أين اختفت 5000 صحافية؟

أين اختفت 5000 صحافية؟
إقبال التميمي
2011-12-11


 
أثناء متابعتي لعدد من برامج قناة تلفزيون ‘بي بي سي’ العربية، وبالذات لبرنامج ‘7 أيام’ الذي يقدمه بالتناوب كل من الزميلين عرفان عرب، وبدر الدين الصائغ مساء الجمعة من كل أسبوع، حيث يتم التعليق على ما تنشره الصحف، لاحظت عملية تذّكير للبرامج.
أي أنه يتم اختيار ضيوف الحلقات من الرجال، ونادراً جداً ما تتم استضافة صحافيات للتعقيب على شؤون الساعة. وإن حصل واستضيفت امرأة، نجدها مستضافة للتعقيب على رأيها بأمور تتعلق بامرأة أخرى، كما حصل عندما فازت توكّل كرمان بجائزة نوبل. أي أن المرأة الصحافية لا تعامل كندِّ لزميلها، ولا تتاح لها فرصة التعقيب على أمور تتعلق بالتحليل السياسي. قد يكون هذا التوجه عائد إلى أن الرجال هم الذين يصنعون الحروب. لكن بما أننا معشر النساء نقوم على إعادة البناء ولملمة شظايا الأسر والوطن، ونحن الذين ننهض من بين الرماد لنعيد للأماكن الحياة لأننا نصف بشر هذا الكون الذي أنجب النصف الثاني، من حقنا أن نعترض على تغييبنا إعلامياً.
عندما أنشيء القسم العربي من تلفزيون ‘بي بي سي’ استبشرنا كصحافيات خيراً، لأن المحطات التلفزيونية في الوطن العربي انتهجت أسلوب التمييز ضد النساء فيما يتعلق بالظهور في البرامج السياسية واكتفت بتوظيف مذيعات لعكس صورة لتزوير الواقع وللايحاء بدور قيادي للمرأة. إذ عندما يرى المشاهد من أي مكان في العالم، امرأة تقرأ الأخبار سيظن واهماً أن هناك مساواة، بينما في الواقع يقتصر عمل غالبية المذيعات التلفزيونيات على قراءة ما يتم إعداده لهن من مواد يتم عرضها على شاشة الأوتو كيو وتلقينهن ما يجب أن يقلن، ولا داعي لأن أذكر أن المشرف على انتاج البرامج و’الملقّن’ والمتحكّم في سياسات ما يقال وما لا يقال، غالباً ما يكون رجلاً.
إن نشأة مؤسسة ‘بي بي سي’ ضمن ثقافة مرّت بنضالات تحقيق المساواة والديمقراطية، ونجحت بتنفيذ ذلك في غالبية الأحيان، يجعل القسم العربي منها شاذ عن القاعدة مقارنة بالأذرع الأخرى للمؤسسة. وأعتقد أن هذا العرج يعود لكونها ورثت أمراض التلفزيونات العربية عندما قامت بتوظيف من سبق لهم العمل في محطات تلفزيونية عربية، ممن اعتادوا سياسة تهميش المرأة، فنقلوا هذا الضعف إلى مواقعهم الجديدة دون أن يستفيدوا من النقلة المهنية التي أتيحت لهم، لتغيير واقع متخلّف عشش حتى بين المتثاقفين.
أود أن أحسن الظن بطاقم البرنامج، وأن أفترض أن السبب يعود إلى تقصير من قبل الزملاء العاملين في قسم البحث والإعداد، وأنهم تقاعسوا عن بذل جهد أكبرفي محاولة الحصول على أسماء الصحفيات الموجودات في بريطانيا، وهو إجراء بسيط يمكن تنفيذه بالاتصال بالمؤسسات الصحفية أو بنقابة الصحفيين للحصول على لائحة بأسماءهن وتخصصاتهن، أو حتى ببحث بسيط على الانترنت. هذا إذا افترضنا أن ‘بي بي سي’ تحاول الاقتصاد في النفقات ولذلك تتفادى دعوة صحفية من الخارج ودفع تكاليف حضورها أو حجز مساحة على الساتلايت مع أي من ستوديوهاتها المنتشرة حول العالم لإتاحة الفرصة للعنصر النبيل، الذي يتميز بتاء تأنيث متحركة، بالمشاركة.
