الربيع مش عربي

 

إقبال التميمي

من الأمور الملفتة للنظر، كمية المصطلحات التي تولد على شاشات الفضائيات، وتصبح جزءاَ من مواد التأريخ لأن المشاهدين ووسائل الإعلام الأخرى حفظوها وقاموا بتدويرها من خلال أحاديثهم وكتاباتهم دون التوقف لبرهة لطرح تساؤل حول صدقية هذه المصطلحات أو مدى صحتها، لأننا اعتدنا تلقف ما ترمي لنا به الفضائيات من معلومات ومصطلحات دون مراجعة أي مصادر معرفية أخرى.

عدد قليل من المثقفين يقفون عند المصطلحات حديثة الولادة ليحللوها إلى عواملها الأولية قبل استهلاكها أو خزنها في ملفات ذاكراتهم.

 في مؤتمر التعليم والتدريب الالكتروني السابع عشر الذي عقد في برلين يوم السابع من ديسمبر 2011، الذي شارك فيه ما يزيد عن 2000 شخص من حوالي 100 دولة، من ضمنها السعودية، والأردن، ومصر وعُمان، تحدث 400 شخص حول استخدام التقنيات الالكترونية في مجال التعليم والتدريب على مستوى العالم، وتأثير تلك التقنيات على المتلقّي. واتمل هذا الحديث على دور تقنيات بث المعلومة بجميع أشكالها، بما فيها البث التلفزيوني والقنوات الفضائية وجميع أدوات الحوسبة والشبكات المعرفية الالكترونية التي أصبحت بمثابة المعلم الأول للفرد.

حينها، قال الدكتور طلال أبو غزاله، الذي ترأس الجلسة الافتتاحية والورشة المخصصة للحديث عن المنطقة العربية معلقاً على استيلاد تعبيرات جديدة من خلال الإعلام “لا يوجد هناك أزمة اقتصادية عالمية، لكن يوجد أزمة اقتصادية غربية”. كما طالب أبو غزالة بالتوقف أيضاً عن استخدام مصطلحات شبيهة غير دقيقة المعنى، مثل تعبيرات “البلدان المتقدمة” و “الدول النامية”، موضحاً ومستثنياً، “إلا إذا كانت تعني هذه المصطلحات أن الدول المتقدمة توقفت عن النمو، لا سيما وأننا في عصر المعرفة المجتمعية حيث يستطيع الأفراد التطور معرفياً من خلال الإنترنت الذي منحهم جميعاً فرصاً متكافئة للحصول على المعلومة تحت مظلة الديمقراطية المعلوماتية العالمية”.

 من هذا المنطلق، لم تعد هناك دولاً متقدمة وأخرى نامية، على الأقل من زاوية توفر المعلومة، لأن الجميع سواسية أمام تقنيات نقل المعلومة التي أصبحت في متناول جميع الدول تقريباً بغض النظر عن موقعها الجغرافي أو كمية مديونيتها.

كما رفض أبو غزالة فكرة تدوير مصطلح “الربيع العربي” الذي روّجت له الفضائيات، ورؤيته هذه نابعة من شكل من أشكال المقارنة تاريخياً مع أحداث مماثلة وقعت خارج نطاق الحدود العربية. لذلك تساءل أبو غزالة ” لماذا لم يطلق الإعلام على النهضة الأوروبية عام 1848 مصطلح “الربيع الأوروبي”، مؤكداً أن مفهوم النهضة ليس حكراً على الدول الغربية، وأن النهضة العربية الحالية التي اختار لها الإعلام الغربي بأن تسمى بالربيع العربي، سوف تزحف من المنطقة العربية إلى بقية أنحاء العالم، لأن مفهوم النهضة يعني النيّة بالتغيير للأفضل، وهذه العملية ستستغرق وقتاً وجهداً وتضحيات مادية.

حديث أبو غزالة فيه الكثير من الصحة، إذ شاهدت تقريراً متلفزاً حول مسيرة في أمريكا قام بها مواطنون أمريكان لهم مطالب إصلاحية من الحكومة. رددوا شعارات أطلقها المحتجون المصريون في ميدان التحرير، ولم يتكلّف هؤلاء المواطنين الأمريكان حتى عناء الترجمة إلى الانجليزية عندما هتفوا “الشعب.. يريد.. إسقاط النظام” وبعضهم هتف على نفس قافية الهتاف العربي وباللغة العربية  بعد تلقي مساعدة في اللفظ من مواطن أمريكي من أصول عربية”الشعب يريد إسقاط وول ستريت”.

مما لا شك فيه، أن عصر الفضائيات والقنوات التي تبث عبر المحمول الشخصي، أصبحت الأحداث السياسية والثورات الشعبية هي أحداث قابلة للعدوى والانتشار. وتأثير مشاهد نقلتها الفضائيات واليوتيوب عن محرقة غزة بالذات وعن ثورة الشعب على الحاكم في مصر وتونس واليمن وليبيا وغيرها من دول عربية تغلي برفض القهر، غيرّت قناعات المجتمعات الغربية، وبالذات المجتمع البريطاني والمجتمع الأمريكي. لأن المواطن العادي اكتشف فساد الإعلام الرسمي الذي حجب عنه لسنوات طويلة حقيقة مأساة شعوب بأكملها.

قد لا يكون الربيع عربياَ، لكن ثمار الثورة على القهر طرحت في أراض عربية ونقلتها التقنيات عبر الأثير لتتذوق حلاوتها بقية شعوب الأرض المضطهدة والمغيبّة إعلامياَ بسبب تحكّم ثلّة فاسدة في قنوات نشر المعلومة.

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s