الجمل الذي ألبسوه ثوب وردي والصحافة العربية


إقبال التميمي

إن إلقاء نظرة خاطفة على نموذج  لصفحة أولى لصحيفة خليجية مثل صحيفة الرياض المرفق صورة عنها مثلاً، تعطينا إشارة إلى حجم المأساة. فثلاثة أرباع الصفحة تغطيها إعلانات تجارية تحث المواطن على المزيد من الاستهلاك واقناعه بشراء المزيد من الكماليات التي لا يحتاجها، بينما الربع الأخير فهو مخصص دائماً لصورة وأخبار شخص هو رئيس الدولة أو أحد الشخصيات السياسية.

قبل حوالي أسبوعين تفاخرت الصحف الإماراتية والسعودية بنشر تقرير صادر عن المؤسسة العربية للبحوث والدراسات الاستشارية “بارك”،  يفيد بأنهما على رأس قائمة الإنفاق على الإعلانات. إذ بلغ حجم الإنفاق الإعلاني في المملكة العربية السعودية خلال 6 أشهر فقط ما قيمته 2.42 بليون ريال.أي أن السعودية احتلت المرتبة الثانية عربياً من حيث حجم الإنفاق على الإعلانات خلال النصف الأول من العام الحالي 2011 . بينما تصدرت دولة الإمارات القائمة العربية بقيمة 696 مليون دولار، وحلت الكويت ثالثا بقيمة 451 مليون دولار ثم مصر بقيمة 355 مليون دولار، ولبنان رابعا بقيمة 219 مليون دولار ثم قطر بقيمة 215 مليون دولار وعُمان بقيمة 137 مليون دولار، فالأردن بقيمة 56 مليون دولار والبحرين بقيمة 52 مليون دولار، فيما بلغ إجمالي الإنفاق الإعلاني لبقية الأسواق العربية 69 مليون دولار.

للتوضيح فقط، مع الأخذ بعين الاعتبار عدد السكان في دول الخليج مقارنة بمصر مثلاً. اتضح أن قطاع الاتصالات والمرافق العامة في الخليج كان أكثر القطاعات إنفاقاً إعلانياً بقيمة 905 ملايين دولار، يليه قطاع التجميل والعناية الشخصية بمجموع 816 مليون دولار، وحل قطاع الإعلانات الخاصة بالحكومات والمنظمات ثالثا بقيمة 778 مليون دولار. واشارت الإحصائيات الى أن قطاعات الأغذية والمشروبات والتبغ والملابس والمجوهرات والإكسسوارات الشخصية كانت الأكثر ارتفاعا في الانفاق الإعلاني خلال العام الحالي بالمقارنة مع إنفاقها عام 2010. وأشار التقرير إلى ان شركات الماركات العالمية في دول مجلس التعاون الخليجي والمشرق العربي تصدرت قائمة الانفاق الاعلاني دون منافسة حقيقية من الشركات المحلية.

بشيء بسيط من المقارنة مع الصحف الغربية، نجد أن المهمة الأولى للصحيفة العربية هي تلميع صورة شخص قائد النظام، وإن اختفى هو من الصورة حلّت محله شخصية أخرى من أسرته أو من بطانته، على غير حال الصحف الأجنبية التي تهتم بوضع الحدث في الصفحة الأولى. ففي بريطانيا مثلاً نادراً جداً ما تحتل صورة الملكة الصفحة الأولى، وإن حصل ذلك ، هذا لا يعني أنها تتمتع بأية حصانة ضد النقد الجارح الذي قد يتناول مقدار إنفاقها أو مظهرها. على عكس حال الصحف العربية التي اقتربت من تأليه الشخص إلى درجة أننا أصبحنا نتخيل أن هؤلاء القادة لا يزورون بيت الخلاء لأنهم -على غير حال البشر– ينضحون المسك من جلودهم.

لا أجد من سبب يستدعي التفاخر بحجم سوق الإعلانات، لأن دول الخليج بلا استثناء تروج لمواد استهلاكية وجميعها للأسف مستوردة، أي لا تنتجها محلياً. في الغالب الإعلام  الخليجي السائد هو إعلام تسليع وتسويق وتشجيع للاستهلاك، وأحياناً هو إعلام تطويع سياسي، هذا إذا بقي شيء من مساحة الصحيفة للصحافة الحقيقية، إذ تحتل معظم الصفحات إعلانات التملق في حال سفر س من الناس أو عودة ص من رحلة تدليك أو وفاة ع. هذا عدا عن قصائد المديح والتمسيح.

