يلزمنا 500 عام من أكل قشر البطيخ “تا نصير” حمير

Image

إقبال التميمي

ما زال التأثير المقزز لتقرير الفضائية المغربية الذي بث يوم 15 من يناير 2012 ساري المفعول في دمائي. وما زالت معدتي تصل لحدود حلقومي كلما تذكرت دور الصحافة العربية في صناعة المستبدين وتأليه وتجهيز اللعب لاحتلال المناصب الدكتاتورية قبل أن ينشرخ صوت الواحد منهم، وقبل أن يبلغ سن الكابوس أو يظهر الوبر تحت أنفه.

أصابني الإعياء بعد بث تقرير الفضائية المغربية الأولى، الذي شاهدت من خلاله طفل لم يبلغ عمره التسع سنوات بعد، وهو يستعرض صفاً من القامات الطويلة التي تحمل على أكتافها رتباً عسكرية أثقل من وزنه، أثناء افتتاحه  لحديقة حيوانات في مدينة الرباط.

انحني أمامه كبار المسؤولين العسكريين والمدنيين بحيث لامست أنوفهم ركبتي الصغير أثناء تقبيلهم يده بانكسار، وهو يسير وسطهم بكل عنجهية دون أي أثر باد للخوف على وجهه من عالم الكبار وبقامة مشدودة إلى آخر سنتميتر تسمح به فيزياء مطّ عموده الفقري، ودون تردد في منحهم بركات يده الصغيرة التي أظنها ما زالت تتدرب على استخدام الصابون بعد استخدام دورة المياه.

يبدو أن الربيع العربي لن يزهر هذا العام رغم حرق المروج المسمومة لتطهيرها. فما زالت الفضائيات العربية تزاول مهنة تدجين الشعوب على تقبل آخر ما ينتجه خط الانتاج من مستبدين بالحجم الاقتصادي. وما زلنا نشاهد يومياً تمسّح أفراد الشعب بأفراد العائلات المالكة صغاراً وكباراً، وإلقاء الخطب والشعر الشعبي حتى يصدق الممدوح نفسه بأنه نصف إله، وأنه ليس كبقية خلق الله، لا يصارعه المغص فيضطر إلى كشف مؤخرته أمام حوض يتخلص فيه من بعض سمومه.

ما أحرجني حقاً هو أن زميل صحفي أذاع التقرير المذّل، ماسحاً ببلاط صاحبة الجلاله حذاء الصغير وهو يردد عبارات الانكسار مراراً وتكراراً عبر فرم طويل من عبارات التذلل ” سيدي ومولاي صاحب السمو …..الأمير الحسن”.

إن الصحافة العربية من خلال نماذج مشابهه أصبحت “كندرجي” الحكام المستبدين الذي يحمل ميكروفونه تحت إبطه لتلميع بساطير وأحذية وصنادل الشخصيات التي نفخها الإعلام إلى أن صدقت بأنها فوق الشعب بدرجات

Image.

أذكر كم كنت بسيطة الإدراك عندما شاركت في مخيم كشفي لمساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة، عقد على شاطيء مدينة العقبة في الأردن، وكنت حينها في الصفوف الثانوية. عندها جاءت صبية في مثل عمري ترتدي الجينز وتي شيرت وأنفها مرتفع بزاوية متجهة للسماء. حضرت لإثبات وجودها كداعم لذلك المخيم، استمر وجودها لبضعة دقائق. خلالها نهرني شخص مشرف على المخيم طالباً مني محادثتها عن ما نقوم به كمتطوعين منبهاً بشدّة، “إذا تحدثتي معها قولي لها يا ستي… فاهمه؟؟”.

