شباب اليوتيوب السعودي ينافس الفضائيات

رسام الكاريكاتير السعودي مالك نجر

رسام الكاريكاتير السعودي مالك نجر


إقبال التميمي

كانت كل من مصادر الترفيه الإعلامي وصناعة الأخبار في الدول العربية، رهينة بضعة مؤسسات تابعة للدولة. مارست هذه المؤسسات حق الوصاية والتعتيم والفلترة على المشاهد العربي، وشحنته بأساليب الهتاف لذوي المناصب، إلى أن أصبح الهتاف أقرب إلى التسبيح بالحمد والثناء على كل من تستند مؤخرته على مقعد منجّد بأصابع الدكتاوتورية. إلى أن جاء البديل عندما اضطرت الحكومات العربية تحت موجة من ضغوطات غير عربية المنشأ. ولأسباب متعلقة بالتسويق، وتحت ادعاءات مكذوبة بدمقرطة الإعلام وفتح الباب أمام المنافسة الشريفة والاستماع لصوت الآخر، فتح باب الاستثمار الإعلامي في القنوات الفضائية أمام القطاع الخاص.

بعد دخول المؤسسات الخاصة ساحة الاستثمار في القنوات الفضائية، بدأ التنافس بينها وبين القنوات التابعة للحكومات. وبدأت القنوات الحكومية تخجل من نفسها قليلاً، لأن الفارق في المحتوى كان ملحوظاً، رغم تقييد تلك المشاريع بلائحة طويلة من المحظورات والمحاذير. لكن “يا فرحة ما تمّت، خذها الغراب وطار”. عادت الدولة وقررت أن لا تترك الحبل على الغارب. فدخلت شريك في كل مشروع استطاعت أن تضع إصبعها فيه. وضيقت على القنوات الخاصة التي لم تستطع عقد مشاركة معها بطرق قد تكون ناعمة، لكنها نجسة. ودعمت فضائيات معينة مادياً أو لوجستياً، وعملت من بعضها منصات خاصة تتحدث بلكنة الحكومة. فكانت الحكومة شريك مختفي تحت عباءة شخص. وسيطر على ساحة الإعلام أصحاب قنوات خاصة من العائلات الحاكمة وأفراد متنفذين من الدولة لهم نسبة كبيرة من أسهم تلك الفضائيات. وتم تقييد المشاهد بإغراقه بقنوات تبث الغث والتافه والسطحي والضحل لتغييبه عن الواقع السياسي المرّ، والأزمات المرتبطة بالفساد المستشري بأوصال المؤسسات الحكومية، وتنويم المواطن مغناطيسياً وهو يعد عدد لقطات الأفخاذ والصدور في لقطة فيديو كليب مدتها خمسة دقائق لئلا يصحو ويكتشف أنه لم يعد قادراً على شراء الرغيف دون المشاركة في جمعية.

 ورغم أن تلك القنوات خاصة، إلا أنها فرضت على المشاهد التصبّح والتمسي بوجهي زيد وعبيد كونها تطبخ الإعلام بزيت النفط. فكانت النتيجة، مشاريع استثمارية إعلامية الواجهة ، متشابكة المصالح بين الاستثمار في سياحة زوروني كل سنة مرّة، وتجارة الباذنجان المرتبطة بمباديء قطّعني حتت وارميني في الزيت.

المحطات الفضائية التي حاولت ان تكون مستقله تماماً عن الساسة والسياسيين، وقعت ضحية القوانين التي أبدعتها الحكومات العربية لتقييد الإعلام الخاص وجرّ المتجريء منه من رسنه. لذلك وضعت قوانيناً مشددة لمنح المحطات تصاريحاً للبث، وتصاريحاً لإستيراد وإدخال أدوات البث، وتصاريحاً لشراء الفضاء وذبذباته وحجوزات الساتلايت، وتصاريحاً لما يجب أن يقال وما لا يقال… وتناسلت اللائحة، وتم إشهار إصبع التهديد، من يجرؤ على المخالفة “يشيلوله العدّة”.

