في الكتابة عن الحب في الأدب الإسباني

قصائد دي  ميوسيد

قصائد دي ميوسيد

  كبير كهنة “هيتا” ألّف كتاب “آي ليبرو دي بوين آمور” (كتاب الحب الجيد)،  والذي يعتبر إلى حد ما نوعاً غير متوقع من الكتب، نقصد بذلك أن يكون كاتبه رجل دين، وبنفس الوقت استخدم فكاهة خليعة

 تأثير الأمم عبر العصور في الكتابة عن الحب في الأدب الإسباني

  إقبال التميمي

هناك فترة تاريخية مفصلية أثرت في الأدب الأسباني، حينما احتل الرومان شبه الجزيرة الأسبانية لفترة امتدت نحو 600 سنة بدءًا من القرن الثالث قبل الميلاد. إثر ذلك الاحتلال ورثت أسبانيا اللغة اللاتينية الدارجة التي يتحدث بها عامة الناس. وهذه اللغة ولدت اللغات الرومانسية التي بقيت منها اللهجات الثلاث الأكثر شيوعًا وهي اللهجة القشتالية، واللهجة الغاليسية ـ البرتغالية، واللهجة الكتلونية.

أقدم ما وصل إلى أيدينا من الأدب الإسباني المدوّن كان باللغة اللاتينية، ويعود إلى العصر الروماني والفترة القوطية الغربية. وهذا الإبداع متمثل بشكل أساسي بأعمال المشاهير من الكتّاب مثل الشاعر (لوكان) الذي ترجم (خاوريغي) أعماله الشعرية المعروفة بـ”الفارساليا” إلى الإسبانية ، وسينيكا (لوكيوس أنّايوس) الفيلسوف والخطيب والكاتب المسرحي الروماني المولود في مدينة قرطبة الإسبانية الذي نقل حسّاً إسبانياً خاصاً بتركيزه وتأكيده على مفهوم الشرف والذي تحدث من خلال كتاباته عن التحمّل والشجاعة.

نقل “سينيكا” بشكل خاص من السنة الرابعة قبل الميلاد إلى السنة 65 ميلادية، حسّاً إسبانياً خاصاً بتركيزه وتأكيده على مفهوم الشرف من خلال كتاباته بمنتهى الفطنة والذكاء. وعلى الرغم مما واجهه من حظ عاثر، أطلّ بين الحين والآخر من خلال كتاباته الرزينة على مختلف المجالات الأدبية، بما فيها الشعر والدراسات والأعمال الدرامية. ويتضح لنا من خلال أعماله المتنوعة التقاءها مع الاتجاهات الأدبية الحديثة في الوجودية، حيث يطل الازدراء الشديد والانطواء الأرستقراطي خصوصاً من خلال مؤلفاته في السياسة التي تعتبر من خصائص أسلوب الكتابة الرومانية والإسبانية. كشف سينيكا كذلك عن اتجاه ديني وموقف عميق، جعل العديدين يشهدون له بأنه من رواد الكتابة المسيحية. كان هذا هو أحد الأسباب الكثيرة التي جعلت منه الكاتب الأكثر تأثيراً في العصور القديمة، خصوصاً في أدب شبه الجزيرة الإسبانية.

كانت هناك فجوة كبيرة وانقطاع ونزاعات أثناء الفترة الانتقالية من الحقبة الرومانية إلى الفترة القوطية الغربية. فوجود الثقافة القوطية الغربية كان لها تأثيرها السلبي في الأدب الذي كان يعتبر في كل الأحوال أحد مجالات الإبداع القوطي الغربي. لكن بعد تحوّل المحتلين الشماليين إلى الديانة المسيحية في الثامن من العام  589 ميلادية، تم توحيد ديانة البلاد، وبدأ بعدها ظهور شعر “مناسب” في توليدو وسرقسطة. وكتب سان سيفيلا في أشبيلية موسوعته الشهيرة التي جمعت الفكر القديم والوثني تحت مظلة المبدأ المسيحي الموحد. وأنتج الإسبان أروع إبداعاتهم الأدبية خلال القرنين الأول والثاني الميلاديين. هذه الحقبة التي أُطلق عليها فيما بعد اسم العصر الفضي.

وعندما وصل المسلمون إلى إسبانيا أحضروا معهم بذور أهم وأعظم أدب الحضارات في العالم على الإطلاق. وحيث أن المسلمين تحفظوا على الفنون التطبيقية التي تصور الشكل البشري، ركزوا بدلاً من ذلك على الفنون المتعلقة بالآداب من أساليب النثر العربي الكلاسيكي والشعر أثناء تأسيس وتطوير الدولة، إلى أن بلغوا الذروة في إسبانيا الجديدة. وشاعت في هذه الفترة أشعار اليهود الإسبان مثل يهودا هاليفي، وصموئيل هاناجيد، وسليمان بن جيفرول، مع ذلك كان شعر هؤلاء بالعبرية مما جعل تأثير انتاجهم في الأدب الإسباني شبه معدوم. لكنهم أضافوا كمترجمين الكثير إلى الأدب ليجعلوه في متناول الإسبان. ويمكن ملاحظة الأعمال الفلسفية لليهود في إنتاج موسى بن ميمون في قرطبة، من خلال مؤلفه المرشد للمحتار الذي يعتبر أحد روائع التفكير المنطقي.