أرجو أن لا يكون السبب الحقيقي لظاهرة إقصاء النساء يعود إلى تمييز وتحيز متعمد ضدهن، على أساس أن الكادر العامل على البرنامج عربي النشأة والجذور، قد تحركه ثقافة راسخة تعتبر الحديث في أمور السياسة من اختصاص الرجال، وترى أن الخشونة تمنح النقاش السياسي والاقتصادي مصداقية، كما هو الحال في المجتمع العربي التقليدي، حيث ينظر إلى دور النساء على أنهن هتّيفة أو ذوات أدوار مساندة، لا يرتقي أداءهن إلى مستوى يمنحهن حق المشاركة في تشريح الساحة السياسية. مكتفين بحشرهن في خانة ضيقة من مواضيع الصحة والتعليم وعالم الأسرة من أزياء وموضة وطهو منزلي.
هذا الاحتمال وارد، لأن البرنامج استضاف مراراً صحفيين رجال ومن ضمنهم أجانب ‘يتحدثون الانجليزية كلغةٍ أم’، وتم توفير خدمة الترجمة إلى العربية أثناء الحلقة، ومع ذلك لم يتم سوى استضافة صحفية واحدة متحدثة بالانجليزية، هي نبيلة رمضاني، وتم تغييب الصحفيات المتحدثات باللغة العربيات في غالبية الحلقات. إن كانت استضافة رمضاني تعتمد على كونها تنشر في مطبوعات تنشر بالانجليزية، هناك الآلاف من الزميلات المتخصصات في شؤون الشرق الأوسط في المؤسسات الإعلامية البريطانية من أصول عربية وغير عربية يستطعن القيام بهذا الدور وبمهنية قد تفاجيء المشاهد.
الإعلاميات أفضل كفاءة من الإعلاميين
هذا الموضوع ذكرني بلقاء العام الماضي لأعضاء اتحاد نقابة الصحفيين البريطانيين ممن يعملون بالقطعة، والذي عقد في لندن لمناقشة مشكلة استبعاد الصحفيات من الساحة بطرق غير مباشرة. صادف الاجتماع تاريخ اليوم العالمي للمرأة في شهر مارس. وكانت الضيفة الرئيسية المتحدثة في الاجتماع، الزميلة ‘ديناه كين’، المديرة العامة لمؤسسة ‘سكيل سيت’ لتدريب الصحفيين، والتي وثقّت على مدى ما يزيد عن نصف قرن، نشاط الصحفيات في مجال العمل التلفزيوني والظروف التي يعملن بها ووثقت حالات التمييز ضدهن.
عبرت ‘كين’ عن قلقها يومها لأن نتائج بحثها كشفت أن نسبة الصحفيات العاملات في مشاريع الإعلام السمعي والبصري في بريطانيا شهدت انخفاضاً مقلقاً، إذ شكلّت النساء الصحفيات عام 2006 نسبة (38 بالمائة) من مجموع العاملين في هذا المجال، هذه النسبة انخفضت إلى (27 بالمائة) بحلول عام 2009. المؤسف أن تراجع نسبة الصحفيات العاملات في التلفزيون، انخفضت من (45 إلى 41 بالمائة). هذه النتائج تعني أن 5000 صحفية في بريطانيا انسحبن من الساحة، مقابل 750 صحفي فقط، رغم أن 79 بالمائة من النساء العاملات في التلفزيونات البريطانية هن خريجات جامعيات ويحملن تخصصات تتعلق بمهنة الصحافة، بينما 63 بالمائة فقط من الرجال العاملين في التلفزيون هم من خريجي الجامعات. وهذا يعني أن إقصاء الصحفيات غير مبرر وقد يكون له علاقة مباشرة بالتمييز ضدهن لسبب أو لآخر.
من ضمن نتائج بحثها أيضاً، أنها وجدت أن نصف كادر النساء العاملات في التلفزيون تقل أعمارهن عن 35 عاماً، وأن عدد الصحفيات اللواتي يعملن دون أجر على أمل أن يتم توظيفهن، هي أعلى من نسبة الرجال (47 بالمائة إناث، مقابل 42 بالمائة ذكور). وهذه الأرقام مثيرة للقلق أيضاً.
