هل تنعكس تغيرات العالم على “القدس العربي”؟

 إقبال التميمي

 

إن التسارع الهائل في انتشار أدوات وتقنيات نقل الخبر باتت تشكل معضلة في حد ذاتها للعاملين والمستثمرين في المجال الإعلامي. كل يوم هناك تقنية جديدة تكتسح الساحة وتجبّ ما قبلها وتبدأ بمنافسة الأشكال الأخرى من تقنيات نقل وتوزيع الخبر.

عندما بدأ أول استخدام لإشارة اللاسلكي كذبذبات يمكن ترجمتها إلى حروف واستخدامها لأغراض غير عسكرية، ما بين أعوام 1887و 1920، بدأ تطويع هذه التقنية لخدمة الصحافة عن طريق إرسال المراسلين تقاريرهم أو أخبارهم كبرقيات إلى المكاتب الرئيسية للصحف، اختصاراً للوقت والجهد ودرءا لاحتمال عدم وصول الأخبار المحمولة ضمن البريد التقليدي. حينها ظن الناس أن هذه التقنية ستغير الإعلام وسيتوقف الزمن عندها.

 وعندما تحول أول بث إذاعي صوتي من خدمة قوات البحرية والجيش وبعض المشاريع التجارية، إلى خدمة مهنة الصحافة ونشر الخبر، خشي أصحاب الصحف حينها على مجالهم ومصدر استرزاقهم، واعتقدوا واهمين أن المذياع سيقتل صحافة الورق ثم يحلّ محلها. وعندما بدأ البث التلفزيوني، خشيت الإذاعات من تأثير هذا المنتج الجديد لأن الصورة جاذبة. واستمرت التطورات وما زالت جميع الوسائل المذكورة وبأشكالها المختلفة موجودة وقائمة ولكل منها جمهورها.

لكن كل منها أصبحت تملك أكثر من أداة. فالصحيفة الورقية، أصبح لها نسخة الكترونية، وغالبية الصحف رفدت مواقعها بأدوات عرض المواد الفلمية، وأضافت خدمة نشر آخر ما استجد من أخبار عبر شريط متحرك مقروء. لأنها اضطرت لمواجهة حقيقة أنه لم يعد من مصلحتها الانتظار 24 ساعة لحين طباعة العدد اللاحق وتوزيعه، بينما يتم نشر الخبر خلال ثوان عبر تقنيات أخرى.

كما لم يعد القارئ مجرد متلق سلبي للمعلومة، بل أصبح من خلال الانترنت صانعاً لها ومعقباً عليها ومكذّباَ لبعضها ومنافساً للصحفيين ومقيّماً لأعمالهم ورقيباً على المؤسسات الإعلامية التي بدورها لم تعد تجرؤ على استغفال المواطن. كذلك الأمر بالنسبة للتلفزيون، أصبحت برامجه في متناول اليد عبر فضائيات عامة وخاصة، وبرامجه متوفرة ومنسوخه لمن لا يصله البث عبر قنوات اليوتيوب ومنافستها فيميو، وأجهزة الهواتف النقّالة.

هذه التغييرات وضعت أصحاب المشاريع الإعلامية في مأزق الخضوع لسياسات التغيير لمواجهة المتغيرات المتسارعة، ومن ضمنها المصطلحات المستخدمة والتسميات. مثال بسيط على ذلك صحيفة القدس العربي التي سعت أثناء أوج نجاح الفضائيات إلى استقطاب المشاهد بنشر زاوية فضائيات وأرضيات، لمناقشة أمور إعلامية تظهر على الفضائيات. لكن آن الأوان للتوقف برهة أمام هذه الزاوية وإعادة النظر في مسماها ومحتواها، لأن الفضائيات بشكلها الكلاسيكي لم تعد القوة الوحيدة أو الجاذبة للمشاهد، ولم تعد تملك قوة التأثير والسحر الذي كانت تتمتع به وحدها دون غيرها لسنوات.هذا عائد بكل بساطة لكونها مصنفة كأدوات تخدم مشاريع أنظمة وحيتان اقتصاد يمررون أجنداتهم الخاصة لمزيد من المكاسب دون كبير اهتمام بالصحافة كمهنة لها شروطها وأخلاقياتها ومعايير نزاهتها وحرفياتها.  كما بدأت قنوات الشباب الخاصة على اليوتيوب بمنافسة تلك المؤسسات وسرقة جمهورها.

يتساءل المرء، من المسيطر على ساحة الإعلام إذاً؟ والجواب في رأيي المتواضع أن المسيطرين هم أفراد من فئة الناشطين إعلامياً، رغم أن غالبيتهم من الهواة ومن غير الإعلاميين، ممن باتوا ينافسون المؤسسات الإعلامية عن طريق بث موادهم عبر الانترنت. ومن الواضح بأن هؤلاء الأشخاص غير معنيين بالربح المادي كالقنوات التلفزيونية، وليس لديهم أجندات سياسية، وغالبيتهم يدفع الكثير من جيبه ليمنح صوته فرصة الوصول إلى الآخرين، وكشفت التجربة أن هؤلاء أقرب لنبض الشارع.

