ثقافة تخزين القات تنتشر في بريطانيا

مجموعة شباب يمنيين في جلسة تخزين للقات في مدينة ددلي البريطانية

مجموعة شباب يمنيين في جلسة تخزين للقات في مدينة ددلي البريطانية

إقبال التميمي

وقف عدد كبير من اليمنيين وبعض الصوماليين والباكستانيين في منطقة ساوث هيل بالقرب من لندن بانتظار وصول شيء ما. طال الانتظار وفقد البعض صبره وتأفف من انعدام الدقة في التوقيت. وبعد ترقب وصلت شاحنات محملة تنوء بحملها، تدافع الرجال باتجاهها. كل يريد أن يسبق غيره في الوصول ليقضي ما كان في انتظاره لساعات. حملت الشاحنات مئونة القات التي تنقل من المطار إلى أماكن توزيع تجار الجملة والمفرق.

ارتبطت عادة تخزين القات في البلدان العربية باليمن، ورغم أن هناك بعض اليمنيين البريطانيين الذين ينتمون إلى الجيل الثالث، ولدوا وترعرعوا في بريطانيا، ولم يزوروا اليمن بتاتاً، إلا أن هؤلاء يخزنون القات منذ أن أصبح الواحد منهم في سن الـ 12. يعود ذلك إلى أن بعض الآباء يشتري القات ويقدمه لأولاده دون ممانعة كجزء من العادات والتقاليد، على اعتقاد منهم أن تعلم عادة تخزين القات هي أخف الضررين، وأنهم سيضمنون من خلالها أن لا يبتعد صغارهم باتجاه ملاه أخرى أشد ضرراً كما قال أحد الآباء.

يتميز المجتمع اليمني الذي يعيش في بريطانيا منذ عدة أجيال بالترابط الأسري، والانطواء في دوائر ليس من السهل اختراقها. لذلك من ضمن العادات التي حافظوا عليها جيلاً بعد جيل، عادة مجالس تخزين القات. والتي بدأت بالانتقال من خلالهم، وغيرهم من المجتمعات الأخرى مثل الكينيين، والصوماليين، والإثيوبيين إلى الباكستانيين المقيمين في بريطانيا.

يقول البعض أن تقبل الباكستانيين لهذه العادة الجديدة قد يعود لكونها شبيهة بتعاطيهم لمادة البان، ولا تختلف عنها كثيراً سوى بالصبغ الأحمر للفم واللعاب، على غير ما يفعله القات الذي يخلف اللون الأخضر. شباب باكستانيون من سن 20 – 35 عاماً ومن خلال أعمالهم البسيطة مع اليمنيين، دخلوا دائرة المزاج عن طريق تخزين القات. قال أحدهم: في البداية قدم لي صديقي اليمني بعض القات لأجربه أثناء ضيافتي له، وتكررت تلك الضيافة. أعجبني مفعول القات الذي يدور برأسي قليلاً ويجعلني أنسى هموم اليوم، ويحسن من مزاجي المتعكر. طبعاً لا يجوز أن أعتمد على زميلي اليمني وعلى ضيافته الكريمة. كان علي أن أبدأ بشراء حاجتي من القات. سألت عن طريقة ومكان بيعه، وهاأنذا أشتريه وحدي دون أن أحرج صديقي.

المصدر الرئيسي لتجارة القات حالياً تتمركز في اليمن وإثيوبيا. يدخل القات المطارات البريطانية بشكل رسمي دون أدنى ممانعة، كمحطة قصيرة أثناء طريقه إلى أمريكا الشمالية. ولأن تأثير فعالية النبتة يعتمد على عمرها القصير نسبياً، لم تهتم الجهات الرسمية البريطانية بمنعها من الدخول إلى البلاد، رغم أن هذا الموضوع تمت مناقشته في البرلمان من قبل. تتركز مناطق تعاطي القات في بريطانيا في طائفتين، اليمنيين والصوماليين. وبالذات في كل من المدن التالية: شفيلد، مانشستر، كارديف، بريستول، برمنجهام، ولندن.

يقول المدرس عبد العالم الشميري من اليمن 29 عاماً، تنقلب البيوت اليمنية في بريطانيا أيام السبت إلى أوكار لتخزين القات. وللقات تأثير ” مكيف”. هناك من يبدأ بجلسة تخزين القات من 3 مساء لتستمر إلى 4 صباحاً، ولا يوجد سن معينة للبداية، هناك أطفال في عمر الـ 12 يخزنون القات، الوالد بنفسه يشتري لأولاده القات. ووجهة نظر الآباء أن تخزين القات تحت رقابتهم أفضل من ذهاب المراهقين إلى المراقص والملاهي أو الحانات. أو حتى مرافقة من قد يؤثر عليهم ويساعد على انحرافهم في طريق لا عودة منه. بعض الناس يتفاخرون بجلسات القات التي اقترنت بالغيبة والنميمة، والنقاشات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

هناك عدد كبير من العاطلين عن العمل، وهؤلاء مشكلتهم أكبر إذ يتعاطون القات طيلة أيام الأسبوع وليس في يوم الإجازة الأسبوعية فقط، هذا رغم فقرهم وقلة ما في أيديهم.

