تشابه واختلاف في أشكال التمييز ضد الصحافيات

إقبال التميمي ومشاركة في مؤتمر الصحفيات البريطانيات ضد التمييز ضد النساء العاملات في الصحافة
إقبال التميمي
2012-01-20

موضوع ضرورة توظيف كفاءات إعلامية مستندة على دراسة أكاديمية خصوصاً فيما يتعلق بالمذيعات التلفزيونيات، ذكرني بلقاء العام الماضي لعضوات اتحاد نقابة الصحفيين البريطانيين ممن يعملن كموظفات غير متفرغات، والذي عقد في لندن لمناقشة مشكلة استبعاد الصحفيات من الساحة بطرق غير مباشرة أو غير واضحة الأسباب. صادف الاجتماع تاريخ الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في شهر مارس. وكانت الضيفة الرئيسية المتحدثة في الاجتماع، الزميلة ‘ديناه كين’، المديرة العامة لمؤسسة ‘سكيل سيت’ لتدريب الصحفيين، والتي وثقّت على مدى ما يزيد عن نصف قرن، نشاط الصحفيات في مجال العمل التلفزيوني والظروف التي يعملن بها ووثقت حالات التمييز ضدهن. هنا أستقطع انسياب الحديث، بالتذكير بأننا في الوطن العربي لم نوظف بعد امرأة لإدارة محطة فضائية أو مؤسسة لتدريب الصحفيين.

عبرت ‘كين’ عن قلقها لأن نتائج بحثها كشفت أن نسبة الصحفيات العاملات في مشاريع الإعلام السمعي والبصري في بريطانيا شهدت انخفاضاً مقلقاً، إذ شكلّت النساء الصحفيات عام 2006 نسبة (38 بالمائة) من مجموع العاملين في هذا المجال، هذه النسبة انخفضت إلى (27 بالمائة) بحلول عام 2009. المؤسف أن تراجع نسبة الصحفيات العاملات في التلفزيون، انخفضت من (45 إلى 41 بالمائة). هذه النتائج تعني أن 5000 صحفية في بريطانيا انسحبن من الساحة، مقابل 750 صحفي فقط، رغم أن 79 بالمائة من النساء العاملات في التلفزيونات البريطانية هن خريجات جامعيات ويحملن تخصصات تتعلق بمهنة الصحافة، بينما 63 بالمائة فقط من الرجال العاملين في التلفزيون هم من خريجي الجامعات. وهذا يعني أن إقصاء الصحفيات غير مبرر وقد يكون له علاقة مباشرة بالتمييز ضدهن لسبب أو لآخر.من ناحية أخرى، في الوطن العربي نسبة لا بأس بها من مذيعات التلفزيون ممن لم يقرأن بحثاً أكاديمياً واحداً عن مجال عملهن، وهذا واضح ليس من السقطات التي تم تسجيلها وبثها على الهواء فحسب، بل من خلال خبرتي العملية بالعمل مع بعض المذيعات اللواتي تم تعيينهن بالإيعاز من فلان أو علاّن، رغم أنهن لا يستطعن كتابة سطر واحد يليق بالنشر أو بالبث بأي لغة ممكنة بما فيها لغة الإشارة. لذلك يضيع الكثير من الوقت لكتابة ما يجب عليهن قراءته، وتدريبهن على قراءته، وتشكيل الكلمات من متخصص لغوي، وغيرها من مضيعة للوقت والمال والجهد. أذكر أن إحداهن كانت تدفع المنتج للنفخ بما يكفي لطهو طبخة لكثرة ما يعيده من تسجيل لحلقتها لكثرة أخطاءها لأنها منشخلة دائماً بتكبير وتصغير فتحة صدر قميصها. ورغم أن برنامجها كان يذاع على أنه على الهواء، لم يكن كذلك، لأنه كان يستغرق ما بين الخامسة والثامنة مساء لتصوير وإعادة تصوير وتحرير برنامج مدته لا تزيد عن 40 دقيقه معظمه يغطيه كلام ضيوف الحلقات.