أصبحت الجماهير تؤمن بهم أكثر من ايمانها بما تبثه المؤسسات الإعلامية التقليدية، خصوصاً بعدما نقلوا واقع الشارع العربي أثناء انتفاضته العام الماضي على أشكال القهر والديكتاتورية. فاختطفوا الأضواء من شاشات الفضائيات من خلال صدقهم ومواهبهم رغم فجاجة بعضها، ومن محاولة تقديم المفقود لأن الفضائيات تنتهج أساليب الفلترة والتسييس والتحسيس على أصحاب السمو والجلالة والعظمة والسيادة والريادة.

لذلك كنت قد تناقشت مع الزميل حسام الدين محمد المشرف على زاوية فضائيات (وأرضيات) في صحيفة “القدس العربي”، وقلت له انني أرى أن زاوية فضائيات أصبحت ملزمة بتوسيع ثوبها. لأنه لم يعد كافياً لاستيعاب واحتواء مناقشات الإعلام الصوت- بصري ضمن خطوطها المحددة. لأنها بكل بساطة تقتصر على مناقشة مواضيع وأحداث تظهر على فضائيات المؤسسات بشكلها التقليدي. علينا أن نتقبل الواقع الذي يؤكد بأن هناك أشكالا أخرى من الإعلام مثل شرائط اليوتيوب وفيميو وهواتف الأندرويد وغيرها مما بات يعرض عبر الانترنت، تقوم بتقديم ما هو أوسع وأشمل مما تقدمه بعض الفضائيات، وتوفر تغطيات لا تقوم بعرضها الفضائيات لسبب أو لأخر.

بكل بساطة يجب أن تتغير زاوية فضائيات، وأن تتسع وتتطور بتطور أشكال بث الخبر. ورغم أن في أسفل الزاوية غرق النصف الآخر من العنوان، وهو “أرضيات”، وهو تعبير اتضح أنني أسأت فهمه عندما توقعت أنه يعني أشكال الصحافة الأخرى، من صحافة ورقية والكترونية وإذاعية، إلا أنه اتضح أن هذا لم يكن المقصود من هذه التسمية. على أي حال، القارئ يهتم بأعلى العمود وقليل منهم يصل ذيله ليحلل سبب رسوب الأرضيات في القاع.

ببساطة شديدة، على صحيفة القدس العربي أن تخرج من عباءتها القديمة وتواكب التطور السريع لعالم نقل الخبر، ليس بتوسيع رقعة زاوية فضائيات التي اختصرت أدوات نقل الخبر بالقنوات العربية التي حبست ذاتها في كبسولة يمتلكها بضعة أشخاص ومؤسسات، أوبتنحية أشكال أخرى من بث المعلومة المصورة المتحركة التي تمتلك صوتاً فقط، بل على الصحيفة أيضاً أن تجاري بقية سياسات الصحف بالإشارة إلى أسماء العاملين في كادرها ومسمياتهم الوظيفية وتوفير عناوين الكترونية لكل قسم على حدة، لتيسير أمور المتابعة والفرز.

لم تعد “القدس العربي” ذات المشروع الصغير الذي ولد من رحم الحاجة إلى وجود منصّة لا يمتلكها نظام. بل توسعت وأصبحت من ضمن أكثر الصحف العربية استقطاباً للقراء لأنها لا تخضع للي الذراع، ولا تضطر لدهن الزبدة لأحد لأنها لا تتلقى دعماً مادياً من أي نظام. رغم أن هذا الوضع جعلها تصارع بين آمالها العريضة بالتحسين والتطوير واستقطاب الصحفيين الجيدين ودفع أجور المجتهدين من العاملين تحت مظلتها، وبين كونها لا تملك من الدعم المادي ما يكفي لتحقيق الحلم. وهذا انعكس على بعض الجوانب التي يمكن تجويدها مثل توظيف شخص متخصص بتقنيات الوصول إلى محركات البحث وتصنيف الأخبار والأسماء بحيث تظهر ضمن محركات البحث تحت بند أخبار. ومنح المزيد من العناية للزاوية اليمنى من الصحيفة الالكترونية التي تتمسك ببعض الأخبار والصور لفترة طويلة نسبياً مقارنة ببقية أجزاء الصحيفة وبطريقة توحي بموات، لولا الاهتمام بالعمود الأيسر الذي يعتبر العمود الفقري للموقع.

على القدس العربي ارتداء حلّة تليق بصحيفة تنتهج المهنية بتعريف نفسها وكادرها للقارئ، وهذا أمر تنتهجه جميع الصحف. يجب أن يكون على موقعها صفحة أو وصلة تعرض تاريخ نشأتها وأسماء وصور كادر موظفيها والمبنى الذي تطبخ فيه التقارير التي جعلت الصحافة الغربية تضعها على لائحة أقوى المشاريع الإعلامية العربية في لندن لأن القارئ في الوقت الحالي لا يعرف سوى شخص رئيس تحرير الصحيفة الزميل عبد الباري عطوان فقط.

