الملكة ذات الحذاء المهتريء

ناديا الجندي في دور الملكة نازلي في مسلسل "ملكة في المنفى"

ناديا الجندي في دور الملكة نازلي في مسلسل "ملكة في المنفى"

من غير المعقول أن الملكة التي ترزح تحت ثقل كذا قيراط من الألماس، وهي الملكة وأم الملك، أن ترتدي يوم حفل زفافه حذاء مهترئاَ، وكأنها كانت ترتديه حينما كانت تتسوق في سوق شعبي مليء بالغبار والحفر والمياه الآسنة.

إقبال التميمي

الإعلام التلفزيوني يناقض نفسه عندما يعتلي القمة على أكتاف العمل الدرامي، الذي يموّل قنواته الإخبارية من مدخول تسويق انتاج القنوات الترفيهية الشقيقة. لأن قنوات الأخبار ليس لديها فسحة الاستفادة من مردود الدعايات. في ذات الوقت يتم تهميّش أكاديميي الدراما وصحفييها في استضافات البرامج الإخبارية، وكأن الصحفي الذي كتب خبراً عن الدراما أصبح مبتوراً عن كل ما درسه وعايشه من واقع سياسي، وتقوقع في شرنقة المسلسلات الدرامية وبرامج الترفيه التي أوصله قدره إليها لأنها المهنة المتاحة لتحصيل ثمن لقمة العيش، دوناً عن العمل في المحطات الإخبارية التي يكن لها المشاهد الاحترام الشديد، رغم انكشاف عورتها السياسية عدة مرات.

ينظر الشعب العربي نظرة دونية إلى الدراما والعاملين فيها قياساً على مؤشر الاحترام والتبجيل ومقارنة بالعاملين في حقل الإعلام السياسي المباشر. وهذه نظرة قاصرة جداً لارتباط الحقلين ببعضهما ارتباطاً وثيقاً. فمن هو المسؤول عن تشكيل وعي الشعب التفاضلي.

هذا التساؤل وجدت جزءا من الإجابة عليه عندما شاهدت مسلسلين تاريخيين توثيقيين سياسيين أودعا خانة الدراما، تم عرضهما في ذات الوقت على الفضائيات العربية وبالذات قناة “إم بي سي” وقناة “دبي”. وانشغل المهتمون بالدراما التاريخية بهذين العملين الذين حفيا بكل أنواع الترويج الإعلامي ووصفا بأنهما من فصيل مميز . خصوصاً وأن كليهما يلقيان بعض الضوء على مجتمعات التاريخ العربي والإسلامي. أحد العملين أنتج باللغة العربية والآخر بالتركية. الأول مسلسل “ملكة في المنفى” عن حياة الملكة نازلي من بطولة الممثلة المصرية ناديا الجندي، والثاني “حريم السلطان” عن قصة حياة السلطان العثماني سليم، من بطولة الممثلة التركية مريم أوزلي التي لعبت دور “هيام”.

بمتابعة كلا المسلسلين، نجد أنهما لم يلتقيا إلا في الحبكة المتعلقة بدور “الحريم” في التأثير على السياسة، وأن الحريم هن اللواتي يقدن الدول من غرف النوم وليس الرجال كما رسم الوضع خيال منتجي هوليوود.

مسلسل “حريم السلطان” كشف عن ميزانية ضخمة جعلت من أدق التفاصل مثل صناعة المدافع التي فتحت بها البلاد والجيش الكامل المجهز عدداً وعدّة من الألف إلى الياء، جزءاً من فخامة الانتاج. كل شيء كان مدروساً بدقّة متناهية. على عكس المسلسل العربي “ملكة في المنفى”. والأمر لا يعود إلى كمية الاستثمار في العمل الدرامي، وإنما إلى تفاصيل صغيرة كان يمكن تفاديها.

مثال على ذلك، في الحلقة السابعة من مسلسل ملكة في المنفى، يوم زفاف الملك فاروق، حيث نغوص في واقعية صورة الزفاف وانعماء أبصارنا لشدة رهج ووهج الألماس المتلأليء المنعكس عن رؤؤس وجيدان ومعاصم وصدور نساء العائلة المالكة لتوضيح فكرة شدة البذخ والثراء، تتوعك الملكة نازلي، وتظهر وقد انتقلت من قاعة الحفل إلى غرفتها مستلقية على السرير بكامل ملابسها التي ظهرت فيها في قاعة حفل زواج ابنها، ملك مصر.

قبل تعبها بدقائق

قبل تعبها بدقائق

بالطبع أمر عادي أن تستلقي الملكة في سريرها لأنها متعبة، لكن من غير المعقول أن الملكة التي ترزح تحت ثقل كذا قيراط من الألماس، وهي الملكة وأم الملك، أن ترتدي يوم حفل زفافه حذاء مهترئاَ، وكأنها كانت ترتديه حينما كانت تتسوق في سوق شعبي مليء بالغبار والحفر والمياه الآسنة. كانت حبكة الدراما الرئيسية، أن الملكة تعاني من حبسها في القصر، وتتذمر من بقاءها في غرفة مغلقة طيلة الوقت. فمتى سنحت لها الفرصة بإرهاق حذاءها وتعذيبه إلى درجة الإعدام كما بدا في المسلسل. ألم يستطع المنتج أن يستعير لناديا الجندي حذاء نظيف القاع أثناء تمثيلها لدور ملكة مصر؟ وإن تعذّر عليه ذلك، أما كان باستطاعته الخروج من المأزق المحرج بتصرف بسيط ومنطقي، وهو بأن يطلب منها أن تخلع حذاءها في لقطة التصوير على السرير؟ لو فعلت، ما كان لأحد أن يستنكر عليها ذلك، لأن الملوك أيضاً يعرفون أبجديات العناية الصحية، وأن الحذاء متسخ أم نظيف، يجب أن لا يحمل إلى السرير لأن الفراش يلامس الجلد وقد يسبب الأذى الذي بدوره قد يلوث سمعة البلاط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s