من ضمن نتائج بحث ‘كين’، أنها وجدت أن نصف كادر النساء العاملات في التلفزيون تقل أعمارهن عن 35 عاماً، وأن عدد الصحفيات اللواتي يعملن دون أجر على أمل أن يتم توظيفهن، هي أعلى من نسبة الرجال (47 بالمائة إناث، مقابل 42 بالمائة ذكور). وهذه الأرقام مثيرة للقلق أيضاً. يشترك الوطن العربي مع نتائج بحثها من ناحية حصر عمر المذيعات بفئة عمرية تقل عن 35 عاماً. لكن شذّت عن القاعدة قناة ‘إم بي سي’ عندما وظفت السيدة ‘فوزية سلامة’ في برنامج ‘كلام نواعم’، ليس لأن ‘إم بي سي’ تؤمن بالمساواة المبنية على الكفاءة دون التمييز على اسس عمرية أو مظهرية، وإنما لأنها اشترت فكرة برنامج أمريكي اسمه’ ذي فيو’ بدأ بثّه عام 1997، تبعته نسخة بريطانية بعنوان ‘لوس وومن’ تبثه قناة آي تي في منذ عام 1999، وكلاهما نجح. وهيكل فكرة هذا البرنامج يستوجب وجود نساء من أعمار مختلفة. مع ذلك لا يمكن أن نضحك على أنفسنا وأن ندعي بأنه لا يوجد تمييز ضد الصحفيات، لأن المرأة في مجال الإعلام ما زالت تعتبر رمزاً يمكن استغلاله على أساس أبعاد جنسية. ومظهرها العام أهم من ثقافتها. فالرجل الذي يكبر في السن، ويشيب شعر رأسه، يمنح منصة أفضل ويتم ترقيته في السلم الوظيفي في مكان يتيح له الاحتكاك مباشرة بجمهوره من خلال توظيفه في تقديم برامج الأخبار والبرامج الحوارية على أساس أن مظهره يمنحه مصداقية. بينما عندما تتقدم المرأة العاملة في تقديم برامج التلفزيون في العمر، أو عندما يزيد وزنها، إما أن تشعرها الإدارة بالذنب وتسبب لها الضيق بأكثر من وسيلة وتلمّح لها بضرورة التحكم في مظاهر تقدمها في العمر، وإن لم تفهم بالتلميح تأتي مرحلة التصريح وتلوّح لها القناة بمنديل الوداع على خلفية تغيير في الدورة البرامجية. لكن في حالات أندر من هطول مطر الصيف في الصحراء، ولأن القناة تخشى من احتمال تعرضها للمقاضاة، يتم نقلها من أمام الشاشة إلى غياهب المكاتب كإدارية لتجلس في غرفة مبطّنة الجدران بالملفات، وقد تتم زيادة راتبها لإيهامها بأن نقلها عائد إلى خبرتها التي هم بأمسّ الحاجة لها.

نخشى أن يقولوا عنا مسترجلات

كانت ‘ماكس بيكمان’ مسؤولة مجلس المساواة والإنصاف المادي في نقابة الصحفيين البريطانيين قد أكدت أثناء اجتماع حضرته في النقابة، أن التمييز ضد النساء يشتد كلما كبرت المرأة في العمر ويتم تنحيتها من عملها على عكس الرجل الذي يظهر بشكل جذاب في برامج التلفزيون مهما كان عمره. قدمت ‘بيكمان’ أدلّة موثقة بالأرقام، عن تقاضي الرجال العاملين في الإعلام أجوراً أعلى من تلك التي تتقاضاها زميلاتهم رغم امتلاكهم لنفس الخبرات، وقالت إن هذا يعود لحرجنا كنساء من المساومة على أجورنا خشية أن يقولوا بأننا ‘صاحبات مشاكل’ أو’مسترجلات’. أؤكد للزميلة بيكمان أن الوضع في الوطن العربي مختلف، وهناك من تدفع من جيبها لتظهر على الشاشة، لأن العمل في القنوات التلفزيونية كمقدمة برامج يجلب معه مزايا أهم من الراتب. هناك مذيعة زميلة راتبها 35 ألف درهم، اشترت بعد عملها بثلاثة سنوات فقط فيللا حديثة في منطقة البرشاء في دبي بمبلغ 3.5 مليون درهم. زميلة أخرى تغيبت ما يزيد عن الشهر دون أن تحتسب من إجازتها السنوية، قيل لنا بأنها أرسلت لتتدرب على الصحافة في ‘واشنطن’. لكنها عادت تتأبط أداءها السيء، لا يبدو أنها تلقت تعليماً أو تدريباً صحفياً من أي نوع، خصوصاً وأنها لا تنطق بكلمة واحدة بالانجليزية، وكلما سئلت عن واشنطن تلعثمت وغيّرت الموضوع. إن لم تكن قد استفادت من التدريب الصحفي، يبدو أنها استفادت من صرف مبلغ لها لشراء ملابس دوناً عن غيرها من زميلاتها المذيعات.

