محطة تلفزيون “بي بي سي” وتوزيع الألقاب بلا حساب

كاريكاتير بريشة الفنان السعودي ربيع

بقلم إقبال التميمي

أثناء وبعد ثورات الربيع العربي، طفت ظاهرة غريبة على السطح، خصوصاً في البرامج التلفزيونية التي تبث من لندن. ألا وهي ظهور شخصيات لا علاقة لها بالإعلام للتعقيب على الأحداث بصفتهم صحفيين وباحثين ومنحهم الألقاب “حبطرش” أي بدون حساب. كما تكرر حضور الوجوه المستضافة رغم وجود عدد كبير ممن يمكنهم سد الفجوة وهذا أمر يستدعي حفر قبور الإعلام الذي يحاول الاقتصاد في النفقات على حساب الموضوعية والمحتوى.

إن كوننا إعلاميين على معرفة ومقدرة على فرز الزملاء الصحفيين عن غيرهم من المتسلقين على أكتاف الساحة من أولئك الذين منّ عليهم مقدمي البرامج بألقاب ليست من حقهم، ومنحوهم مبضع تشريح الصحافة رغم أنها ليست من ضمن اختصاصاتهم، يحفزنا إلى نشر غسيل دهاليز الإعلام على الملأ وأذكر مثالاً على ذلك.

فوجئت اثناء بث أحد البرامج قبل حوالي أسبوعين على قناة “بي بي سي” التي تبث من لندن باللغة العربية، بظهور إحدى السيدات اللواتي أعرفهن شخصياً. كانت قد حادثتني في الأسبوع الذي سبق ظهورها متسائلة عن كيفية انضمامها لعالم الصحافة وكيف تستطيع الحصول على عضوية في نقابة الصحفيين أو شبكة الصحفيات العربيات رغم أنها ليست بصحفية ولا بإعلامية وأقرّت بذلك شخصياً. وبعد مناقشة مطوّلة، أوضحت لها بالحرف الواحد أن النقابة مؤسسة مهنية يعتمد الانضمام إليها على وجود دخل من مهنة الصحافة وهو أمر لا يتوفر في حالتها لأنها لم تعمل  مطلقاً في أي من أبواب الصحافة. واقترحت عليها بأن تبدأ مسيرة اهتمامها بدخول عالم الإعلام عن طريق إنشاء مدونة وأخبرتها كيف تفعل ذلك وعرضت عليها الاستعداد لمساعدتها في أي مشورة تتعلق بالأمر. وكان ردها أنها لا تعلم كيف تفعل ذلك، خصوصاً وحسب قولها أن تقادم عمرها لا يساعدها في تفهم تقنيات التدوين وأنها كانت قد أرسلت مادة لأحد المواقع الالكترونية وبعد محاولات عدة وجهد جهيد نشرت المادة.

لذلك فوجئت بقناة “بي بي سي” عندما قدمتها بعد أسبوع واحد من محادثتنا، على أنها صحفية وإعلامية وباحثة ووثقت “بي بي سي” هذا اللقب كتابة أسفل الشاشة. للأمانة هذه الضيفة متحدثة لا بأس بها بشكل عام وتتمتع بثقافة عامة معقولة، ولكنها ليست بصحفية ولا بباحثة ولا بإعلامية، وهذا لا يمنح الـ “بي بي سي” الحق في خلع تلك الألقاب عليها  خصوصاً وأنها لا تحمل أي شهادات في الصحافة أو الإعلام ولم تعمل يوماً في الصحافة ولم تمارس حتى التدوين ولم ينشر لها بحث واحد في أي مكان.

إن ادعاء برنامج يستضيف الصحفيين للتعقيب على شؤون الساعة بأن المتحدث هو صحفي رغم عدم صحة هذا الادعاء فيه تدليس على المشاهد وإساءة لزملاء المهنة من أكثر من زاوية. من ضمنها أن المتحدثة كانت مشحونة عاطفياً في ردها، ولم تكن موضوعية ولم تراعي الحيادية في أراءها التي نمّت عن عدم معرفة بمن هاجمتهم. وهذا فخ ينزلق فيه من لم يعمل بالصحافة ومن لا يملك أبجديات الإعلام ومن لا يعلم عن مواثيق شرف المهنة. ومثل هذا التوجه من القنوات التلفزيونية، يؤدي بالنتيجة إلى كيل من اللوم من المشاهدين ضد العاملين في مهنتنا لأن أداء الصحفي يجلب الإشادة أو الاستنكار بالجملة للعاملين في هذا المجال، ومن المؤكد أن التخبط  في الرأي وتقديم معلومات خاطئة من قبل من يدعي أنه صحفي هو أمر يحرجنا جميعاً.

