فضائيات الحرب وليبيا

إقبال التميمي

في أعقاب انتصار المتمردين، انسحبت غالبية الفضائيات الأجنبية من ليبيا. دون أن تتم الإجابة على أسئلة كثيرة ما زالت معلّقة في الهواء عن خلفيات أسباب اشتعال فتيل تلك الثورة. لأن الصحفيين ركزوا في تقاريرهم على العنف المحموم الآني، الحاصل بين قوات المتمردين والقوات الموالية للحكومة في ذلك الوقت، دون الإشارة إلى الشرارة التي أشعلت الفتيل بعد سنوات طويلة من ابتلاع الليبيين لموس القهر بالعرض. استضافت الفضائيات القليل جداً من المحللين السياسيين للحديث عن هذا الجانب، على غير حال تغطيات انتفاضات تونس ومصر واليمن أو سوريا.

بالنسبة للإعلام الغربي، والذي كانت له الأولوية في التغطيات، مرة أخرى شابهت التغطيات التي جرت أثناء أحداث ليبيا تلك التغطيات التي حصلت أثناء الغزو الأمريكي للعراق. بمعنى إغراق المشاهدين بصور الخراب والدمار والاشتباكات من وجهة نظر جانب واحد، هو الجانب الغربي، دون الإشارة لتفاصيل الأسباب الحقيقية لاندلاع الأزمة أو الإشارة لما جرى وراء الكواليس وماذا كان دور الدول التي اتت منها الفضائيات في التحضير لهذه الانتفاضة. فوجيء المشاهد الغربي بقلة معرفته بليبيا قبل استهدافها من قبل دول التحالف. وكما قال أحد الزملاء الصحفيين، إن كان هناك مثال على قلة معرفة الناس ببلد استهدف في حرب، فإن ليبيا هي أفضل مثال على ذلك.

بدأ كل شيء بسرعة وانتقلت الكاميرات لتتابع تقارير حول حركات المتمردين وهم يتقدمون إلى بعض المواقع أو يجدون ممانعة من قوات كانت تساند القذافي في أماكن أخرى، دون وجود وقت كاف للتعريف بداخل ليبيا. ولأول مرة بدأ المشاهد الغربي  بالتعرف على مدن ليبية مثل راس لانوف وبريقة. كما لم يكن هناك تحليلات سياسية متوفرة في تقارير الفضائيات، حتى المعلومات الأساسية منها حول تاريخ ليبيا أوجغرافيتها أومجتمعاتها أواقتصادها أو تركيبتها السياسة، كل هذه المواضيع كانت المعلومات المتلفزة عنها شحيحة. وكأن ليبيا كانت مختفية في أحد جيوب التاريخ، وتم اكتشافها فجأة.

كانت سرعة تنامي الأسئلة حول ليبيا أسرع بكثير من مقدرة الفضائيات على انتاج تقارير للإجابة عليها. كل الاهتمام كان منصبّاً على بترول ليبيا الذي انخفض انتاجه بشكل كبير لأن معظم المواجهات الكبيرة اندلعت بالقرب من مواقع مصافي النفط، مما أثر على سعر برميل النفط في الأسواق العالمية.

لذا جاء القرار بالمسارعة بالتدخل العسكري في ليبيا، والذي دلّ على حاجة الغرب الملحّة في القضاء على نظام القذافي في أسرع وقت ممكن، من أجل مصالح الدول المشاركة بالهجوم ، للسيطرة على ليبيا ولتثبيت سعر النفط عالمياً، وليس كما حاول الإعلام الغربي إقناع الناس بأنه من أجل إنقاذ الليبيين و لتحقيق الديمقراطية. وإلا كانوا قد تدخلوا منذ سنوات أو تدخلوا بمساعدة الثوار في سوريا التي ما زال يعاني أهلها من قهر نظام مماثل لنظام القذافي. لكن للأسف، فرشة سوريا لا تطفو على بحر من النفط كما هو الحال في ليبيا. كما أن سوريا جارة حدودية لإسرائيل صديقة دول الناتو، وسياسات الأسد على امتداد سنوات أثبتت بأنه استطاع استخدام مخدر سرى كسياسة عامة وفرت حدوداً آمنه لإسرائيل، بينما يخشى الغرب الصديق لإسرائيل من احتمال تكوين جبهة سورية قد تقلق منام إسرائيل إذا سقط نظام الأسد الحاكم.

كانت هناك أيضاَ حاجة ملحّة للإطاحة بنظام القذافي بسرعة لأنه كان ينظر إليه على أنه عنصر مارق في شمال أفريقيا، لأنه شخص استطاع أن ينفذ مساراً اقتصادياً مستقلاً لليبيا والقارة الإفريقية ينافس المسار السائد الذي كانت تسيطر عليه الدول االغربية لتحقيق مصالحها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s