استقراء تأثير فضيحة تنصت روبرت مردوخ في بريطانيا على المنطقة الخليجية

 

Image

إقبال التميمي

تكلفة فضيحة تنصّت شركة” نيوز كوربوريشن”  المملوكة من قبل روبرت مردوخ، الشريك الجديد في مؤسسات إعلام الأمير الوليد بن طلال، على هواتف الآلاف من الشخصيات في بريطانيا، وصلت في ثلاثة أشهر فقط إلى ما ما يزيد عن 200 مليون دولار.  وتجرؤ شركة مردوخ التجسس على هواتف العائلة المالكة ورؤساء وزراء بريطانيا، جعلت عيون العاملين في الإعلام البريطاني والمكافحين للفساد في الدوائر المختلفة، تدور في محاجرها هلعاً من مدى سطوته، إذ وصل لحجرات نومهم. لذلك انبرت نقابات أصحاب المهن المتعلقة بالإعلام والصحافة والمطابع، في حشد القوى لوقف تغولّه في بريطانيا ووقف امتلاكه للمزيد من المؤسسات الإعلامية، وكشف ما استتر من سياسات هذا الرجل الذي يحاول السيطرة على سياسات الدول من خلال منفذ عولمة الإعلام والاستثمار فيه.

لذلك يعتبر دخول مردوخ ممرات القرار في العالم العربي من خلال نافذة الاستثمار في الإعلام يحتاج إلى أكثر من وقفة مراجعة لقياس مدى المخاطرة، لأن الأحداث أثبتت أن مؤسساته وكادره المهني يفتقرون إلى النزاهة والشفافية مما سيجعل خطره على أمن المنطقة مضاعفاً لأنه سيملك مفتاح الأمن الاقتصادي والاجتماعي دون وجود آليه لمساءلته. لأن للإعلام دور رئيسي كبوابة ضبط للأمن السياسي . ليس لأن الإعلام هو من أكثر أدوات السياسة خطورة فحسب، بل لأن المنطقة العربية بشكل عام ما زالت بؤرة حساسة لأي تدخل أجنبي تقني لانعدام وجود قاعدة كفاءات علمية لمتابعة وكشف أي عبث بأمن المنطقة من خلال تقنيات الاتصال وما يتعلق بها من علوم حيث تسارع منحنى التقدم فيها في دول الغرب أشد صعوداً وأسرع من قدرات الدول العربية في اللحاق بها أو كشفها. إضافة إلى الوضع الحالي الذي تمر فيه المنطقة من تحولات ديمقراطية وحيث تعتبر المعلومة التي تمر عبر الاعلام الجماهيري هي إحدى أخطر الأسلحة حادة الطرفين. لأنه على هامش الاستثمار في المشاريع الإعلامية يتم رصد خفايا الدول الداخلية والتجسس على سياساتها ومراقبة تحركاتها. ومن خلالها تتم قولبة المواطن فكرياً واجتماعياً وسياسياً مما يعني التحكم في استثارة جمعية وتهييج وترويج لأيدولوجيات أشد خطراً على الهوية الثقافية من أي حرب مكشوفة بمعناها التقليدي.

 

من ضمن فعاليات نقابة الصحفيين البريطانيين لمعالجة ما أفسدته مؤسسات مردوخ في بريطانيا، عقد يوم 16 من مارس 2012 مؤتمر حول مستقبل الإعلام إثر انكشاف فضيحة التنصت. وجرت الفعاليات في مركز الأرنولفيني الثقافي في مدينة بريستول برعاية من أكثر من مظلة إعلامية، بما فيها فرع النقابة التي أنتمي لعضويتها. حمل المؤتمر العنوان المستفز “اخترقنا إلى أشلاء: استعادة ثقة الشعب بالصحافة”. كان من ضمن المتحدثين في المؤتمر اللورد هنت، رئيس مجلس الشكاوى على الصحافة، ومايك نورتون، رئيس تحرير صحيفة بريستول ايفنينغ بوست، وثيس بورتيللو شريمبتون، منسقة حملة مقاومة الاختراق في صحيفة الغارديان والتي تابعت تحقيق الليفيسون حيث يتم إضافة ونشر كل جديد حول التحقيق على موقع الكتروني ليتاح للجميع متابعة ما وصلت إليه التحقيقات. كذلك شارك ريتشارد بابييت، المراسل السابق لصحيفة الديلي ستار والذي فضح الأنشطة الشائنة التي تقوم بها بعض الصحف الشعبية، كما شارك ستيف برودي، مراسل الشؤون المحلية في “بي بي سي”.