كنت قد شاركت في المؤتمر السنوي المتخصص بالإشكالات التي تتعرض لها الصحفيات مما يؤثر على مكاسبهن المادية والأدبية، والذي صادف يوم الثالث من مارس 2009 وعقد في مقر نقابة الصحفيين في لندن. قالت حينها الزميلة ‘لينا كالفيرت’ مسؤولة قسم المساواة في النقابة أن الوضع مقلق بخصوص حصول المرأة الإعلامية على حقوقها بشكل عادل فيما يتعلق بفرص العمل والأجور، وهذا عائد إلى الصورة النمطية التي يقوم فيها الإعلام بعرض المرأة كسلعة قابلة للبيع من خلال ما تعكسه أغلفة المجلات والفيديوكليب والتلفزيون، مما يؤدي إلى عدم النظر الى كفاءتها بشكل جاد. لكن والحق يقال، أن غالبية زميلات المهنة في الوطن العربي هن اللواتي يسعين لتكن صورهن على أغلفة المجلات، ولم يتم استفغال براءتهن. الغريب في الأمر أن بعضهن ظهرن في وضعية ممددة على جانبها، وليست في وضعية الوقوف أو الجلوس. يتساءل البعض، ما علاقة ‘التسطح’ على الجانب بتقديم البرامج التلفزيونية. الجواب يبدو أن الغالبية العظمى من مذيعات التلفزيون يعانين من الإنزلاق الغضروفي أو البواسير.

قالت الصحفية والأكاديمية ‘كات بانيارد’ مسؤولة حملة محاربة التمييز ضد المرأة من فرع النقابة في مدينة بريستول أن دراستها أظهرت غياب المرأة في الإعلام الجاد، وأنه حتى في البرامج التلفزيونية المخصصة للأطفال،مثل برنامج ‘سي بيبيز’ كان جميع كتّاب النصوص والسيناريوهات رجال، إضافة إلى أن 70 % من الشخصيات في البرنامج هي أيضاً ذكورية. لا الوم الرجال على زيادة نسبتهم في برامج الأطفال. ماذا يفعل الإعلاميون الذين استبدلوا بنساء يرتدين تنانير قصيرة. عليهم أن يقبلوا بالمتاح من الوظائف مثل برامج الأطفال أو’الطبيخ’.

بالنسبة لأغلفة المجلات البريطانية. من ضمن 521 غلاف قمنا برصدها ودراستها، وجدنا أن 291 صورة منها كانت لأشخاص مشاهير صنع الإعلام نجوميتهم، 84 % من الصور كانت لنساء. بينما عندما درسنا 230 غلافاً لشخصيات تقوم بعمل جاد يحترمه القاريء مثل ممارسة الرياضة أو المشاركة السياسة وجدنا أن 15 % من الصور فقط كانت لنساء.

منتجة البرامج الوثائقية ‘كارولاين مايلون’ شاركتنا تجربتها وتحدثت عن صعوبة تسويق أعمالها كامرأة رغم خبرتها الطويلة في انتاج البرامج الوثائقية للقناة الرابعة، إذ تخصصت في إعلام الشرق الأوسط وأفغانستان. كما فتحت الزميلات ملف موضوع تحرش الرجال الذين يعملون في الإعلام بزميلاتهن جنسياً وقالت ‘ميغان دونبي’ أن محرر صحيفة الاندبندنت ‘بن دوويل’ لم يخجل من الإفصاح عن رأيه في هذا الشأن عندما قال ذات يوم أمام الجميع ‘ان صور النساء شبه العاريات تجعل الدنيا مكاناً أفضل’. لن اتحدث عن كمية التحرش الذي تعانيه الإعلامية العربية في وطنها، ليس من عامة الشعب فقط بل من زملاءها في العمل.كتبت الزميلة المغربية منية بالعافية في تقرير لها ‘مع أن المرأة الصحفية تنتمي لقطاع يوصف بالسلطة الرابعة، فإنها مازالت تسكت عن الكثير من الممارسات المهينة لها، وخاصة التحرش الجنسي. فقد أثبت بحث أولي قمنا به مع عدد من الإعلاميات أن التحرش الجنسي ظاهرة حاضرة بقوة في الوسط الإعلامي، سواء من قبل المسؤولين أو الزملاء أو من تلتقي معهم الإعلامية أثناء استقاءها للمعطيات والأخبار. غير أن حالات فضح تلك الممارسات تعد على رؤوس الأصابع’.

إن استثناء الإعلاميات اللواتي يتمتعن بثقافة واطلاع من المشاركة في برامج وفعاليات التعقيب على الصحافة أو شؤون الساحة أمر غير مبرر، وحشرهن في خانة التوافه من ماكياج وعروض أزياء يدل على أحد أمرين كلاهما مرفوض وهما: إما إفلاس مهني، أو تمييز ضد النساء.

إقبال التميمي/ مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا
http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=today20qpt890.htm&arc=data201211-2020qpt890.htm

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s