قناة الـ” إم بي سي” وكرامات أولياء الفوتوشوب

منّة شلبي قبل الدعاية

منّة شلبي قبل الدعاية


إقبال التميمي

لقد تابعنا مراراً سقوط مؤسسات إعلامية عالمية بعد مقاضاتها ومطالبتها بتعويضات مادية لأنها استغفلت المشاهد أو القاريء، وقدمت له معلومات غير حقيقية (كاذبة)، عن طريق العبث في محتوى الدعايات من خلال استهبال الجمهور وتنويمه إعلامياً لإقناعه بشراء شيء عن طريق الاحتيال المعلوماتي، وإيهامه بخصائص المنتج السحرية. لكن القانون له صلاحيات وباعه طويل في الدول المتحضرة فقط، حيث لا يملك الساسة حصصاً في المؤسسات الإعلامية، ولا ينفع الاتصال الهاتفي مع شخص لإلغاء المخالفات من ملفات الدولة بما فيها مخالفات المرور.

لقد تعرضت كمشاهدة، مراراً وتكراراً للتعذيب النفسي كلما ظهرت دعاية تقدمها الممثلة المصرية “منّة شلبي” على قناة “إم بي سي”. حيث توجّه لنا نصيحة شراء مستحضر غسول مستخلص من الأعشاب لمعالجة البشرة. كلما شاهدتها استفزّت فيّ الصراخ لأن الدعاية تدليس واستغفال للمشاهد في وضح النهار. تحاول “منّة” من خلال حوارها مع صبية أخرى في الدعاية نصحنا باستخدام غسول الوجه العجيب، الذي على ما يبدو، يقوم بتعبيد طرق الجلد كما يفعل الفنان الذي يمهّد أرضية اللوحة.  تقول “منّة” لشريكتها في الدعاية،… “ما فيش داعي تخبّي بشرتك” وتنصحها باستخدام الغسول العجيب الذي يقضي على كل بلاوي البشرة المتراكمة بغض النظر عن مسبباتها، ولا تستثني عيباً، مثل ردم حفر الجدري في وجه مغطى بالمطبّات، أو إزالة الكلَف الذي ينتهج التمييز العنصري باحتلال مستوطنات جلدية دون غيرها.

غالبية التلاعبات التي تظهر على شاشات التلفزيون في عروض الدعايات، تعد النساء بمظهر أفضل، وكأنها تدعي إعادة عقارب الزمن إلى الوراء. لكن والحق يقال، إعلامنا العربي قدّها وقدود، وسيد من ادعى القدرة على اخفاء تجاعيد يمكن لسحلية الاختفاء في غياهبها، بمجرد دهن كريم على البشرة.

لا يخطر ببال كثير من النساء أنه لو كانت الدهون تمر حقاً من خلال الجلد لإصلاح عطبه، لكنّا جميعاً أموات منذ سنوات لأن أيدينا ذاتها التي يفترض أن تمر عبرها الدهونات العجيبة دون الوقوف على إشارة مرور، ياما غطست في سموم مواد التنظيف والمساحيق والمبيضات وفي سموم ما يستوجب تسليك البلاعات. وقياساً عليه، ذات الجلد الذي يسمح بدخول المستحضرات السحرية، يفترض بأن يسمح بدخول الغبار والأوساخ وغيرها، وهذا يجعل من دورتنا الدموية شبكة صرف صحي.

منّة شلبي بعد الفوتوشوب في الدعاية

منّة شلبي بعد الفوتوشوب في الدعاية

لو أخبرني أحدهم أن باستطاعة أحدهم أن يخفي ميزانية مؤسسة بحيث تصبح أموالها خلال شهر واحد “بح” دون أي أثر لصدقت، لأن هذه المهارة موثقة لدينا واحنا سيد من أخفى. ولو أخبرني احدهم بأن إعلامنا يستطيع إخفاء ملفات الفساد كما تختفي رشّة الملح في الماء لصدّقت، لأن لدى البعض مهارة الحاوي في هذا المجال. لكن أن يدعي أحدهم أنه بغسول وجه يستطيع إخفاء التجاعيد والبثور والبقع ومسامات مفتوحة يمكن رؤيتها عن بعد دون استخدام منظار، فهذه كذبة “إكسترا لارج”.