وفي اليوم التالي 17 مارس/آذار 2012 عقد مؤتمر آخر في مقر اتحاد النقابات المهنية في لندن بعنوان “محاسبة بارونات الإعلام: كيف نجعل وسائل الإعلام عادلة للجميع؟”  وذلك من أجل مناقشة ملكية مؤسسات الإعلام، والضوابط عليها، وتحقيق ليفيسون، وكيفية انتاج صحافة حرة نزيهة. لأن ما تم اكتشافه حتى الآن من أساليب صحف مردوخ الملتوية في بريطانيا، وضعت الصحافة البريطانية في أزمة. تصدّي النقابيين لمردوخ إثر انكشاف فساد مؤسساته، أجهضت محاولاته في السيطرة على “بي سكاي بي” وشراءها، وهي أكبر شركة بث في أوروبا. وبدأت إثرها حملات تساؤل العاملين في مهنة الصحافة وغيرهم، عن هوية الذي يسيطر على الإعلام وعلى صناعة الأخبار وتشكيل الرأي العام، من أجل محاولة إحداث إصلاح جذري للمؤسسة الإعلامية البريطانية التي ساءت سمعتها وانخفض منسوب مصداقيتها الجماهيرية على يد مردوخ.

لذلك لم يكن مستهجناً أن شارك في المؤتمر سياسيون، وممثلين عن النقابات المهنية، وصحفيين، وناشطين، وأكاديميين. وذلك من أجل إيجاد طريقة لإصلاح السلطة الرابعة. من ضمن المتحدثين كان كل من: فرانسيس أوغرايدي، نائب الأمين العام لاتحاد النقابات المهنية، وميشيل ستانيستريت، الأمين العام لنقابة الصحفيين البريطانيين، وتوني بيرك، مساعد الأمين العام لمنظمة اتحدوا، وغرانفيل ويليامز، من حملة من أجل حرية الصحافة والبث الإذاعي والتلفزيوني، والبروفيسور توم أومالي، أستاذ دراسات الإعلام في جامعة أباريستويث، وجميمس كيوران، منسق لجنة إصلاح الإعلام، والبروفيسورة نتالي فينتون، أستاذة الإعلام والاتصالات في جامعة لندن، وجيم بوميلحة، رئيس الاتحاد الدولي للصحافيين.

هل ستنجح شراكة الأمير مع مردوخ؟

الجميع يعرف أن الأمير الوليد بن طلال، رجل أعمال سعودي ومستثمر من الدرجة الأولى ويمتلك حالياً 5.7% من أسهم شركة نيوز كورب من خلال حصص شركته المملكة القابضة، مما يجعله ثاني أكبر شريك لمردوخ. وكانت مجموعة روتانا التي يمتلكها الوليد قد أعلنت أن شركة نيوزكورب قد توصلت إلى اتفاقية مع روتانا لممارسة 50% من حقها باستثمار (70 مليون دولار) لزيادة حصتها السابقة. وستستحوذ نيوزكورب بموجب الاتفاقية الجديدة على أسهم حديثة الإصدار في روتانا تقدر بـ (35 مليون دولار)، لترتفع حصتها الكلية إلى 14.53%. كما ستحتفظ نيوزكورب بالحق في زيادة نسبتها بمبلغ  (35 مليون دولار) حتى نوفمبر 2012.

يبدو أن فراسة الوليد خانته هذه المرة عندما اشتعل به الحماس لتوسيع رقعة استثماراته، بمد يده لمشاركة روبرت مردوخ في المجال الإعلامي. وورطته الاستثمارية تعتبر مغامرة قد تكون غير محسوبة العواقب، لأن المخاوف هنا لا تتعلق بحسابات رجال الأعمال من النواحي المعهودة من توقعات الكسب والخسارة واستقراء مستقبل السوق، بل بأخلاقيات ونزاهة إدارة العمل الإعلامي وعلاقة ذلك بالأمن القومي والسياسات الدولية. لأن كل ما كشفته التحقيقات في بريطانيا تدل على أن روبرت مردوخ لا يتوانى عن خيانة أي كان، وبإمكانه استخدام وسائل أبعد ما تكون عن أخلاقيات أي مهنة لتحقيق مآربه التي قد لا تكون بالضرورة مادية بحته أو مباشرة تحسب على مؤشرات السوق، وإنما مآرب تتعلق بالنفوذ والسيطرة وتطويع المؤسسات وتحريك المشهد السياسي كما يشاء.

