إعلام الطبطبة يزيّت مفاصل أدراج التحقيقات

إقبال التميمي

عرض برنامج صباح الخير يا عرب على قناة “إم بي سي” تقريراً جيداً أعدته الزميلة “تهاني الجهني” من جدّة، تم توثيقه على موقع القناة في حلقة رقم 821. وبعد أن انتهى التقرير المصوّر واستلم الدفّة مقدمي البرنامج في دبي ثار فينا الألم الشديد والامتعاض.

تحدث البرنامج  عن حريق مدرسة براعم الوطن في مدينة جدّة السعودية التي كانت ضمن نتائجه وفاة ثلاثة معلمات هن: ريما النهاري وغدير كتّوعة وسوزان الخالدي.هذا عدا عن إصابة حوالي 60 شخصاَ. تحدث التقرير عن معوقات عمليات الإخلاء، خصوصاً وأن هذه المأساة تكررت في حوادث أخرى مشابهة في المملكة العربية السعودية.

التقارير قالت أن المدرسة التي حصل فيها الحريق، لا يوجد فيها مخارج طواريء، وبعض الأبواب كانت موصدة فلم تتمكن الطالبات والمعلمات من الهرب، وقيل أن البناء مخالف لقوانين السلامة العامة، وأن خطة الإخلاء لم تراعيها المدرسة، والبعض أشار إلى أن أدوات الإطفاء غير فعالة أو ليست في المكان المناسب للاستخدام،…. وسلسلة طويلة من المبررات.

 من ضمن ما يلفت النظرفي التقرير، أن شاباً اسمه “عبد السلام” سمع تصارخ الفتيات فهرع للمساعدة وأنقذ من استطاع، وانتهى الأمر به مصاباً على سرير الشفاء في المستشفى. لم يقدم عبد السلام كبطل، ولم يذكر حتى اسمه الثاني. وتعامل البرنامج معه كـ “نكرة” بينما احتفى مقدمي البرنامج بذوي الرتب والمناصب ممن أدلوا بآراءهم حول الحادث رغم تقصيرهم في مهامهم.

 التقرير كان واضحاً لا لبس فيه، لقد تأخر وصول الدفاع المدني حوالي ساعة وحضر بطرق بدائية، والإسفنج الذي يفترض القفز عليه وصل متأخراً ثلاثة ساعات. والمواطنين قدموا خدمات إنقاذ أفضل مما قام به الدفاع المدني، وأقوال الشهود تفيد بأن سلّم سيارة الإسعاف لم يكن طويلاً كفاية لوصول جانب المبنى ، لكن الكتابة التي ظهرت أسفل شاشة “إم بي سي” قالت “لجنة التحقيق تتوصل إلى 7 مؤشرات جميعها بسبب الإهمال”.

هذه الجملة المصاغة بحرفية ميّعت المسؤولية لأنها تركت باب تحديد الجهة المسؤولة عن الإهمال قابلاً للتأويل. حقاً الشخص الذي صاغ هذه الجملة موهوب ويستطيع أن يعمل استشاري قانوني للشيطان.

أول شخص قدمته مذيعة البرنامج “لجين عمران” للتعقيب بعد التقرير كان مدير عام الدفاع المدني في جدّة، العميد عبدالله جداوي. وأول شيء بدأت به مذيعة “إم بي سي”، هو إدانة الأهالي الموجودين حول المدرسة مستهلة تقديمها للضيف عبر الشاشة ليس بسؤال، وإنما بتمهيد لتدجين المشاهد وتشكيل رأيه إذ قالت بانفعال” الزحمة الكثير والأهالي أدى إلى تأخير وصولكم، وأدى أيضاً إلى تأخير السيارات التي تحمل السلالم لوصولكم إلى المدرسّات والطالبات وكانت هناك عوائق كثيرة في طريقكم”.

لا تعلم لجين أنه ليس من المهنية ولا من المنطق أن تخبر شخص عن شيء حصل له، أو الاهتمام بنيل رضا وبركات ممثلي المؤسسات الحكومية من خلال الطبطبة على شخص الضيف المسؤول خصوصاً وأنه لم يقم بعمل يستحق الإشادة به. لكن يبدو أن أفراد الدفاع المدني كانوا معصوبي العيون أو في غيبوبة أثناء المهمة، لذلك وجدت لجين أنه من واجبها أن توضح لهم ما حصل لهم عندما كانوا غائبين عن الحدث أثناء وجودهم فيه….