أكثر الدول العربية سيطرة على الإعلام هي المملكة العربية السعودية. إذ سيطرت على الإعلام الذي يحمل صفة التحفظ والدين في داخل حدودها ووضعت القوانين الصارمة لحماية تلك السياسة. ومن جانب آخر وفرت جميع التسهيلات والدعم بكافة أشكاله لكل سعودي يستثمر في الإعلام خارجها بما في ذلك إعلام “تع ولا تجي”. وإذا بها تمسك بزمام الإعلام بجميع أشكاله، المحلي منه المذبوح على الطريقة الإسلامية والمستورد معلباً، ومن برامج السياسة إلى فرفشة الهشّك بشّك أيضاً. وكل هذا على رأي فؤاد المهندس “بزلّهم بفلوسي”. ولسبب غير معروف اختارت اللبنانيين لإدارة مشاريعها الإعلامية وبطريقة مغايره لما تنادي به آناء الليل وأطراف النهار داخل أسوارها المرتفعة. وهذا جعل الشباب السعودي الموهوب يهرب إلى عالم الانترنت لأنه لم تتح له فرصة استعراض ما لديه من خلال مشاريع أنشئت من حقه الخاص في نفط بلده، لأن من يدير مشاريع الإعلام السعودي ليسوا بسعوديين، واستقطاب وتدريب المواهب السعودية ليست من ضمن اهتماماتهم، لأن هناك من يفضلون الاجتهاد لسنوات بتدريب الناعمات إلى أن يتقنّ طرح التحية على المشاهدين، على أن يمنحوا من وقتهم دقائق لتوجيه شاب سعودي ذا موهبة لا يملك أن “يتزوج ويقعد في البيت”.

لم يمثل الإعلام السعودي شبابه. لذلك أسس الشباب منتديات الانترنت لخلق قنوات حوار لكسر حصار التضييق على المثقفين، وأنشأوا المواقع الالكترونية حيث يتم عرض صور وأخبار محلية من إنتاجهم، ثم انتقلوا إلى استخدام تقنيات توثيق الحدث بالهواتف النقالة وبثها على الانترنت. وأحدث اهتمامات هؤلاء الشباب، التنافس مع القنوات الفضائية وبشكل لافت للنظر.

سرق هؤلاء الشباب من القنوات الفضائية جمهورها بعد عرض برامجهم الخاصة عبر اليوتيوب. خصوصاً وأن رسالة القنوات الشبابية تحمل نقداً لاذعاً للمؤسسات والمجتمع، ولا تملك فضائية سعودية بعد جرأة بث ما تنبشه هذه الكفاءات الشبابية من جروح غائرة.

 مثال على ذلك، قناة “مسامير”، من انتاج فنان الكاريكاتير(مالك نجر) وفريقه. والذي انتقد من خلالها ممارسات مختلفة من ضمنها التمييز العنصري ضد الوافدين وتعدد الزوجات وإساءة فهم وتفسير الإسلام. وبرنامج (ايش اللي) الذي يقدمه بدر صالح ويركز فيه على انتقاد ما يجّد على الانترنت من فيديوتيوبات وأسئلة موجهة له ويتحدى كل من اعترضوا على أداءه أن يقدموا ما هو أفضل. وفهد البتيري في برنامجه (لايكثر) الذي له نكهة نقد مبني على عمق ثقافي عام ومن خلاله ناقش كمية المواد التي يتم فلترتها أو بترها من كل مادة تلفزيونية، و برنامج (على الطاير) من تقديم عمر حسين الذي يتابع الأحداث المحلية ويسخر من هفوات الإعلام بنقد بنّاء غير مباشر إلى درجة استخدام مبيد التفاهات لإسكات صرير صوت إحدى مقدمات البرامج التي لا تملك ذرة من موهبة عدا عن استعراض ملابسها على الهواء… واستعراض بذاءتها تحت الهواء.

على الفضائيات أن تستدرك نفسها وتتحصن جيداً من طوفان إعلام الشباب القادم لا محالة، لأن الشباب قرفوا من استغفالهم وتجاهل وجودهم ومطالبهم. بقي علينا أن ننتظر لنرى، أي القنوات ستبدأ بالمبادرة باحتضان هذه المواهب.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s