لا يمكن أن نضحك على أنفسنا وأن ندعي بأنه لا يوجد تمييز ضد الصحفيات، لأن المرأة في مجال الإعلام ما زالت تعتبر رمزاً يمكن استغلاله على أساس أبعاد جنسية. ومظهرها العام أهم من ثقافتها. فالرجل الذي يكبر في السن، ويشيب شعر رأسه، يمنح منصة أفضل ويتم ترقيته في السلم الوظيفي في مكان يتيح له الاحتكاك مباشرة بجمهوره من خلال توظيفه في تقديم برامج الأخبار والبرامج الحوارية على أساس أن مظهره يمنحه مصداقية. بينما عندما تتقدم المرأة العاملة في تقديم برامج التلفزيون في العمر، أو عندما يزيد وزنها، إما أن تشعرها الإدارة بالذنب وتسبب لها الضيق بأكثر من وسيلة لأنها لا تستطيع التحكم في مظاهر التقدم في العمر، أو يلوّحون لها مودّعين. لكن في حالات أندر من هطول مطر الصيف في الصحراء، ولأن القناة تخشى احتمال المقاضاة بتهمة التمييز، يتم نقلها من أمام الشاشة إلى غياهب المكاتب كإدارية لتجلس في غرفة مبطّنة الجدران بالملفات، وقد تتم زيادة راتبها لإيهامها بأن نقلها عائد إلى خبرتها التي هم بأمسّ الحاجة لها.
نخشى أن يقولوا عنا مسترجلات
كانت ‘ماكس بيكمان’ مسؤولة مجلس المساواة والإنصاف المادي في نقابة الصحفيين البريطانيين قد أكدت أثناء اجتماع حضرته في النقابة، أن التمييز ضد النساء يشتد كلما كبرت المرأة في العمر ويتم تنحيتها من عملها على عكس الرجل الذي يظهر بشكل جذاب في برامج التلفزيون مهما كان عمره. قدمت ‘بيكمان’ أدلّة موثقة بالأرقام، عن تقاضي الرجال العاملين في الإعلام أجوراً أعلى من تلك التي تتقاضاها زميلاتهم رغم امتلاكهم لنفس الخبرات، وقالت إن هذا يعود لحرجنا كنساء من المساومة على أجورنا خشية أن يقولوا بأننا ‘صاحبات مشاكل’ أو’مسترجلات’.
كنت قد شاركت في المؤتمر السنوي المتخصص بالإشكالات التي تتعرض لها الصحفيات مما يؤثر على مكاسبهن المادية والأدبية، والذي صادف يوم الثالث من مارس 2009 وعقد في مقر نقابة الصحفيين في لندن. قالت حينها الزميلة ‘لينا كالفيرت’ مسؤولة قسم المساواة في النقابة أن الوضع مقلق بخصوص حصول المرأة الإعلامية على حقوقها بشكل عادل فيما يتعلق بفرص العمل والأجور، وهذا عائد إلى الصورة النمطية التي يقوم فيها الإعلام بعرض المرأة كسلعة قابلة للبيع من خلال ما تعكسه أغلفة المجلات والفيديوكليب والتلفزيون، مما يؤدي إلى عدم النظر الى كفاءتها بشكل جاد.
بينما قالت الصحفية والأكاديمية ‘كات بانيارد’ مسؤولة حملة محاربة التمييز ضد المرأة من فرع النقابة في مدينة بريستول أن دراستها أظهرت غياب المرأة في الإعلام الجاد، وأنه حتى في البرامج التلفزيونية المخصصة للأطفال،مثل برنامج ‘سي بيبيز’ كان جميع كتّاب النصوص والسيناريوهات رجال، إضافة إلى أن 70 ‘ من الشخصيات في البرنامج هي أيضاً ذكورية.