تدخل فوراً المذيع “خالد عمران” مؤّمناً على أقوالها لينوبه من الحب جانب، وقال أن سبب التأخير كان “الزحمة” وبدأ كلاهما بإدانة وتقريع الذين يتحلقّون حول أماكن الحوادث وبهمّة وشغف واضحين. ووصل الحد بخالد بأن استقرأ الوضع من دبي عبر المسافات، وقال أن هناك من يقفون يصورون بجوالاتهم ليرفعوا الصور على يوتيوب أو تويتير، وقاطعته لجين في أسلوب أقرب للأحاديث العائلية منه إلى تقديم برنامج يخاطب ملايين المشاهدين من مختلف مستويات الثقافة والكفاءات: ” أصلاً همه غير مؤهلين لتقديم المساعدة المناسبة، بعض المدنيين أخذوا أجهزة الدفاع المدني وصاروا يحاولوا استخدامها وهم غير مؤهلين” . المثير في الأمر أن لجين لم تكشف عن كيفية استحضار القوى الخارقة التي أكدت لها بأن من حاولوا المساعدة كانوا غير مؤهلين.

وبدأت تعّد على أصابعها جرائم الأهل المحتشدين وأنهم سبب تأخير المساعدة، وقاطعها خالد مذكراً إياها بما نسيت “والفضول”، فقفزت “لجين” إلى سبب إضافي “وبسبب الهلع الذي قد مرّت به المدرسّات، اللي ممكن شوي يعيق من تقديم المساعدة”. كل هذا قبل أن يدلي مدير عام الدفاع المدني بدلوه أو يقول كلمة واحدة. مقدمة البرنامج التي احتجت بشدّة على محاولات “غير المؤهلين” أكثر من مرّة، لا يوجد ما يشير إلى أنها تملك “مؤهلات” إعلامية.

لكن بمجرد أن أتيحت للضيف فرصة الحديث قال أنه فوراً وبمجرد وصول خبر الحريق أرسل الدفاع المدني 23 وسيلة نقل إنقاذ وإطفاء. وقاطعه مرة أخرى مقدم البرنامج ليتحدث عن احتمال تحميل الذنب لأصحاب المدارس كون بناءها ربما لم يراعى فيها أمور السلامة العامة.

يعتقد كل من “لجين” و”خالد” بأنهما يخاطبان جمهوراً أخرق عديم الذكاء يمكن الضحك على لحيته. فمحاولة تلبيس الجريمة للشعب وإلقاء اللوم على الجمهور، أسلوب اعتدناه في إعلام الدول الخليجية، لأن السياسة العامة هي عدم فضح المقصرّين. وهناك لائحة فساد أطول من المسافة بين دبي وجدة أدت إلى وفاة العديد من الناس في السعودية وهلاك ممتلكات لا يمكن حصرها. ودائماً يأتي الإعلام كمحام متطوع للدفاع عن المؤسسات التي أخلّت بدورها أو قصرّت. وهذا مثال جيد على فوبيا الخوف من الكراسي.

لا أناقش هنا مأساة الأهالي الذين وقفوا عاجزين عن نجدة بناتهم بينما لم تستطع 23 وسيلة إنقاذ وإطفاء وجيش من الموظفين من إنقاذ حياة ثلاثة معلمات أو تجنيب طفلات بعمر الورد ما تعرضن له من ترويع. ولا أناقش من الذي قصّر أو ساهم بهذه المأساة. بل أشير إلى أسلوب الهواة في  تغطية  خبر على شاشة فضائية تصل الملايين.

من أسوأ أساليب عرض الخبر أن يهاجم أو يدين المذيع جهة ما أو أشخاص قبل انتهاء التحقيق الرسمي، ومن الخطأ أن يقوم المذيع بإشهار إصبع الاتهام في وجه من لا حول لهم ولا قوة في تمهيد لتقديم شخصية مسؤولة لمناقشة موضوع. ومن أكثر الأساليب فجاجة استقراء حادث وادعاء شيء لم يحصل أو الإشارة إليه لتغطية سوأة التقصير، كما حاول “خالد” بان يدير الدفة باتجاه الأهالي عندما قال أن هناك من يستخدمون هواتفهم الجوالة للتصوير واتهمهم بنيّة تحميل الخبر على يوتيوب وتويتير، بينما التقارير والصور التي وصلتنا لم يكن بينها ما يشير إلى ذلك. كل ما شاهدناه هو آباء وأمهات قلقين وإخوة يبكون لأن الهلع سيطر على الموقف.

يحفظ ملف هذا التحقيق في الدرج الذي حفظ فيه ملف تحقيق سيول جدة، وحريق المدرسة 31 المتوسطة للبنات بمكة المكرمة. أود أن أوضح للزميل خالد بأن الناس باتوا يصورون الأحداث لتوثيق المهازل التي يخفيها الإعلام الرسمي وشبه الرسمي.

Iqbal Tamimi on Twitter Counter

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s