحيث أصبح الدليل على الحرية مرهوناً برأس المرأة إن كانت حاسرة الرأس أم لا. فإن لم تكن حاسرة الرأس، نزعت عنها صفة الحرية وخرجت من ملكوت الليبرالية، وكأن غطاء الرأس له تأثير مانعة صواعق تحول دون التقدم. كما جاء في التقرير أن “العاصمة طرابلس كانت دوما اكثر ليبرالية”.

على ما يبدو أن كلمة ليبرالية أصبحت مرادفة لوصف حاسرات الرأس وكأن المعتقدات الدينية أو الاجتماعية للأفراد التي من ضمنها حق حرية الالتزام بشكل معين من الملابس، تعني الخروج من حظيرة التحضّر والتمدن والحريات. لا أدري كيف يصنف كاتب هذا التقرير غاندي، هل يخرجه من حظيرة الليبراليين لأنه حاسر الرأس والكتف وعاري الساقين وكان يرتدي قطعة قماش تشبه إلى حد بعيد غطاء سرير منسوج يدوياً ومحلياً، أي غير غربي وغير مستورد وغير مختوم بأحد أسماء مصممي الأزياء.

الحقيقة أنه لم يكن هناك حريات متاحة للمرأة الليبية لإبداء الرأي كما يلمّح كاتب التقرير، الحرية التي أظنه يقصدها هي حرية اقتراضية لثلّة كانت مستظلة بقائد العهد السابق، فازت ببعض الإضاءة صدفة لقربها منه، ويا للسخرية ويا العجب، كانت من ضمن هؤلاء محجبات. لذلك لا يوجد هناك أي علاقة منطقية بين الحريات أو عدمها مع وجود الحجاب أو عدمه. على زميلنا أن يقرأ عن “ليبراليات القذافي” مثل سفاحة النظام المعروفة بشنّاقة الرجال، هدى بنت فتحي بن عامر، التي كانت تعدم الطلاب الجامعيين بلا رحمة ومع ذلك ترتدي غطاء رأس أيضاً.

أما الصورة التي استخدمت للإرفاق بالتقرير التخويفي، والتي ذيلّت بعبارة: “العودة بالنساء لقرون الحريم” ففيها إهانة للنساء ولذكائهن. فلا للحجاب صفة الرجعية، ولا النساء قطيع من الخراف يمكن جرّهن مكرهات إلى غياهب التاريخ، خصوصاً بعد أن أثبتن أنهن يمتلكن أدوات الحرية والتعبير عن الرأي أثناء الثورة. وأكاد أجزم بأنه لا علاقة للصورة المرفقة بمحتوى الموضوع من قريب أو بعيد، أي أنها صورة تم اختيارها من ضمن ملف متوفر من صور “الحريم” على رأي الزميل كاتب التقرير ورغم ذلك لم يجد الموقع غضاضة من عدم التنويه عن ارتجال هذا الاختيار.

لقد اعتدنا على الإعلام الغربي الذي لا يرى في قضايانا كنساء عربيات سوى محجبات وغير محجبات، ومقهورات يتعرضن للظلم في مجتمعاتهن. وانتظرنا لينتصر لنا الإعلام العربي وزملاء المهنة الذي يعلمون تمام العلم أن النساء العربيات قطعن شوطاً طويلاً منذ آخر سهرات “ألف ليلة وليلة”. لكن للأسف، يبدو أن البعض منساق خلف مشاعره الخاصة، بعيد كل البعد عن المهنية في مجال العمل، ولأن البعض منا يكره المتدينون بأشكالهم المختلفة، تناسوا أخلاقيات مهنة الصحافة وضرورة الالتزام بمعاييرها الحيادية فانتهى بهم الأمر باختيار عناوين تشحن القاريء ضد فئة دون أخرى، ولا تمت للواقع بصلة.

tamimi@journomania.net

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s