كإعلاميين لدينا فضول مثلاً لمعرفة اسم مدراء التحرير وسكرتير التحرير والمشرفين على الصفحات الثقافية او السياسية، ومعرفة إيميلاتهم التي يمكن من خلالها إرسال المواد وتحميل الصور أو الفيديو إلى قسم بعينه. تنبهت لهذه الأمور عندما وصلتني مكالمة هاتفية من أحد الزملاء العاملين على برنامج وثائقي حول الصحافة العربية في المهجر، وطلب مساعدتي في الوصول إلى صحافيين عرب زملاء من تخصصات معينة للتواصل معهم. ووجدت أنني بالفعل لا أعرف زملاء مهنتي ولا يمكن الوصول إليهم من خلال الموقع. حتى بالاتصال بالرقم الرئيسي للصحيفة، الذي تجيب فيه على المتصل عادة ذات السيدة التي تجيب دائماً بأنها لا يمكن أن تمنح أرقام هواتف أحد من العاملين في الصحيفة، دون تفريق بين ضرورة التواصل بين أبناء الحرفة الواحدة، وبين التواصل مع قارئ أو معترض يمكن تأجيل اتصاله حتى يعود المسافر من سفره أو يتفرّغ المشغول. هل يمكن اختصار الصحيفة بحاجب على باب صاحبة الجلالة، إن غاب توقفت عجلة الخبر؟

على الصحيفة تغيير مسمى إحدى زواياتها على الصفحة الأولى والتي تحمل عنوان أخبار خفيفة. تحت هذا العنوان تدخل أخبار لقصص قتل وتعذيب وسرقات واغتصاب، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تسمية هكذا أخبار بأنها خفيفة. قد تكون أخباراً مريعة، منوعة، صادمة لكنها ليست بأخبار خفيفة.

بالنسبة للصحيفة الورقية، الصحيفة منحازة للنص المكتوب وبحاجة إلى زيادة المساحة الممنوحة للصورة لأهمية العامل البصري في الإعلام. رعم أن ذلك قد يتعذّر بسبب الوضع المالي وشدّ الأحزمة، إن توفرت، من متطلبات شراء حقوق الصورة وإدراجها لحماية الملكية الفكرية. لكن لمعالجة هذا النقص يمكن فتح الباب لهواة التصوير وللناشطين ولمن لا يعترضون على عرض صور من انتاجهم مجاناً، حيث يمكن أن يحملّوا صورهم على الموقع بكل سهولة ويسر. فهذا الاقتراح يعود بالفائدة على الجميع لأنه يساهم بنقل الحدث، وتطوير ذائقة المصوّر والجمهور، ويزيد من كمية التفاعل مع الحدث. من خلال تجاربنا في هذا المجال نسينا آلاف المقالات ولم ننس صورة محمد الدرّة عندما قتل بيد الغدر الصهيونية، بينما والده يحاول ان يجعل من جسده درعاً يتلقى الرصاص عنه، ولا نستطيع أن ننسى حمالة الصدر الزرقاء التي أيقظت النخوة فينا بعد أن تجرأ أحد رجال الأمن المصري على فتاة محجبة واعتدى على سترها. ولن ينسى العالم الذي اعتاد رؤية الألعاب النارية في الأعياد والاحتفالات، صورة الفسفور الأبيض وهو يهبط من السماء ليحرق أطفال غزة أحياء حتى تتفحم عظامهم. نعم الصورة عكاز صحافتنا تتكيء عليها إذا عرجت، وتلوّح بها للمباهاة كإحدى أدوات التشخيص.

الشيء الوحيد الأكيد أن القدس العربي لها تأثير قد يتفاوت بين متلقي وآخر. فبعض المؤسسات الدكتاتورية تصاب بالحساسية لمجرد ذكر اسمها، والبعض يكرهها لدرجة أنه يغمى عليه إذا ذكرت “القدس العربي” ثلاثاً، وهناك من يستعيذ بالله إذا ذكرت أمامه، وهناك من ينتظر تجديد الصفحة ولا يخلد للنوم قبل أن يطالع الجديد فيها ويحب الصحيفة إلى درجة تناول عشاءه من وجبة الفلافل مخلوطة بحبرها. يختلفون في مشاعرهم تجاهها، لكنهم جميعاً يقرأونها. البعض “يزلطها” بسهولة ويسر مستمتعاً، والبعض الآخر يشرب “جردل” من ماء الكوثر ليبتلع أحد مقالاتها، والبعض الآخر يفليّها يومياً، متوجساً اليوم الذي سيظهر فيها خبر اكتشاف “هبشاته” من المال العام وفساده.  لكنها تبقى منصة تمنح صوتها لمن لا صوت له.

مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s