حسب نتائج الربع الأخير من عام 2011 اتضح أن شركة مردوخ خسرت في ثلاثة أشهر، 87 مليون دولار لتغطية التكاليف القانونية للمحامين العاملين على رقع الخروم التي أحدثتها فضيحة التنصت على الآخرين إضافة إلى تكاليف أخرى متعلقة بالتحقيقات. وفي الربع الذي سبقه، خسرت شركة مردوخ، مبلغ 108 مليون دولار أيضاً بسبب هذه الفضيحة وما زال العدّاد يدور. باختصار، ما يعادل 15 % من خسائر شركته، اضطر على دفعها كتعويضات للمتضررين من المتنصّت عليهم. قدرّت تلك التعويضات بقيمة 15 مليون دولار. بمعنى أن روبرت مردوخ لم يتصرف وفق أخلاقيات المستثمرين ولا الإعلاميين، وخرقه للقانون وحقوق الأفراد الشخصية حشره في خانة النصابين والجواسيس.

يدفع مردوخ ثمن هذه الفضيحة المدوية باهضاً، لأنه تورط مع الصحافة البريطانية حيث يوجد حق قانوني واضح يكفل لأي مواطن الوصول إلى المعلومات، وحيث يوجد هيئات نقابية تحمي الصحفيين الذين يدخلون أيديهم في جحور صحافة الاستقصاء. لكن من الذي سيتجرأ على استقصاء وكشف فساد مردوخ لو أساء لدول الخليج بعد شراكته مع الوليد، أو قام بعمليات تجسس على شخصيات أو مؤسسات عربية أو خليجية ذات وزن سياسي واقتصادي كما فعل في بريطانيا. ماذا لو استخدم مردوخ أساليبه الملتوية لابتزاز شخصيات عربية أو تجسس عليهم كما فعل مع رئيسي وزراء بريطانيا، توني بلير وغوردون براون أوكما فعل مع الأسرة المالكة في بريطانيا، وهل لدينا في الوطن العربي صحافة استقصاء على مستوى الصحافة البريطانية لكشف ذلك إذا حصل؟.

مردوخ الصهيوني الانتماء، الأسترالي الجذور ليس بمستثمر عادي. إنه أخطبوط، لديه شهية ليس لها حدود، وحلمه السيطرة على الإعلام في العالم. والمتتبع لقصة سيطرته على الإعلام في أمريكا في فترة زمنية قياسية يستطيع أن يقرأ ما بين السطور ليكتشف أين تتجه خارطة الطريق التي رسمها. صحيح أن الوليد بن طلال يشابهه في نهمه للاستثمار وفي طموحه، لكنه يختلف عنه بشيء أساسي وهو أنه لا يحظى بدعم جيش من الساسة والمتنفذين في الكونغرس الأمريكي وخصوصاً شركاءه في دعم الأجندة الصهيونية.

 

خارطة طريق مردوخ

شركة روبرت مردوخ الحالية، نيوز كوربوريشن، مسجلة كتكتل من المؤسسات الإعلامية متعددة الأذرع، مقرها الرئيسي نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي ثاني أكبر تكتل إعلامي في العالم من حيث الإيرادات، والثالث في العالم في مجال الانتاج الترفيهي. لكن بدايات زحفه بدأت من أستراليا عندما أسس شركة نيوزلمتد عام 1979 مرتكزاً على ما ورثه عن والده، كيث مردوخ، عام 1952. حيث كان ميراثه صحيفة شعبية مسائية واحدة اسمها “أديليد”.

أول خطوة على طريق مغامراته الاستثمارية كانت في مجال الصحافة الورقية، إذ وضع قدمه في أمريكا عام 1973 عندما اشترى صحيفة أخبار سان أنتونيو اكسبرس. وبعدها توسع واشترى صحيفة شعبية أخرى اسمها ناشيونال ستار. وفي عام 1976 اشترى صحيفة نيويورك بوست.

لكنه لم يكتفي بالسيطرة على الإعلام من خلال الصحافة الورقية. لأنه أراد السيطرة على المرئي والمسموع. فكانت خطوته التاليه عام 1981 حينما اشترى نصف أسهم استوديوهات تصوير شركة (توينتيث سينتشري فوكس) واشترى نصفها الباقي عام 1984.

ثم انتقل من الاستثمار في استوديوهات الانتاج إلى الاستثمار في الفضائيات عندما اشترى عام 1985 مجموعة فضائيات “ميتروميديا” لتشكيل المرحلة التأسيسية لإنشاء شبكة قنوات تلفزيونية تجارية تسيطر على الإعلام في أمريكا بأسرها. ولأن القانون الأمريكي يحظر على المستثمر الأجنبي امتلاك محطة تلفزيون أمريكية، خاض مردوخ عام 1985 المراحل القانونية اللازمة  ليصبح مواطناً أمريكياً من أجل استكمال خطته.