هناك أماكن تشتهر أكثر من غيرها بتجارة القات، مثل “ساوث هول” بالقرب من لندن. حيث تجد الناس يتدافعون باتجاه الشاحنات الكبيرة المحملة بالقات، وكأنهم مندفعون لشراء مؤونة بيوتهم من السمانة. ويشتري التجار الصغار من تجار الجملة ليقوموا فيما بعد بتوزيع ما اشتروه. يبلغ سعر 200 غم من القات ثلاثة ونصف جنيه استرليني بتجارة المفرق، لكن الغالبية العظمى من العائلات تشتري بالكيلو، ويبلغ ثمن الكيلوغرام الواحد من القات 18 باوند استرليني.

 

اهتمام الإنجليز بتاريخ القات

يقال أن مصدر القات الأصلي هو إثيوبيا، وانتقل من هناك عبر التلال إلى شرق أفريقيا واليمن. ومن الجدير بالذكر أن القات سبق القهوة في الظهور والاستخدام. اهتم الإنجليز بمعرفة أسرار هذه النبتة منذ زمن طويل. كتب السير ريتشارد بيرتون في كتابه ( الخطوات الأولى في شرق إفريقيا عام 1856) أن القات وصل إلى اليمن من إثيوبيا في القرن أل 15 وغيره قال أن القات موجود في اليمن منذ القرن الـ13. ومن هناك انتشر إلى كينيا، الصومال، ملاوي، أوغندا، تنزانيا، الجزيرة العربية، والكنغو، التي تعرف حالياً بزمبابوي، وزامبيا، وجنوب أفريقيا.

لكن أقدم ما سجل تاريخياً من ذكر للقات من ناحية خصائصه الطبية جاء في الإنجيل في العهد الجديد. كما أن قدماء المصريين كانوا يعتبرون القات طعاماً مقدساً قادراً على إطلاق طاقات الإنسان. وصفت الموسوعة ما قاله الكاتب الملاوي عبدالله بن عبدالقادر عام 1854 عن طريقة تعاطي القات إذ يقول: رأيت شيئا ًغريباً في الحديثة في اليمن، يمضغون أوراق نبتة اسمها القات كما تفعل المعيز، ورق النبات عريض بطول اصبعين. يحشونها في أفواههم ويمضغونها. تتكدس أمامهم بقايا ما يبصقونه من أوراق، ولعابهم يصبح أخضر اللون. يأكلون بعد مضغه الكثير من السمن والعسل لئلا يمرضون.

بسبب زهد تكاليف النقل الجوي وصل القات إلى مناطق أخرى غير بريطانيا، مثل روما، أمستردام، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا والولايات المتحدة الأمريكية.

الصوماليون في بريطانيا يتعاطون القات ولم يتخلوا عن عاداتهم، ولا زالت الصومال تعاني من مشكلة تعاطي القات لذلك منع مجلس المحاكم الإسلامية الأعلى في الصومال تداول القات في رمضان عام  2006 فحصلت مظاهرات، على إثرها أوقفت كينيا كل الرحلات الجوية المتجهة إلى الصومال وعزت ذلك لأسباب أمنية، فاعترض مزارعي القات وقاموا بتنظيم مظاهرات. صرح حينها عضو البرلمان الكيني عن منطقة نتونيري أن 20 طن قيمتها 800 ألف دولار أمريكي تشحن يومياً من الصومال إلى كينيا من أرض مخصصة لزراعة القات. وأن حجب الرحلات سيقضي على الاقتصاد المحلي.

وبسؤال أحد الأطباء عن المادة الفعالة في القات قال: مادة الكاثين في القات لها تأثير محفز، كما اكتشفت مادة أخرى هي الكاثينون. تؤدي هذه المواد إلى حالة من الانتشاء، فيصبح الإنسان غير واقعي، وكثير النشاط. ويؤثر القات سلباً على غير المستقرين نفسياً. ويرفع من ضغط الدم، كما يسبب الهلوسة. وهناك أعراض انسحابية عند التوقف عن تخزين القات منها الدوخة، الكوابيس، الرعشة، والاكتئاب. وعلى المدى الطويل يتلف الكبد، وتصبغ الأسنان بصبغة داكنة تميل إلى اللون الأخضر، ويصبح الجسم مستعداً للإصابة بالتقرحات، كما يعمل تعاطي القات على فترات طويلة على إضعاف الغريزة الجنسية. استطاعت ثقافة تخزين القات التمكن من الأفراد، وانتقلت معهم أينما انتقلوا. ويذكر أن اليهود من أصول يمنية حملوا معهم ثقافة القات إلى إسرائيل، ويعتبر تعاطيه وبيعه قانونياً هناك. حيث تباع أوراق نبتة القات في السوق بشكل علني. لكنهم استطاعوا تصنيع نوع من الأقراص من مستخلصات القات اسمه “هاجيجات” يحتوي على نسبة عالية من مستخلص مادة الكاثين الموجودة في القات،  وتعتبر هذه الأقراص غير مشروعة ويمنع تداولها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s