البرامج “الحوايرية” على الفضائيات العربية ونقاط تثبيت الأكتاف

Image

إقبال التميمي

أصبحت البرامج الحوايرية على الفضائيات العربية تستوجب عرض إشارة تحذير لإخلاء غرف الجلوس من الأطفال ومن يعانون انسداداً في الشرايين بسبب سوء تصرف ضيوف الحلقات وغياب مهنية الإعلاميين. مشاهد الاشتباكات، وبذاءة الألفاظ، والعراك بالأيدي، وتقطيع الملابس والفراء، وإطلاق العيارات من نوع فم- أذن، والتسلق الصوتي،  أصبحت جزءاً لا يتجزأ من إعلامنا المرئي المتسارع الانحدار.

لا يمكن لأحد أن ينازع “فيصل القاسم” على لقب شيخ فتن الفضائيات، لأنه أول من أدخل إلى الفضائيات العربية وسيلة هزّ وتد إبليس والجلوس لمتابعة استعار الجحيم بنظرات تفتعل البراءة، مساهماً بازدياد نسبة المشاهدة رغم انحطاط أدوات الحوار وذلك من خلال برنامج الاتجاه المعاكس على فضائية الجزيرة.

لكن هذه الأساليب الساذجة من استقطاب الجمهور تناسخت واستقبحت وأصبحت عاراً على المتحضرين والمثقفين. إن انتهاج سياسة نقل ثقافة الشارع إلى الاستوديو حيث يتم جلب ديكين، يرمي بينهما ببذرة سمّ، ثم اطلاقهما على بعضهما ليمزقا كرامة كليهما، ما هي إلا أداة من ينقصهم الإبداع .

في البداية، أعجب الناس بأسلوب الـ “قاسم” لأنه كان استعراضاً جديداً على الفضائيات العربية، وإحدى طرق الملاكمة الكلامية التي تعتبر تنفيساً شبيهاً بما يجري بين بلطجية الأسواق، لكن بفرق أن المشتبكين على الفضائية يحملون ألقاباً مهنية وأكاديمية أحياناً، ويتمسكون بالعرى الوثقى لربطات عنق بيار كاردان.

شاهدنا أمس نموذجاً آخراَ من الإساءة إلى مهنة الإعلام على قناة أوربت. وهذه المرة شارك في المصارعة الكلامية ثلاثة أشخاص معاً. عمرو أديب، مقدم برنامج “القاهرة اليوم” من جهة، وعبلة فوزى، زوجة أحمد عز، رهين سجن طرة من جهة ثانية، ومن جهة ثالثة ضياء رشوان، الذي حاول السيطرة على الوضع لخفض منسوب الصراخ لكنه لم يفلح فاضطر في النهاية للانضمام للحلبة والمشاركة في المباطحة الصوتية. قد تدخل تلك الحلقة موسوعة غينيس للأرقام القياسية كأول حلقة يتحدث فيها ثلاثة أشخاص في آن واحد وفي نفس الوقت ولا يفهم من أي منهم شيء.

كانت الحلقة هجينة على الإعلام المهني لأن الزميل عمرو أديب، مقدم الحلقة، لم يكن حيادياً كما يفترض به كإعلامي يدير الحوار، لأنه دخل كطرف متضرر، على أساس أنه مواطن يحق له المشاركة في التشبيح وإبداء الرأي، رغم أن هذا التصرف مرفوض مهنياً لأنه كان هناك محكّماَ أو مديراً للحلبة وليس أحد أطراف المصارعة. كان هناك مدفوع الأجر ليقوم بخدمة إعلامية هي إدارة الحوار، لا ليدافع عن رأيه الخاص كمواطن عادي.

ما أستطعنا التقاطه من رذاذ الحديث المتناثر وسط الضوضاء، أن الحديث كان عن الفساد، وعن اعتراض السيدة فوزي على مطالبة عمرو أديب بالتفريق بين الحبايب في السجون. لأن “أديب” طالب بالتفريق بين ابن الرئيس المخلوع مبارك وزوج المتصلة، السيد عزّ. كانت حلقة زعيق متواصل لاعتراض السيدة فوزي على التفريق بين زوجها وصديقه حتى لو كان التفريق بائن بينونة صغرى. لم يكن هذا الموضوع هو النقطة الوحيدة مثار الاختلاف، لأن الزعيق استمر لفترة طويلة، لكن لتشابك الأصوات ورداءة نوعية الصوت القادم عبر الهاتف جعل الحلقة عبارة عن كوكتيل زعيق مفروم في خلاط صوتي بشكل يجعل الكلام عصياً على الفرز.

قبل ذلك بأيام، شاهدنا شجاراً آخر بين مناصر لبشار الأسد ومعارض له على شاشة الجزيرة في برنامج الاتجاه المعاكس، نزل الحوار فيه عن مستوى الحزام، ولأول مرة في تاريخ الفضائيات دخلت مقاعد المكاتب ضمن فئة قائمة الأسلحة. لذلك أقترح على القنوات الفضائية العربية تثبيت مقاعد المشاركين من ضيوف القناة، في أرضيات الاستوديوهات على غرار ما تفعله بعض المستشفيات والسجون في بريطانيا، حفاظاً على سلامة الموجودين ولتقليل نسبة الأضرار المادية.

إن من أهم أدوات قياس منسوب التحضّر، القدرة على الحوار والاستماع إلى رأي الآخر والنقاش باحترام دون تشنج أو قذف أو سبّ. لذلك على الزملاء الإعلاميين تذكّر أن هدف البرامج الحوارية السياسية والإخبارية تثقيفي في الدرجة الأولى، وأن الترفيه الاستعراضي، وكشف عورة ثقافة هذه الأمة المنكوبة، هو أمر معيب في حق هذه المهنة. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s