بين “إم بي سي 1″ و”إم بي سي 4” غجرهم أفضل من غجرنا

 زميلي الصحفي "جيك باوارز" يتحدث عن إنشاءه أول مجلة متخصصة بشؤون الغجر في بريطانيا- حقوق الصورة إقبال التميمي

زميلي الصحفي "جيك باوارز" يتحدث عن إنشاءه أول مجلة متخصصة بشؤون الغجر في بريطانيا- حقوق الصورة إقبال التميمي

إقبال التميمي

منذ مدة ونحن نترقب تغيراً في نظرة المجتمع العربي وإعلامه إلى الأقليات التي تعامل بدونيّة واحتقار. والتي يتم التنديد بها كلما هزّ الكلب ذيله، ودون وجود مبرر حقيقي لإدانتها. لذلك توسمت خيراً عندما بدأت قنوات “إم بي سي” ببث مسلسلين دراميين مختلفين في ذات الوقت، يلقيان الضوء على حياة الغجر في منطقة الشرق الأوسط.

مجتمعنا العربي ينظر إلى هذه الفئة الرحّالة من البشر نظرة شزر ودونية، لأن الفكرة العامة عنهم سيئة. ونعت المرء بأنه “نوري” أو “غجري” أو “زطّي” تعتبر قمة الإهانة على أساس ما يقال عنهم بأن نسائهم يعملن في البغاء والغناء، وأنهم لا يلتزمون بدين معين، وأن رجالهم كسولين، وأنهم متهمون بسرقة الأطفال وغيرها من اتهامات تم توريثها جيلاً بعد جيل. حتى فيروز، عملاقة الأغنية العربية، وثقت في أغنية “يالله تنام” هذا الهاجس عندما غنّت “يا بيّاع العنب والعنبية، قولوا لأمي وقولوا لبيي، خطفوني الغجر من تحت خيمة مجدلية…”

غالبية متابعين قنوات “بي بي سي” باللغة الانجليزية شاهدوا أكثر من مرة أفلاماً وثائقية على شاكلة “حفل زفافي الغجري الكبير” وتعرفوا على حياة الغجر الأوروبيين وعاداتهم في الأعراس، وتابعوا زواج فتاة بريطانية من غجري. وأصبح لديهم مفهوم أوضح عن تاريخ هؤلاء الناس ومجتمعاتهم.

كنت قد نشرت تقريراً العام الماضي عن الغجر بعد إصدار زميلي الصحفي “جيك باوارز” أول مجلة متخصصة بشؤون الغجر في بريطانيا، لأنه غجري رحّال من قوم الروما. التقيت به للمرة الأولى في مؤتمر يناقش صحافة الأقليات حيث كان متحدثاّ رئيسياً. وحينها أخبرني عن معاناته من زملاء مهنته في الإعلام البريطاني ممن يقومون بتدوير صورة خاطئة عن الغجر على أنهم غير متعلمين، وأنهم قذرين، وأنهم يجب أن يمنعوا من دخول الأماكن العامة والحانات. وأخبرني عن معاناة زوجته الانجليزية المثقفة التي أحبته، واضطرت للانتقال للعيش معه في عربته المقطورة التي يجرّها حصان، حيث لا يوجد مقبس كهرباء لتستطيع استخدام مجفف الشعر.

بالمقابل وبالانتقال لفضائيات العالم العربي، ولقنوات “إم بي سي” بالذات. نجد أن المسلسل الأول الذي تعرضه “قناة إم بي سي 4″، تركي مدبلج يحمل عنوان “بائعة الورد” ويحمل الجانب الوردي من حياة الغجر. إذ يناقش الفروق  الطبقية من خلال قصة حياة صبية غجرية لعبت دورها الممثلة التركية (توبا بيوغستون)،  يتعرف عليها موسيقي من عائلة تركية ذات جذور عريقة وغنيّة، قام بدوره الممثل التركي (جانسل إيلجين)، الذي يتبنى تعليمها أصول الموسيقى والغناء، وفي النهاية يقع في حبها. بينما تحاول والدته (آيدا آكسل) بكل ما أوتيت من قوه لابعادها عنه لأن الغجرية، حسب رأيها، ليست من مستواه الاجتماعي ولا تليق به رغم أن شخصيتها تغيرت تماماً وتعلمت الإيتيكيت وأصبحت تملك المال والشهرة. أحداث المسلسل تعرف المشاهد على حارة “لميس” بطلة القصة وكيفية معيشة بعض “النوّر” الذين استقر بعضهم في أحياء خاصة بهم، بينما بعضهم الآخر، مثل والد لميس، لم يستطع التأقلم مع حياة الاستقرار لذلك آثر الاستمرار في ترحاله.