 استهجنت الفكرة  لأنني لم أعرفها، ولأنها كانت أول مرة في حياتي أعلم فيها أن من تربطهم صلة مصاهرة ولو من بعيد جداً مع الأشراف أو مع الأسره المالكة، ينتقل الشرف اليهم أوتوماتيكياً ويجب مخاطبتهم بـ “يا سيدي” و “يا ستي” رغم صغر سنهم وقلة خبرتهم وخصوصاً أن كنية الصبية لم تشر من قريب أو بعيد إلى أنها من الأمراء أو الأشراف حسب معلوماتي. كل ما أذكره أنني تشوشت إذ لم أكن قد خاطبت أحداً من قبل بتعبير يا ستي سوى جدتّي رحمهما الله. لذلك انسحبت خشية أن أقع في محظور ولأستمع لشكوى أحد المشاركين الأجانب من ذوي الإعاقات، أتى من دولة أوروبية عبر الحدود البرية. كان ينقل معاناته حول الصعوبات التي واجهها من الجهات الرسمية التي كان يفترض أن تختم  على جواز سفره، وكم طال انتظاره في الشمس أمام المكاتب على الحدود لأنه حضر براً في عربة نقل مخصصة لذوي الإحتياجات الخاصة، كما عانى في العاصمة لأن المبنى الذي يفترض أن يصعد أدراجه ليحصل على التواقيع اللازمة، لم يكن مهيأ لذوي الاحتياجات الخاصة  ولا يوجد فيه مصعد، ولا كانت ارتفاعات الكاونترات مناسبة لخدمة المراجعين من ذوي الإعاقات، ولعدم وجود مراحيض لفك أزمته. لكن لم يكن هناك إعلام لينقل صوته، وحتى لو ووجد لم يكن ليتجرأ  صحفي على التغبير على الصورة المشرقة لكادر المؤسسات الرسمية في ذلك الوقت.

من ناحية أخرى كان في تقرير القناة المغربية الذي تعلق بافتتاح حديقة الحيوانات الكثير مما يسترعي الانتباه إعلامياً. فالصغير الذي يفترض أن لا يرتاح لوجوده بين جمهور الكبار من ذوي الرتب والمناصب والقامات المشرئبه، تعامل مع الوضع بثقة مطلقة تدل على أنه رضع النظر إلى الآخرين بدونية منذ الصغر. كما كشف التقرير عن غياب الأطفال عن الحدث وتجيير الطفولة والمرافق العامة للسياسة والتسييس. فالتهب الفضاء الالكتروني تهيجاً من هذا التقرير المتلفز باعتباره استفزازاً لكرامة الشعب المغربي العظيم. لكنني شخصياً أعجبت باللياقة البدنية للشخصيات العسكرية المغربية، إذ نادراً ما شاهدت أفراداً ينحنون إلى هذه الدرجة دون سبب مرضي يتعلق بالانزلاق الغضروفي أو تقوّس في العظام.

مضى على ولادة تعبير “السلطة الرابعة” 225 عاماً، منذ أن أطلقه إدموند بيورك على الصحافة في نقاش للبرلمان البريطاني عام 1787، لكن ما زالت صحافتنا تمسح البلاط تحت أقدام المستبدين في عالم السياسة حتى هذا الحين وبطريقة فظة وفجة.

قيل في الأثر أن علينا أن نتناول قشر البطيخ لمدة 500 عام حتى نصل مرتبة الحرية التي يتمتع بها الحمار في الدول التي تقدّر حقوق الفرد. لكن طال الانتظار، وأصبح قشر البطيخ عزيزاً بعيد المنال بعد أن سرقت أموال الشعوب وتم تهريب ثروات الأوطان إلى مؤسسات يديرها العم سام ونسايبه. وبات المواطن العربي في جيوب الفقر يحلم بقشر البطيخ الذي قد يقرّب المسافة بينه وبين الحمار، وبالتالي بينه وبين حقوق بقية مخلوقات الله.

رحم الله زمناً كان يقبل فيه الصغار أيادي الكبار كتعبير عن الاحترام والتقدير للخبرة المكتسبة من تقادم سنوات العمر.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s