تباَ وسحقاَ وأخواتهما…’ام بي سي’ تعتذر عن ظهور ممثلة عارية الصدر

إقبال التميمي

طاقم الإعداد والترجمة في برنامج ستايل على “إم بي سي” لم يترجم كلمة كيم كراديشيان كما ينبغي وبذمّة، يتساءل البعض منا، لماذا لم ينقلوا الخبر كاملاً وبكل أمانه.

قالت كيم  كراديشيان أثناء حديثها للإعلاميات اللواتي كانت من بينهن مراسلة قناة “إم بي سي” بأنها مبهورة بجمال النساء في دبي، وخصوصاً النساء الحاضرات، وبأنها تتمنى لو حضر شقيقها معها ومع والدتها “لينقّي” من بين الحاضرات “غيرل فريند”. يا هل ترى سبب تغيير الترجمة  وإسقاط موضوع الـ”غيرل فريند” وبلع الجمله، عائد إلى استغباء المشاهد وتوقع بأنه جاهل، أم للهروب من رقابة المجتمع الذي لن يعجبه أن تكون نساءه مثل قطيع المعيز يستطيع أخو كراديشيان أن ينقّي له نعجة منهن، ام لأن ترجمة “غيرل فريند” صعبة؟

قبل حوالي أسبوعين أقيمت الدنيا وأقعدت لأن قناة “إم بي سي ماكس” عرضت النسخة الأصلية لفلم ظهرت فيه ممثلة عارية الصدر. البعض اعترض لأن إم بي سي لم تكتب تحذيراً قبل العرض على الشاشة ليتمكن الآباء والأمهات من الاحتياط لحماية أطفالهم من رؤية المقطع. وهناك من قال أن الاعتراض هو مجرد  ردة فعل منافقة لأن غالبية المعترضين يشاهدون محتويات إباحية ويتصنعون النزاهة. وهناك من طرحوا نظرية المؤامرة، وبأن إم بي سي تعمدت تسريب هذا المشهد لتقيس نبض الشارع، لمعرفة إن كان بالإمكان التوسع والتجرؤ أكثر في عرض مواد جدلية. لكن ردة فعل القناة كانت سريعه لدرء الاتهام وحملّت كادرها الرقابي مسؤولية التهاون والتقصير عندما اعتذر علي جابر، مدير قنوات إم بي سي وقال بأن الخطأ ناجم عن عرض النسخة الأصلية بدلاً من النسخة التي تم تحريرها لأنه حسب تصريحه حصل ذلك بسبب الانشغال في الانتقال إلى مرحلة الاستغناء الكلي عن أشرطة البث. ولم يذكر في تصريحه أي شيء يشير إلى أن سبب الجلبة متعلق بظهور لقطة لامرأة ظهرت بصدر عاري “توب لس”.

الحقيقة والحق يقال، أن كثيراً من مشاهد برامج إم بي سي فيها لقطات شبه إباحية على أي حال، وبعضها من منتج عربي محلي، وكشف الصدر ليس هو الدليل الوحيد على التجرؤ على التقاليد أو الإباحية.

اعتدنا على إسقاط  إعلامنا لبعض الترجمة أو تحويرها وتدويرها، واختيار ألفاظ مغايرة لما جاء في المادة الفلمية الأصل. وانتهى الأمر بمجموعة كبيرة من المواقف الدرامية أو الخبرية وقد استبدلت بـ “تباّ” و “سحقاً” وأخواتهما. وأصبحنا نعلم أن تباً تعني (…) وسحقاً تستخدم لشتيمة تعني( ….). حتى الأطفال باتوا يتندرون بهذه البدائل اللغوية التي وضعت الجهات الرقابية أحياناً في مواقف صعبة، حين حاولت حل إشكالات حشو فراغ عدد من الثواني التي حملت مشاهداَ فيها حركة شفاه ساخطة سريعة تدل على جملة أو أكثر، واختصارها بلفظ واحد من أسرة ” تباً”، تماماً كما يحاول أحدهم رقع خرم الأوزون برأس إصبعه.