كشفت الدراسات الأخيرة للشعر الرومانسي بالإسبانية من فترة القرن الحادي عشر الميلادي، أن الكتابة الأدبية الإسبانية تعود إلى تاريخ أقدم مما كنا نعتقد سابقاً. والمقاطع الشعرية التي تم اكتشافها كانت من الشعر الشعبي العربي، ومن الواضح تماماً أنها كانت معدّة لأن تكون قصيدة مغنّاة، حيث ركزت على اللحن الموسيقي وكان مضمون موضوعها يتناول الحب.

اهتمت الكتابات الكاستيلية اثناء بدايات العصور الوسطى بشكل خاص وأساسي بتناول مواضيع الغزل والحب والحروب. مما أدى إلى إنتاج شعر ملحمي كما كان الأمر شائعاً حينئذ في الدول الأوروبية. أشهر ما كتب في هذا المجال في اسبانيا في تلك الفترة كانت “قصائد دي  ميوسيد” حيث تحدثت عن المحارب الأسطوري، ايل سيد، الجندي المغوار المندفع بشجاعة غير معهودة، ويبدو أن تلك القصائد كانت قد كتبت أو جُمعت عام  1140ميلادية، وكانت مكونة من  3700 قصيدة.

وبسبب أهمية المدينة الغاليشية، فرض سانتياغو دي كومبوستيللا من خلال المذهب الكاثوليكي أن تكون الغاليكية هي اللغة الرسمية للأدب في القرن الثالث عشر الميلادي. ثم تطور من هذه اللغة بعد ذلك نوع من الشعر العاطفي أثر في الأدب القشتالي.

أحد أهم وأعظم أعمال هذه الفترة كانت مجموعة الأغنيات التي سميّت “كانتا غاس دي سانتا ماريا” والتي تناقض عنوانها التقي، كونها مجموعة من القصائد الغنائية التي تتحدث عن الحب، ومكرسة بشكل كبير للحديث عن الفتيات الشابات في ذلك البلد، حيث تتحدث عن بنات المزارعين وعن المشاغبين ومن هم على شاكلتهم.

نسبت مجموعة أغنيات “كانتا غاس دي سانتا ماريا” إلى الملك الكاستيلي الفونسو إيل سابيو (الحكيم) الملك الذكي والمثقف الذي آمن بتثقيف وتعليم شعبه. سجل تاريخ اسبانيا بنثر حمل عنوان “كرونيكا جنرال” وكانت هذه هي المحاولة الأولى والأصلية لتدوين التاريخ الاسباني. بعدها توالت المحاولات وتتابعت في تسجيلها للتاريخ.

أحد أهم وأعظم شعراء العصور الوسطى الذين كتبوا في القرن الرابع عشر هو كبير كهنة “هيتا” مؤلف كتاب “آي ليبرو دي بوين آمور” (كتاب الحب الجيد)، والذي يعتبر إلى حد ما نوعاً غير متوقع من الكتب، نقصد بذلك أن يكون كاتبه رجل دين، وبنفس الوقت استخدم فكاهة خليعة ونبرة اسبانية بفطنة متناهية.

استفاد مؤلف “آي ليبرو دي بوين آمور” (كتاب الحب الجيد) بشكل واسع من التلاعب بالألفاظ والكلمات، منذ ذلك الحين انتهجت هذه الخاصية كثيراً وأصبحت ميزة الأدب الاسباني الحديث فيما بعد في.

كان محتوى كتابه وقحاً ورقيقاً في ذات الوقت، وكانت احدى شخصياته الرئيسية “تروتاكونيفيتوس” (الوسيط)، من الشخصيات التي تكرر استخدامها في الأعمال اللاحقة فيما بعد. كان “تروتاكونيفيتوس” شخصاً فضولياً، من أولئك الأنذال الذين يدسون أنوفهم الطويلة في شؤون الآخرين، خصوصاً في المواضيع التي تتعلق بالحب.

كان الكتاب رائداً أيضاً من حيث انه أول كتاب ناقش علاقة رجل الدين بالنساء. هذا الموقف الصريح تجاه رجال الدين الاسبان بشكل خاص كشف عن موقف الاسبان ومشاعرهم تجاه دنسهم، فقد كانوا يؤمنون بالكنيسة بشدة ولمدة طويلة، لكنهم كانوا مدركين بأن حراسها وسدنتها كانوا بشراً ولم يكونوا فوق مستوى الشبهات.

من ضمن أفضل إنتاج العصور الوسطى من الشعر في فترته المتأخرة مقتطفات أدبية من أشعار متنوعة المواضيع كتبها شعراء البلاط الملكي كانت قد جُمعت للملك خوان الثاني. أطلق على هذه المجموعة عنوان “كانسيونيرو دي باينيا” وتحتوي على الأقل على عمل اثنين من أفضل الشعراء، وهما خوان دي مينا الأندلسي، وماركيز دي سانتيللانا الكاستيلي الذي كتب أروع المؤلفات السيرانيلية بأسلوب أقرب للأسلوب الفرنسي أو الغاليكي “الباستوريللي” وصف فيه الحياة في الريف، ومرة أخرى ركز في شعره بشدة على الفتيات الريفيات وعاداتهن في الحب.

حدث الانتقال الأدبي في العصور الوسطى إلى الريسكانية في الفترة التي امتدت من فترة حكم الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيللا إلى زمن حفيدهما كارلوس.

وكان من أعظم نتاج هذه الفترة رواية “لاسيليستينيا” التي كتبها “فرناندو دي روغاس” واعتبر البعض أن هذه الرواية، هي نقل عن بعض المراجع اليهودية، وذلك من خلال نغمة كتابته. استخدم “لاسيليستينيا” أيضاً شخصية تروتاكونيفيتوس كشخصية رئيسية، وأطلق على روايته لقب الرواية الأدبية الأوروبية الأولى.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s