عدت لملف مجموعة كبيرة من صور “منّة شلبي” أخذت في ظروف وأماكن مختلفة للمقارنة، جميعها دلّت على أن مظهر بشرتها يختلف تماماً عن بشرتها التي ظهرت في دعاية الـ”إم بي سي”  بدون نقرة واحدة. واللون، تبارك الرحمن، أبيض حليب، ثابت وموحّد الدرجة من الجبين إلى الأكواع، دون الإبقاء حتى على الظلال التي يفترض أن تظهر بشكل طبيعي نتيجة زوايا التصوير وعوامل الإضاءة. حتى الشفاه لا يوجد بها كسرة واحدة.

لكن المفاجأة ليست هنا فقط، أو أن لون الجبين هو ذات لون الرقبة والذراعين، بل في كون أنه ومنذ اليوم الأول لنزول الدعاية والمستحضر حصل هذا التغيير العجيب لوجه “منّة”، أي أنها لم تخضع لمليون عملية غسول قبل أن تستغفلنا الدعاية وتقنعنا بأن هذه النتائج هي بفضل غسول الوجه الذي استخدمته. والأغرب من ذلك أن زميلتها في الإعلان ظهرت وبقدرة لا إله إلا الله، تحمل نفس درجة لون بشرة “منّة” ونفس درجة لون أسنانها وعيونها، ولا تختلف عن “منّة” إلا برسمة دائرة صغيرة حمراء على الخد الأيمن، لإقناع المشاهدات بأنها تعاني من وجود بثرة. وبدون سحر أو شعوذة، وبعد غسلة واحدة بالغسول العجيب، اختفت البثرة المرسومة بدقة الفرجار.

إن ما يحصل على شاشات التلفزيون من دعايات تبالغ في قدرات مستحضرات التجميل، هي فساد إعلامي واضح. ألم يخطر ببال القائمين على عمليات التزوير بأن المشاهد سيستغرب من أمر تمتع فتاتين، بنفس درجة اللون الموحّد للجلد من الألف إلى الياء، في جميع أجزاء الوجه والرقبة والكتفين والذراعين. ألم يخطر ببالهم بأننا سنلاحظ أن بشرة الفتاتين ما شاء الله مكويّة تماماً، ولا يوجد في بشرة أي منهما إشارة لخطّ أو بقعة أو مسامة. بركاتك يا طاقم الـ”إم بي سي” وبركاتك يا تقنية “أدوبي فوتوشوب سي إس 5 ” و”آدوبي فوتوشوب بي إس” المستخدمتين بسخاء لتحرير المواد الفلمية.

للأسف نحن النساء مستهدفات في حملات التسويق، لأننا في غالبية الأحيان قليلات الثقة بأنفسنا، ونخشى من فقدان الرجل بسبب عيوبنا الجسدية. نهلع من غزو اللون الفضي لشعر الواحدة منا، وننسى أن الرجل أيضاً يسقط شعره عن رأسه وينزرع في أذنيه مع عامل الزمن. نتحسس عيوبنا الجسدية بمرارة وأسى آناء الليل وأطراف النهار، لأننا نعلم أن الإعلام “مستقصدنا”، بينما لا أحد يعيب على الرجال زيادة أوزانهم أو تدلي كروشهم من فوق الأحزمة. بل إن مجتمعنا يمنح عيوب الرجال الجسدية صفات إيجابية من خلال الأمثال الشعبية، ويقولون أن “الكرش وجاهة” و ” الخير يبان على اصحابه” في إشارة إلى ترافق سمنة الذكور مع سمات الكرم والمكانة الاجتماعية.

على محطة “إم بي سي” وغيرها أن تحترم ذكاء المشاهد، وأن لا تعرض مادة تعرضت للعبث التقني، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنصائح طبية لها علاقة بالتسويق الدعائي. بغض النظر، إن كانت الدعايات من إنتاج استوديوهاتها الخاصة أو من إنتاج غيرها، لتحافظ على مصداقيتها كمنصّة إعلامية واحتراما لأخلاقيات المهنة.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s