إن الشخص الذي قام على انتاج المادة الأصلية في البلد الأصل، يعلم تماماً ما قام به، بل وقصد ذلك عامداً متعمداً لأنه يرى في تلك اللقطة من سيل الشتائم أو المواد المرئية التي نراها “خليعة” أو خارجة عن المقبول، أمر ضروري لتوضيح فكرة للمشاهد الذي يخاطبه. والمنتج على علم تام بأن هذه الألفاظ أو اللقطات خادشة وجارحة للحياء. لا مشكله لديه في ذلك لأنه عندما أنتج مادته كان في باله شريحة من مجتمعه هو يحاول مخاطبتها. أي أنه لم يكن في حسبانه العرض في دول عربية احتارت في أساليب الفلترة بسبب طول لائحة الممنوعات وتناسل أسبابها.

 وهنا نواجه معضلة فنيّة ومهنية تتعلق بالمصداقية من منطلق أخلاقي بحت من وجهة نظر مهنة الصحافة، وليس من منطلق معايير الأخلاقيات المجتمعية. هل يعتبر تغيير النصّ الأصلي لمادة فلمية، لسبب قد يكون مبرراً اجتماعياً، هو أمر أخلاقي؟ وهنا أستحضر مقارنة بمحاولة استئصال جزء من قصيدة أو باب من كتاب، يتم بتر جزء من مادته أو تحويرها قياساً على ذات المبدأ.

البعض يرى الحل في انتاج مادة بديلة من الألف إلى الياء مفصّلة على قياس ما يسعى إليه أرباب الرقابة بدلاً من استيراد مادة ثم تشويه محتواها والاعتداء على حق منتجها، بغض النظر عن الرضى عن رسالة المحتوى من عدمه. لأن موضوع النقاش هو خيانة النص الأصل. هل يملك أحد حق تغيير المحتوى لمادة قدمها شخص آخر والاستمرار بنسبها إليه. أؤكد مرة أخرى هنا أنني لا أناقش ميزان الأخلاقيات المتعلق بمحتوى المادة الأصل، وإنما بفكرة العبث بمحتوى مادة تعتبر من قبل من أنتجها عمل إبداعي كامل، مثل قطعة فنية أو لوحة، لا يجوز لأحد تغييرها أو تحويرها  أو إضافة رتوش عليها.

هذا الموضوع يشكل معضلة أخلاقية تتنازعها الأيدي بين حاجة السوق العربي إلى مواد درامية وخبرية من مصادر عالمية، لشحّ الانتاج المحلي وتدني المستوى المهني والافتقار إلى أفكار خلاّقة تأتي بالجديد دون تدوير المواد التي أنتجها أصلاً “أناس باءووا بسخط منا”، وبين كون الغالبية العظمى من هذه المواد تم الحكم عليها بالإعدام مسبقاً لأنها قيّمت على أنها “غير لائقة للعرض” من قبل جهات رقابية أدت إلى وضع لائحة من الممنوعات، وضعها بعض الأشخاص، نيابة عن الشعب العربي القاصر عن أخذ قراراته بنفسه.

 وهنا تقفز في وجوهنا مرة أخرى مصطلحات لم نكن نتعمد الخوض فيها، لها علاقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان. هل من حق مجموعة من الأشخاص يمثلون أي نظام أو مجلس أو هيئة أن يعتبروا الشعب قاطبة مجموعة من أطفال قصّر، يخضعون لولاية شخص أو أشخاص، ومنح مؤسسات أو أشخاص حق الاختيار نيابة عنهم، والفرض عليهم مسطرة تقييم دائمة التغيير من ناحية ما يجوز وما لا يجوز عرضه على خلفية محاولة حماية الشعب أخلاقياً؟

هل يمكن تسويغ قيام شخص يعمل في مجال الرقابة على المواد الفلمية، قد يكون شاباً أرعن، أو رجل متشدد، أو ضعيف الثقافة، وغالباً، لا يستطيع تكوين رأي محايد بعيداً عن مواقفه الشخصية  وقناعاته أو انتماءاته المذهبية، بأن يفرض على شعب فيه من ذوي الكفاءات العليا ومن حملة الاختصاصات وكبار السن وذوي الحكمة، أن يخضعوا لمسطرة معاييره، وما يحبذ لهم الاطلاع عليه وما لا يستحب لهم الاطلاع عليه، على أساس أنه أعلم بما ينفعهم؟

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s