بيع “بانيو” بمليوني دولار لشخص بحاجة لغسيل دماغ

بانيو ثمنه 2 مليون دولار

بانيو ثمنه 2 مليون دولار

إقبال التميمي

احتلت مشاهد طشت الغسيل وعمليات الاستحمام بأشكالها المختلفة، مساحة لا يستهان بها من المسلسلات التلفزيونية والدراما التي ما زال يتم تدويرها على الشاشة الفضية من أيام أفلام الأبيض والأسود إلى عتبة الأفلام ثلاثية الأبعاد.  وما زالت عمليات النعنشة قائمة على قدم وساق حتى هذه اللحظة.

شاهدنا أشكالاً مختلفة من عمليات الاغتسال في الدراما المصرية، ابتداء من الترعة وانتهاء بالبانيو كما فعلت معالي زايد في مشهد الاستحمام في فلم الصرخة، وغيرها ممن وقفن بصبر وثبات تحت الدوش، تصفعهن المياه من أجل الفن مثل إلهام شاهين، ويسرا، وهياتم وغيرهن . حتى عبحلين حافز الله يرحمه ويغمّد روحه الينَّة ، استحم في فلم “فتى أحلامي” انسدح في البانيو، ولأنه متعدد المواهب كان يغازل على التلفون ويغني “روحي… حياتي” أثناء الاستحمام.

أما الفيديو كليبات، فحدّث ولا حرج، ابتداء من مليسا وانتهاء بالمغنية الإماراتية رويدا المحروقي التي أنعم الله عليها وعلى أهل الخليج، ولأن وضعها افضل من وضع سكان المحروسة، صورت فيديو كليب الاغتسال وهي تستحم بالشوكولاتة. وحسب معلوماتي المتواضعة، حمام الشوكولاتة لا علاقة له بالنظافة، لكن له علاقة بالطرطشة.

لذلك لفت نظري خبر متعلق بالاستحمام،يخلو من عوامل الطرطشة والزحلقة أيضاً، نشرته جريدة الأيام البحرينية ، مفاده أن إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة، شهدت  بيع حوض استحمام (بانيو) منحوت في صخرة من حجر الـ ‘كايجو’ الكريم، كان معروضا ضمن فعاليات أسبوع دبي الدولي للمجوهرات، بمبلغ قدره 4 .6 مليون درهم، أي ما يعادل مليوني دولار. وأن الشركة المصنّعة لم تفصح عن اسم المشتري.

يقول هذا الخبر الذي تناقلته معظم وسائل الإعلام،  أن الحجر المصنوع منه “البانيو” يتمتع بجمالية وخواص استشفائية، لكن لم يوضح الخبر إن كان هذا “الطشت” المميز موهوباًّ ويستطيع عقب استخدامه أن يغني ” الطشت قال لي..” أو ” يا خارجة من باب الحمام وكل خد عليه خوخة”.

أصبحت الإمارات المنطلق الأول لتسليع وتسويق كل شيء غريب أو مبالغ فيه، وهذا التوجه انعكس على وسائل الإعلام وما تنفثه من سطحية وابتعاد عن الواقع والهجرة إلى عوالم الخيال خصوصاً في برامج التلفزيون التي تبث من الإمارات، والتي تتميز بارتفاع ملحوظ في عدد البرامج المعنية بالتجميل والديكور والأزياء، مقابل شحّ شديد في البرامج التوثيقية، وبطريقة توحي بأن كل فرد في الإمارات يتمتع برفاهية تفوق الوصف، وبأنه لا توجد عائلات مستورة الحال.

يبدو أن النيّة من هذه التوجهات تهدف إلى تحريك عجلة الاقتصاد وتشجيع الفعاليات التي تستقطب أذرع التمويل المختلفة. لكن هذه السياسة المنفتحة على كل ما هبّ ودبّ، دون تقييم أو دراسة للعواقب، جلبت الانتقاد للإمارات وجعلتها مغناطيساً يستقطب التعليقات المتعلقة بالإنفاق الباذخ وأمراض ضعف السيطرة على مغريات التسوق،  دون تحكيم لعقل أو منطق، ودون ربط الإعلان عن هذه الفعاليات بما يمكن أن تعكسه تلك الفعاليات من تأثير سيء على سمعة المنطقةً وعلى نفسية المقهورين اقتصادياً في المنطقة. وللأمانة، لم ينازع الإمارات في هذا السباق سوى جارتاها الخليجيتان، المملكة العربية السعودية التي شهدت بيع ثاني أغلى سيارة في العالم، بملبغ وقدرة 9 مليون ريال، وقطر التي شهدت بيع سجادة تعرف بسجاد بارودا، مصنوعة من الألماس والذهب والزمرد واللؤلؤ الخليجي، بمبلغ 5.5 مليون دولار، يعني السجادة أغلى من ثمن مساحة الأرض المفرودة فوقها.