لذلك في حال وفاة شخص ذا مكانة سياسية، تلغى صفحات الرياضة، والثقافة، والفنون، وصفحة التحقيقات التي هي أصلاً نادراً ما نسعد بمصادفتها بسبب انعدام الشفافية وتدوير المواضيع ونقعها بالكلور المكثف لتخرج ناصعة البياض وقد اختفت منها جميع الأصابع التي تشير إلى المفسدين الحقيقيين. وهذا من أجل تملق أقارب الميت، لأن الأموات لا يقرأون الصحف، وهذه إحدى رحمات رب العالمين.

إن الإعلام المفلس هو الذي يعتمد بقاءه على مداخيل الإعلانات لعجزه عن استقطاب القاريء بالمحتوى الصحفي. وللأسف سوق الإعلانات في دول خليجية مثل الإمارات هو عماد اقتصادها، لأن الفعاليات تستقطب حركة القادمين والمغادرين، وتشغّل المطارات ووسائط النقل والفنادق والمطاعم ورسوم الدخول والخروج وغيرها. وهذا يعني الاضطرار إلى قبول استضافة أي حدث قد يحرك السوق، والتطبيل والتزمير له دون مراعاة لتفاهة الحدث أوهبوط الذوق والمحتوى لتلك الفعاليات، وإيذاءها للتراث المحلي وللمواطنين. مثال على ذلك شريط فيديو ترويجي بثّه موقع إيلاف قبل يومين حول فعالية “أخرى” من هذا النوع جرت في أبو ظبي . للأسف الشديد جزء كبير من هذه الفعاليات التافهة قادمة من لبنان، حيث الحياة الاجتماعية ومعايير الذوق تختلف عن تلك في منطقة الخليج، مما يجعل تلك الفعاليات تشويهاً للهوية الخليجية وخلق صورة نمطية سيئة عن المنطقة. الفعالية المشار اليها هي ترويج لموقع آخر “للمرأة”. حيث تفاهة محتواه تدين المرأة العربية وتعتبرها ناقصة عقل وفاقدة لأبجديات المنطق، ليس لديها اهتمامات في الحياة سوى التبضّع والتسوق واختيار الإمارات لإطلاق مثل هذا الموقع فيه إشارة ضمنية إلى أن نساء المنطقة غنيات وغبيات همهن الأكبر اللهاث خلف كل جديد مطروح في السوق.

 للأسف عرض الفلم الترويجي لهذا المشروع الإعلامي  حفلاً لافتتاحه في الإمارات حيث احتفى الشريط بحضور نموذج للمرأة العربية، فكانت هيفاء وهبي التي حضرت محشورة في جينز ضيق وقطعة علوية يبدو أنها لبستها في سن المراهقة وكبرت داخلها فكشفت عن جزء من اللحم الأبيض المتوسط. العدسات أشبعت غرور هايفاء التي بدت في غاية السخاء، تنفخ وتوزع القبلات في الهواء من خلال نقاب ارتدته للإيحاء بفانتازيا المهتمين بمزج المفضوح بالغطاء. النقاب أو اليشمك ارتبط في ذاكرة تاريخنا العربي بعفّة النساء وحمايتهن من التبذّل لكن للأسف، تم انتهاك دوره على يد سفيرة “بوس الواوا”.

لم تتوقف المهزلة الإعلانية عند هذا الحد، بل أشاد الذين تمت مقابلتهم من الإعلاميين الحضور، وجميعهم لبنانيون، بفكرة “تلبيس” الجمل رداء زهري اللون. نعم، جزء من أركان الإحتفال استعراض جمل عربي يرتدي زياً نسائي اللون. حتى الجمل، رمز الصبر والثبات. الجمل الذي كان له دور في ذاكرتنا العربية أثناء الفتوحات وانتشار ثقافة التنوير لم يسلم من أذاهم، أصبح الآن خاضعاً لتحويله إلى رمز للشذوذ من خلال سلب هويته الصلبة وتحويله إلى قطعة لبان تتغنج في رداء زهري اللون.

ألا يستحون من الاحتفال بحجم الإعلانات التي كلما زادت مساحتها قلّت مساحة الصحافة المسؤولة؟

إقبال التميمي / مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s