لا أعلم بالضبط ما هي آليات الاستضافة لتلك البرامج  أو آليات التوثق من الألقاب. وأستهجن تكرار هذه السقطات في القنوات التلفزيونية، لأنني من خلال عملي الماضي في قسم الأخبار في محطات تلفزيونية مختلفة، أعلم تمام العلم أن طاقم الإنتاج يجتهد في اختيار ضيوف الحلقات ويتاكد من ألقابهم بالبحث ولا يظهر أسفل الشاشة أي لقب مدعى دون التيقن منه، وخصوصاً وأنه ببحث بسيط على الإنترنت بإمكان طالب مدرسة ابتدائية التأكد من هوية ولقب اي شخص.

في حلقة أخرى على ذات القناة، تم تقديم ضيف على أنه رئيس تحرير صحيفة، بينما هو في الواقع مدرّس ورث لقب رئيس نشرة باللغة العربية كانت قد صدرت مرات أقل من عدد أصابع اليد في بلدة بريطانية.

إن كتابة تعليق يتيم أو مادة على موقع الكتروني، قد تسوّغ استخدام لقب ناشط في مجال الحريات مثلاً لكنها لا تسوّغ للشخص حمل لقب صحفي أو باحث، لأن الفرق بينهما يفوق الفرق بين الثرى والثريا. فأحدهما تفرغ لتعلم الصحافة واجتهد وأنفق وتعب ثم مارس عمله بمهنية وتحمل تبعات أراءه والآخر مجرد مواطن أبدى رأيه في أمر ما دون وجود تبعات مهنية أو قانونية.

لقد أصبح كل من قرأ بضعة مقالات يطلق على نفسه لقب باحث، وكأن العمل البحثي شيء يسير. هؤلاء الأشخاص دخلاء على البحث العلمي إذ لا يوجد أي أثر لأبحاثهم الأكاديمية، ومن الواضح أنهم لا يعرفون أبجديات التوثيق أو الفهرسة ولا حتى أسس المرجعيات.

لقد استهجن هذا التوجه أيضاً  غيري من الإعلاميين من مراقبي الساحة مثل، غوركان ساريسوي، المدير الإقليمي لوكالة “آي إتش إيه” التركية المعنية بالأخبار العربية من لندن، الذي قال لي بالحرف الواحد “فوجئت مرات عديدة بظهور أشخاص غير إعلاميين للفتوى في شؤون الصحافة وصناعة الأخبار، لقد ظهر على أحد القنوات عامل تنظيف في مستشفى”.

لكن على ما يبدو أن “خنصرة” ميزانيات البرامج لها اليد الطولى في هذا التوجه المسيء للصحفيين المجتهدين بشكل عام، لأن التوجهات الحالية تستدعي اختصار النفقات وشدّ الأحزمة، وكما يعلم العاملين في هذا المجال، في العادة القناة التي توجّه الدعوة للضيف المشارك تقوم بتعويضه عن نفقات المواصلات وتدفع مكافأة مالية مقابل زمن الظهور التلفزيوني  للمحترفين إعلامياً. لذلك “الزعيق” من فوق سطوح المحطة، لفرد يستطيع أن يهرول “بالشبشب” ليملأ فجوة بضعة دقائق من البث، ممن يقيمون على مسافة لا تزيد عن “مقرط العصا” أو ممن لا يطالبون بمكافأة الظهور التي تمنح عادة للصحفيين الحقيقيين وللخبراء في مجالاتهم من ضيوف الحلقات، هو أمر نستهجنه وندينه ونستنكره على كل مستوى، لأنه يحرم صحفي حقيقي من فرصة استعراض مهنيته ومن تحسين دخله الذي يعتاش منه، ومن توفير مادة موثوقة للمشاهد  إضافة إلى رفع مستوى البرامج ومنحها مصداقية. وهذا ديدن متفق عليه في نقابة الصحفيين البريطانيين وغيرها من مؤسسات شقيقة معنية بحقوق الصحفيين حول العالم. وكما لا يجوز لنجار أو ميكانيكي ادعاء بأنه جرّاح دماغ أو رائد فضاء، لا يجوز لمن لا يملك مؤهلات مهنة الصحافة أن يدعي بأنه صحفي أو باحث إعلامي.

إقبال التميمي / مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا 

http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today7qpt895.htm&arc=data\2011\11\11-077qpt895.htm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s