“سلطنة” أم بقرة متعسرّة الولادة


إقبال التميمي

عندما كان عشّاق صوت أم كلثوم وغيرها من عمالقة الطرب العربي يفقدون السيطرة على أنفسهم، كان هؤلاء الغائبون عن الوعي نتيجة “السلطنة” والتحليق بين أجنحة الكلمة وأضلاع النغم، يطلقون الآااااااااه والأللللللللللللللللله من صدورهم بنشوة من انتشل من همومه. لكن هذا التعبير عن الرضا بالإجادة من حق الجمهور المسطول طرباً. لكنه مستهجن على مقدمي البرامج التلفزيونية.
هناك برنامجين يتم بثهما حالياً متصلين بالغناء، حيث المبالغة بالأللللله والأوووووه والـ يااااااااسلام، التي تطلقها مقدمتي البرنامج إلى درجة تكسر سقف المعقول، وتجعل المستمع يظن بأنه يتابع عملية ولادة متعسرّة لبقرة، لا لبرنامج متعلق بالغناء.
البرنامج الأول هو برنامج “آراب آيدل” الذي تشارك ضمن لجنة تحكيمه المغنية “أحلام”، والبرنامج الثاني هو برنامج “يللا نغني” الذي تقدمه المغنية “لطيفة التونسية”، ويتم بث كليهما من خلال شاشات “إم بي سي”.
من الجميل أن يعبر الإنسان عن إعجابه بصوت مميز أو لحن بديع. لكن مبالغة مقدمتا البرنامجين في التأوه تخطت منسوب المقبول، وأصواتهما تسلقت على أكتاف أصوات ضيوف البرنامج وضجيج الحضور، بحيث أصبح التعبير عن الانتشاء طرباَ أقرب إلى “الجعير”.
كان على “إم بي سي” أن تنصح مقدمتي البرنامجين اللتين تفقدان السيطرة على حنجرتيهما عند سماع صوت جميل أو غير جميل، بأن تسكتا عندما يلعلع صوت ضيف الحلقة. وأن ترفق المؤسسة عقدي عملهما بكاتم صوت يستخدم لتكتيف صوت المذيعة عندما يبدأ الآخرون بالغناء، تقليلاً لنسبة الضوضاء وترفقاً بطبلات آذان المستمعين، وحرصاً على أطفال الأمة العربية الذين يجب أن لا يستمعوا إلى كيل من توبيخ الكبار الموجّه لشاشة صماء.
الغريب في الأمر أن هاتان السيدتان لا تشعران بكمية المبالغة في التعبير عن رضاهما وأن الأصوات التي تطلقانها وكمشات الآه والأوه التي توزعانها بجود، لتمثيل دور الإعجاب بأصوات بعض المشاركين، هو أمر مستهجن.
بارك الله في مخرج برنامج لطيفة الذي تعاطف مع المستمعين، إذ يبدو أنه انتبه إلى انفلات كوابح السيطرة على الصوت لديها. حيث لاحظنا من خلال لقطات الكاميرا في حلقات لاحقة، أنه أثناء غناء الضيف، كانت شفاهها تتحرك ووملامحها مستنفرة وكأنها تغني من خلف زجاج عازل، لكن صوتها غير مسموع. التفسير الوحيد هو أن الميكرفون المرفق بها، تم تعطيله مؤقتاً من غرفة السيطرة أثناء غناء الضيف. لكن معاناتها نتيجة كبح صوتها بدت واضحه من خلال حركات يداها اللتان حاولتا من خلال التلويح ذهاباً وإياباً، تقمّص وظيفة حنجرتها لإبداء الإعجاب فلم تفلحا في التنفيس.

لكن السيطرة على صوت أحلام كان أمراً أصعب من محاولة تكتيف بافالو بري شموص، لأنها تجلس ضمن لجنة مكونة من ثلاثة أشخاص، ومقعدها يتوسط مقاعدهم، وأمام كل منهم ميكروفون. مما يعني أن كتم صوت ميكروفونها لن ينجح، لأن صوتها سيصارع طريقه عبر الميكروفونين المجاورين من كلا الطرفين، عندما تنفرط ضاحكة على المتعثرين كحبات مسبحة انقطع خيطها. ناسية بداياتها الشخصية، غير عابئة بتأثير هذه السخرية على مستقبل شباب أتوا متجشمين العناء، في بحث عن مستقبل أفضل. من المؤكد بأن هؤلاء الشباب سيخرجون من هذه التجربة محطمي الشخصيات بسبب كمية التهكم عليهم من قبل أشخاص، كانوا يعتبرونهم قدوة إلى حين لحظة صياح أحلام الللللللآاااااه في غير موضعها.
في عالم الترفيه التجاري، لا يهم عدد من يتم تحطيمهم من الشباب في الطريق إلى تسويق برنامج على شركة راعية. ولا يبدو أن هناك كثير اهتمام بحال الشباب الذين تم تهشيم شعورهم بالثقة بأنفسهم.
السؤال المحيّر هو لماذا لا تسيطر المرأة على نفسها عندما تسمع صوتاً تود تشجيعه كلطيفة، أو كسره كما تفعل أحلام؟ وإلى أن تتم الإجابة عن هذه التساؤلات، من المستحسن توفير كاتم صوت لكل من لطيفة وأحلام لنتمكن من الاستماع للأصوات المشاركة، والحكم عليها قبل أن تقوم أصوات الفنانات القديرات بالتسلق عليها وطمس معالمها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s