بالنسبة للصحافة المطبوعة وجدنا تحيزاً صارخا ضد المرأة حيث راقبنا صحيفة الغارديان مدة شهر فوجدنا أن الصور التي عرضت المرأة كقيادية كانت نادرة جداً، وحتى عندما اضطرت الصحيفة لاستخدام صورة المرأة لأنها لعبت دورا سياسيا هاما عرضوها كعكاز للرجل، أي بدور مساند وليس في دور البطولة. خصوصاً عندما يمرّ السياسي في محنة كما حصل عندما انخفض مؤشر غوردون براون في الاستطلاعات، فنشروا صورة لزوجته كمرافقة له، لتعزيز صورة رجل العائلة لانقاذ وضع حزب العمال. وهذا حصل أيضاً عندما راقبنا صحيفة ‘الصنداي أوبزيرفير’ حيث لا يوجد صور منشورة لامرأة قيادية بمفردها، وإنما كانت تظهر صورالنساء متعلقات بأذرع أزواجهن. هناك صور للمرأة في ذات الصحيفة عرضتها كأم، أو كمتسوّقة. الرسالة العامة التي ترسل بها المؤسسات الإعلامية للجمهور، مفادها أن المرأة إنسان مستهلك لا فاعل أومنتج، وصور النساء العاريات وهن يقمن بإغواء الرجال، ترسل بإشارات خاطئة للمجتمع بإن المرأة مخلوق تافه ولعوب، ولا تؤتمن على عمل جاد مثل الصحافة.
بالنسبة لأغلفة المجلات. من ضمن 521 غلاف قمنا برصدها ودراستها، وجدنا أن 291 صورة منها كانت لأشخاص مشاهير صنع الإعلام نجوميتهم، 84 % من الصور كانت لنساء. بينما عندما درسنا 230 غلافاً لشخصيات تقوم بعمل جاد يحترمه القاريء مثل ممارسة الرياضة أو المشاركة السياسة وجدنا أن 15 % من الصور فقط كانت لنساء.
أما فيما يتعلق بنا كصحفيات من الأقليات نعيش في بريطانيا، نعاني ضعف التهميش. كانت قد تحدثت الزميلة ‘نارمادا ثيراناغاما’ مسؤولة قسم التنوع العرقي والأقليات في النقابة عن معاناتنا بسبب الصعوبات التي نواجهها في إيجاد فرص عمل لاكتساب أرزاقنا، وكيف انتهي الأمر ببعض زميلاتنا المتخصصات في شؤون الساعة للعمل كعاملات نظافة رغم تحصيلهن الأكاديمي العالي وكفاءاتهن لعدم وجود مؤسسات تدعمنا مهنياً. للعلم فقط، غالبيتنا نعمل متطوعات بلا أجر، كناشطات في مجال الصحافة لحماية حق البقية منا. إحدى الزميلات التي أعرفهن شخصياً كانت تدير مكتباً فيه عشرة صحفيين يعملون تحت إدارتها في مكتب الصحيفة في سيريلانكا، لكنها وجدت نفسها في بريطانيا مضطرة للعمل في محلات ‘كي إف سي’ لبيع وجبات الدجاج المحمّر.
منتجة البرامج الوثائقية ‘كارولاين مايلون’ شاركتنا تجربتها وتحدثت عن صعوبة تسويق أعمالها كامرأة رغم خبرتها الطويلة في انتاج البرامج الوثائقية للقناة الرابعة، إذ تخصصت في إعلام الشرق الأوسط وأفغانستان. كما فتحت الزميلات ملف موضوع تحرش الرجال الذين يعملون في الإعلام بزميلاتهن جنسياً وقالت ‘ميغان دونبي’ أن محرر صحيفة الاندبندنت ‘بن دوويل’ لم يخجل من الإفصاح عن رأيه في هذا الشأن عندما قال ذات يوم أمام الجميع ‘ان صور النساء شبه العاريات تجعل الدنيا مكاناً أفضل’.
إن استثناء النساء من المشاركة في برامج التعقيب على الصحافة أو شؤون الساحة أمر غير مبرر، ويدل على أحد أمرين كلاهما مرفوض وهما: إما إفلاس مهني، أو تمييز ضد النساء.

مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today\12qpt896.htm&arc=data\2011\12\12-11\12qpt896.htm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s