المسلسل الثاني تبثه “إم بي سي 1″، وهو مسلسل عربي من انتاج مصري يحمل اسم “وادي الملوك”. مأخوذ عن رواية “يوم غائم في البر الغربي” للروائي محمد المنسي قنديل، كتب السيناريو محمد الحفناوي ، وقدم كلمات أغنية المقدمة الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي. وتشاركت في بطولتة مجموعة من الممثلين القديرين، ومن ضمنهم سمية الخشاب وصابرين، بينما أخرج المسلسل حسني صالح.

يتحدث المسلسل عن “الحَلـَب”، وهو الإسم المحلي للغجر الرحّل الذين يعيشون في خيام الخيش التي ينصبونها. قصة المسلسل تحكي حكاية زواج أحد الأعيان بغجرية بعد أن عشقها ومنحها كل شيء، لتسرق كل ما لديه وتغادر رغم أنه أكرمها ورغم أنها أنجبت منه صبياً. المسلسل يروي أحداثاً كثيرة تشير إلى وضاعة الغجر وقلة أصلهم، وتعاملهم بالسحر والأذى واستخدام الحيل لنيل ما يريدون، وأن أولادهم يرثون شرورهم وطباعهم الناكرة للجميل.

بمجرد فتح باب الحوار حول هذين المسلسلين، قال أحد الزملاء المتثاقفين “هناك فرق بين غجرنا وغجرهم” مشيراً إلى أن أن غجر أوروبا أكثر جمالاً وأرقى طبعاً من غجر الشرق الأوسط. وهنا اتضح أن مجتمعنا العربي متحيز وشديد العنصرية. وأننا لا نلاحظ ازدواجية المعايير في تصرفاتنا، وأننا اختياريين في مواقفنا المتعلقة بالتمييز الذي طالما أشهرناه كسلاح  في وجه الآخر عندما لم يبد احتراماً لتقاليدنا وطقوسنا ومعتقداتنا، رغم أننا ضيوف على دول الغرب. وأن مناداتنا بحقوقنا كأقليات مسلمة، وادعاءاتنا بمعاناة التمييز، لا تكاد تعادل نقطة في بحر تمييزنا وعنصريتنا ضد الآخر، دون أن يكون هناك مبرر حقيقي أحياناً. والغريب أن من بين أقلياتنا من يضطهد أفراد أقليات أخرى من ذات وطنه لأنها أضعف شوكة، وهذا التمييز ينقلونه معهم إلى الغرب ليمارسوه تحت مظلات الدول الديمقراطية.

هل كرهنا الغجر لأنهم قوم رحّل؟ لا أظن ذلك، فالبدو في وطننا العربي المترامي الأطراف يرتحلون ونكن لهم التقدير والاحترام ونفخر بعاداتهم وتقاليدهم ونوثق أشعارهم وحكاياتهم. هل نتعالى على الغجر لأنهم يعملون في مهنة البغاء؟ لا أظن ذلك، لأنني وجدت أثناء إعدادي لتقرير حول معاناة الغجريات في العراق إثر الغزو الأمريكي من قبل المتأسلمين، ان زبائن الغجريات هم من علية القوم الذين كانوا يزورونهن في وضح النهار وعندما تغيرت موازين القوى أصبحوا يزورونهن تحت جنح الظلام، مهددين لمن تركت مهنتها تحت حد السكين بالقتل إن اعترضت أو إن أشاعت سر شغف أصحاب المناصب بمانحات المتعة. هل نكره الغجر لقذارتهم وضعف اهتمامهم بالنظافة والعادات الصحية؟ لا أظن ذلك. لقد رأيت بأم عيني في أفخم مطاعم دولة خليجية، رجل من علية القوم، لو بدأت بحرق أمواله سأموت قبل أن يخمد الحريق، وهو يجلس إلى مائدة طعام مما لذّ وطاب من أصناف مستوردة قد نتعثّر في قراءة لائحتها، وأصابع يديه تتناوب بين الأكل مرة، والعبث بأصابع قدمه المطلّة عبر مقدمة حذاءه المفتوح مرة أخرى.

بكل بساطة نحن قوم نمارس عنصريتنا ضد الضعيف فقط، وهذه ليست من المروءة في شيء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s