علاقة النقد الفني في الإعلام العربي بسوق الخضار


إقبال التميمي

لا يخفى على أحد أن الزائر لسوق الخضار يستطيع أن يختار ويقلّب ويفعّص في الخضار المعروضة قبل أن يقرر إن كان يريد شراءها أم لا. بل ويستطيع أن يدعي أن هذه الطماطم سيئة دون أن يتذّوق طعمها ليبخس التاجر حقة. هذا الشكل من أشكال التسوق هو أقرب ما يكون للصحافة العربية حيث يستطيع أي شخص تحت التمرين أن يختار ما يشاء من ألقاب وأن يسبغ على نفسه اللقب الذي يحلم به ويلصقه بالمواد التي يستطيع نشرها وبالذات أولئك الذين يدعون معرفتهم بعلوم نقد الدراما أو الفن بمفهومه الأوسع.

كل يوم تقريباً أمرّ عن مواد ضعيفة الهيكل والمحتوى في الصحافة العربية من خلال مهمتي كمديرة لمركز الرصد الإعلامي، لأجد أن المادة المنشورة منسوبة لشخص ادعى أنه خبير في مجاله. ومن باب المهنية، أجد نفسي مضطرة بالقيام ببحث حول ما نشر هذا أو ذاك من أعمال منسوبة لتخصصهم. وذلك لتحديد سمات الصحافة  العربية وكيفية عمل المؤسسات ووضع لائحة بأسماء الخبراء الذين يمكن العودة إليهم والاتصال بهم لجمع المواد التوثيقية. لكن أفاجأ مراراً وتكراراً بأن هؤلاء الذين يحملون صفات التخصص ليس لديهم أي علاقة بتخصصهم. وأجد نفسي أتساءل عن كيفية توزيع الألقاب في الإعلام العربي، خصوصاً لأولئك الذين لا يعرفون أبجديات الصحافة ويتعثرون في البسيط منها، ناهيك عن تخصص مدعى، بحاجة إلى خبير.

لقد قمت بنشر عدد من الدراسات الأكاديمية وأوراق العمل حول علاقة الدراما بالسياسة، ومن ضمن من تعثرث بأسماءهم  مؤخراً شخص يحمل لقب “الناقد الفني” واسمه أسامة عبد اللطيف. الزميل المذكور يعنوّن مواضيعه القليلة المتوفرة بلقب “الناقد الفني والكاتب الصحفي”، فتوهمت من خلال لقبه أنه يعادل وول سوينكا، أو أدريانو شابلن، أو ريتشارد غراي فقررت التعرف على أعماله أكثر.

ببحث بسيط على محركات البحث ومكتبات البحث الأكاديمي، لم أستطع أن أجد له مادة واحدة يتيمة لها علاقة بالنقد الفني من قريب أو بعيد. كل ما وجدته، بضعة مقالات نشرت مؤخراً على موقع أخبار اليوم المصرية ولا يوجد بينها أي مادة نقدية لأي شكل من أشكال الفن أو الدراما. يبدو أن الأمر استشكل على هذا الزميل فظن أن “الناقد الفني” هو من “ينتقد تصرفات الفنانين” لا من يمارس دراسة وتشريح العمل الفني أو الدرامي. اذ اتضح أن كل ما نسب إليه من نقد فني هو أنه انتقد فنان وحاول إيجاد مبرر لفنان آخر أخطأ التصرف.

 إذ كتب مادة ينصح فيها تامر حسني بالتوبة، وحاول أن يبرر عنف عمر الشريف وسوء تصرفه عندما صفع زميلة صحفية على أساس إنه “شيخ” طاعن في السن ولا يتحكم في ردود فعله. حتى معلومات الزميل “الخبير” العامة هشة ومخجلة لا يتورط فيها طالب مدرسة إعدادية، إذ في مقاله الأخير إشارة تدل على اعتقاده بأن لدى فلسطين مطارات تخضع للتدابير الأمنية من قبل الفلسطينيين بحيث يتحكمون في من يمكن ترحيله ومن يمكن إبقاءه، هذا إضافة إلى سقوطه في فخ التعجّل في كتابة مادة حول شخصية لم يجري بحثاً عنها بحيث خلط بين الجنسيات، بناء على توقعاته الخاصة لتشابه أسماء العائلات.

تتحمل الصحيفة مسؤولية الأخطاء المنشورة من خلال مؤسستها لأنها تعتبر تدليساً على القاريء، خصوصاً عندما تنشر لقباً دون التأكد من صحة المعلومات المتعلقة بالصحفي، لأن بيع المعلومات للقاريء يختلف عن بيع الفول والبطاطا على “بسطة”، حيث أن الفاسد من الخضار قد يتسبب في تسمم بضعة أشخاص، بينما المواد الصحفية الفاسدة تقوم على تسميم جيل بأكمله، وتستمر أثارسمومها بالانتقال إلى أجيال لاحقة تجلب العار على جميع المثقفين والأكاديميين.

أقترح على الصحف والمؤسسات الإعلامية العربية، إعادة النظر في ما تنشره وما توزعه من ألقاب مجانية على العاملين فيها حتى تحافظ على مصداقيتها ولتبريء نفسها من الحيل الصبيانية المكشوفة التي تجري تحت مظلاتها، خصوصاً وأن اختيار هؤلاء الثلّة من المتثاقفين لمواضيعهم، يعتمد على التمحّك بشخصيات جدلية لينوبهم من “الشهرة” جانب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s