أين اختفت الصحفيات العربيات؟

إحدى حلقات برنامج 7 أيام على قناة بي بي سي العربية - مثال على تذكير البرامج واستثناء الصحفيات

إحدى حلقات برنامج 7 أيام على قناة بي بي سي العربية - مثال على تذكير البرامج واستثناء الصحفيات

إقبال التميمي

أثناء متابعتي لعدد من برامج قناة تلفزيون “بي بي سي” العربية، وبالذات لبرنامج “7 أيام” الذي يقدمه بالتناوب كل من الزميلين عرفان عرب، وبدر الدين الصائغ مساء الجمعة من كل أسبوع، كما تتم إعادته صباح الأحد، حيث يتم التعليق على ما تنشره الصحف، لاحظت عملية تذّكير للبرامج. أي أنه يتم اختيار ضيوف الحلقات من الرجال، ونادراً جداً ما تتم استضافة صحفيات للتعقيب على شؤون الساعة. وإن حصل وأن استضيفت امرأة، نجدها مستضافة للتعقيب على رأيها في خبر يتعلق بامرأة أخرى، كما حصل عندما فازت توكّل كرمان بجائزة نوبل. أي أن المرأة الصحفية لا تعامل كندِّ لزميلها، ولا تتاح لها فرصة التعقيب على أمور تتعلق بالتحليل السياسي. قد يكون هذا التوجه عائد إلى النظرة المعهودة بأن الرجال هم الذين يصنعون الحروب، بينما معشر النساء يقمن على إعادة البناء ولملمة شظايا الأسر والوطن. ولأننا العنصر الذي ينهض من بين الرماد لإسعاف الحياة، ولأننا نصف بشر هذا الكون الذي أنجب النصف الثاني، من حقنا أن نعترض على تغييبنا إعلامياً.

عندما أنشيء القسم العربي من تلفزيون “بي بي سي” استبشرنا كصحفيات خيراً، لأن المحطات التلفزيونية في الوطن العربي انتهجت أسلوب التمييز ضد النساء فيما يتعلق بالظهور في البرامج السياسية واكتفت بتوظيف مذيعات لعكس صورة مزورة للواقع وللايحاء بدور قيادي للمرأة على الساحات الأخرى من خلال تضليل إعلامي. إذ عندما يرى المشاهد من أي مكان في العالم، امرأة تقرأ الأخبار في الوطن العربي، سيظن واهماً بأن هناك مساواة وأن ما رآه من مثال على الشاشة، لا بد وأن يعكس الحال في بقية مؤسسات المجتمع، بينما في الواقع، يقتصر عمل غالبية المذيعات التلفزيونيات على قراءة ما يتم إعداده لهن من مواد يتم عرضها على شاشة الأوتو كيو وتلقينهن ما يجب أن يقلن، ولا داعي لأن أذكّر بأن صانع القرار رجل، والمشرف على انتاج البرامج  و”الملقّن” والمتحكّم في سياسات ما يقال وما لا يقال، غالباً ما يكون رجلاً.

إن نشأة مؤسسة “بي بي سي” ضمن ثقافة مرّت بنضالات لتحقيق العدل والمساواة بين الجنسين على أسس ديمقراطية واحتراماً لحقوق الإنسان، يجعل القسم العربي منها شاذ عن القاعدة مقارنة بالأذرع الأخرى للمؤسسة. وأعتقد أن هذا العرج يعود لكونها ورثت أمراض التلفزيونات العربية الأخرى عندما قامت بتوظيف كادر ممن سبق لهم العمل في محطات تلفزيونية عربية، ممن اعتادوا وأدمنوا سياسة تهميش المرأة، فنقلوا هذا الضعف إلى مواقعهم الجديدة دون أن يستفيدوا من النقلة المهنية التي أتيحت لهم، لتغيير واقع متخلّف عشش حتى بين المتثاقفين.

أود أن أحسن الظن بطاقم البرنامج، وأن أفترض أن السبب يعود إلى تقصير من قبل الزملاء العاملين في قسم البحث والإعداد، وأنهم تقاعسوا عن بذل جهد أكبرفي محاولة الحصول على أسماء الصحفيات الموجودات في بريطانيا، وهو إجراء بسيط يمكن تنفيذه بالاتصال بالمؤسسات الصحفية أو بنقابة الصحفيين للحصول على لائحة بأسماءهن وتخصصاتهن، أو حتى ببحث بسيط على الانترنت. هذا إذا افترضنا أن “بي بي سي” تحاول الاقتصاد في النفقات ولذلك تتفادى دعوة صحفية من الخارج ودفع تكاليف حضورها أو حجز مساحة على الساتلايت مع أي من ستوديوهاتها المنتشرة حول العالم لإتاحة الفرصة للعنصر النبيل، الذي يتميز بتاء تأنيث متحركة، بالمشاركة.

أرجو أن لا يكون السبب الحقيقي لظاهرة إقصاء النساء يعود إلى تمييز وتحيز متعمد ضدهن، على أساس أن الكادر العامل على البرنامج عربي النشأة والجذور، قد تحركه ثقافة راسخة تعتبر الحديث في أمور السياسة من اختصاص الرجال، وترى أن الخشونة تمنح النقاش السياسي والاقتصادي مصداقية، كما هو الحال في المجتمع العربي التقليدي، حيث ينظر إلى دور النساء على أنهن هتّيفة أو ذوات أدوار مساندة، لا يرتقي أداءهن إلى مستوى يمنحهن حق المشاركة في تشريح الساحة السياسية. مكتفين بحشرهن في خانة ضيقة من مواضيع الصحة والتعليم وعالم الأسرة من أزياء وموضة وطهو منزلي.

هذا الاحتمال وارد، لأن البرنامج استضاف مراراً صحفيين رجال ومن ضمنهم أجانب “يتحدثون الانجليزية كلغةٍ أم”، وتم توفير خدمة الترجمة إلى العربية أثناء الحلقة، ومع ذلك لم يتم سوى استضافة صحفية واحدة متحدثة بالانجليزية، هي نبيلة رمضاني، وتم تغييب الصحفيات المتحدثات باللغة العربيات في غالبية الحلقات. إن كانت استضافة رمضاني تعتمد على كونها تنشر في مطبوعات تنشر بالانجليزية، هناك الآلاف من الزميلات المتخصصات في شؤون الشرق الأوسط في المؤسسات الإعلامية البريطانية من أصول عربية وغير عربية يستطعن القيام بهذا الدور وبمهنية قد تفاجيء العاملين على السلق السريع لبرامج الـ”بي بي سي”.

إن استثناء النساء من المشاركة في برامج التعقيب على الصحافة أو شؤون الساحة أمر غير مبرر، ويدل على أحد أمرين كلاهما مرفوض وهما: إما إفلاس مهني، أو تمييز ضد النساء.

إقبال التميمي/ مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s