من ناحيتها سجلت الإمارات بيع أغلى ناقة “بكر” في العالم وصل سعرها إلى 6 ملايين درهم، ما يعادل مهر بنات ديرة بأكملها. كما شهدت بيع 135 ألف سيارة خلال سبعة أشهر، في وقت تعاني فيه من الأزمات المرورية وأزمات إيجاد أماكن مواقف للسيارات، وبصمة كربون ناتجة عن التلوث البيئي من عوادم السيارات وحركة الطائرات الخاصة التي فاقت سموم معظم دول العالم الصناعي المنتج حسب دراسة قامت بها بلدية دبي على امتداد 10 أشهر، ابتداء  من مايو 2007 إلى فبراير 2008، حيث سجلت دبي نسبة 13% من الغازات الملوثة للجو مقارنة بفرجينيا مثلاً التي تصل نسبة التلوث فيها إلى 2.5%، أو ميتشيغان التي تصل نسبة التلوث فيها إلى 2% أوكندا حيث نسبة التلوث 4.7%.

كما سجلت الإمارات بيع ثالث أغلى رقم لوحة سيارة في العالم بقيمة 17 مليون درهم. كما سجلت بيع أغلى حقيبة يد نسائية في العالم، بلغ ثمنها 3 ملايين و 800 الف دولار. مطعّمة باكثر من4500  قطعة من الألماس استغرق صنعها في فرنسا 8800 ساعة عمل. والحافظة النسائية الالماسية المذكورة ليست كبيرة بما يكفي لحفظ أي شيء ذا قيمة، ولا تصلح حتى لحفظ ورقة طابو لإحدى عقارات دبي التي زهد مصممو مبانيها في المساحات الممتدة أفقياً على مدّ البصر، وأصروا على التزاحم على مساحة صغيرة، في سباق عمودي باتجاه طعن بطن السماء، عن طريق بناء ناطحات سحاب يتعذر فتح نافذة في مبانيها بعد تخطي أول 25 طابق، إضافة إلى خطورة نتائج احتمال تعرض المنطقة لهزات أرضية، لأنها واقعة على امتداد شروخ الزلازل القادمة من تركيا وإيران، حيث إن حصل زلزال لا قدر الله وانقطعت الكهرباء عن المصاعد، ستكون مهمة إنقاذ الآلاف من “الناس اللي فوق” مهمة شبه مستحيلة.

 بالنسبة للمواطن العربي العادي الذي يتمتع بهبة  الهلوسة  دون تعاطي أي عقاقير، لأنه من المغضوب عليهم، ممن يضطرون إلى الذهاب يومياَ إلى العمل، متحملين قرف المواصلات والتسمم بروائح عرق الذين لم يسمعوا بعد عن اختراع اسمه صابون، إضافة إلى التعرض إلى ضغوطات الرؤساء في العمل، وتنمّر الزملاء الحاقدين، ومتطلبات الأسرة التي لا تنتهي. هذه الطبقة من الناس مزقها الحزن عندما انتشرت أخبار مديونية دبي، وتراجع أسواق العقار وإفلاس بعض المؤسسات الكبيرة، وهرب المستدينين، وانتشار الفساد في المؤسسات لأنهم هم عصب اقتصادها. بالنسبة لهؤلاء، الإعلان عن بيع “بانيو” بهذا السعر، يعتبر إهانة لنضالهم وطعناً لكرامتهم. لأنه مهما كان مدى جمال هذا “الطشت” ومهما كانت قدراته العلاجية، لا يمكن أن تفوق فائدته دور وحدة غسيل كلى في مركز صحي حيث يمكن معالجة آلاف المرضى ممن لا يملكون ثمن العلاج،  بدلاً من شراء وعاء لا يتعدى دوره محاولة التخلص من الأرق الناجم عن التفكير في كيفية التخلص من المال، أو التخلص من بعض الجرب الذي يعاني منه شخص واحد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s