في عام 1986 قام مردوخ بتصفية شركة “ميتروميديا” وأطلق شركة “فوكس” للبث التلفزيوني التي تشكل شبكة يشاهدها 96% من الشعب الأمريكي.

لم يكتف روبرت مردوخ بحصته من الإعلام الأسترالي والأمريكي، فمد ذراعه ليسيطر على الصحافة البريطانية التي كانت قبل وصوله تخضع لمعايير أخلاقية ومهنية شديدة ومحددة. وبعد أن وضع قدمه في الساحة الصحفية البريطانية جلب عدداَ من أقطاب الصحافة الأسترالية ووظفهم في شركاته الإعلامية، ومن ضمنهم “جون دوكس” الذي كان سابقاً المدير العام لصحيفة “ساوث تشاينا مورننغ بوست”. هذه الخطوة سببت مواجهات بينه وبين نقابات اتحاد أصحاب المطابع ودور النشر البريطانية. لكن أكبر المواجهات حصلت عندما نقل غرف عمليات الأخبار الدولية من العاصمة لندن إلى “وابنغ” على الجهة الشرقية من نهر التيمز، مما أدى إلى عراكات ليلية ومواجهات خارج المنشأة الجديدة، حيث تمت مهاجمة شاحنات التوزيع بشراسة وبشكل متكرر مما أدى في النهاية إلى استسلام النقابات لمشيئته.

لكن وقعت شركته في الديون عام 1992 فاضطر لبيع العديد من مجلاته التي تصدر في أمريكا إلى شركة اتصالات “كي 3”. وكانت معظم ديونه نتيجة للحصة التي دفعها للاستثمار في شبكة فضائيات “سكاي” في بريطانيا، والتي خسرت أموالاً طائلة في بداياتها إلى أن تمكن من الضغط على منافستة شركته “بي سكاي بي” لتقبل بالاندماج وحسب الشروط التي وضعها مردوخ في عام 1990. منذ تلك اللحظة، سيطرت الشركة الجديدة المندمجة على سوق البث الفضائي غير المجاني في بريطانيا، الذي يقدم خدمات المشاهدة مقابل رسوم مالية.

بعد سيطرته على الإعلام في بريطانيا، توجه مردوخ للاستثمار في الإعلام الموجه للصين. وفي عام 1993 اشترت شركته 63.6% من حصص شبكة القنوات الفضائية “ستار تي في” في هونغ كونغ، واشترى الـ 36.4% الباقية منها في يوليو من عام 1995.

في ذات العام انتبه الرأي العام الأمريكي لسطوة مردوخ، وأصبحت قنوات فوكس التلفزيونية التي يمتلكها مثار قلق، ووجهت لها اتهامات بأنها أجنبية، أسترالية الجذور وأن امتلاك مردوخ لها في أمريكا هو أمر غير قانوني. لكن مردوخ كان قد حسبها جيداً،  إذ اتضح أن مردوخ كان قد سجل تلك الفضائيات ضمن شركة منفصلة له فيها شريك أمريكي أدرج تحت اسمه غالبية الأسهم.

وبعد أن سيطر مردوخ على عالم الصحافة الورقية المطبوعة وعلى الانتاج الفلمي والبث التلفزيوني، انتقل إلى ساحة جديدة، ألا وهي السيطرة على النشر الالكتروني. وقام بعقد اتفاقية مع شركة “إم سي آي” للاتصالات لتطوير موقع إخباري الكتروني ضخم، إضافة إلى تمويل مجلة إخبارية هي مجلة “ذي ويكلي ستاندارد”. وفي ذات العام قامت مؤسسته ،”نيوز كورب” بالتشارك مع شركة “تيلسترا” في أستراليا، بإطلاق مشروع شبكة “فوكستيل” للقنوات التلفزيونية، وهي خدمة تلفزيونية غير مجانية.

وفي عام 1996 أطلق مردوخ قناة فوكس للأخبار التي تبث 24 ساعة في اليوم، لمنافسة قناة “سي إن إن” التي رأسها “تيد تيرنر”. ومن الاستثمار في الأخبار انتقل مردوخ للاستثمار في الترفيه وقام عام 1999 بمزيد من التوسع بشراء أسهم شركة تسجيلات “مشروم” الموسيقية التي كان يمتلكها مايكل غودينسكي في أستراليا  ودمجها مع شركة تسجيلاته الأخرى “فيستيفالز”.

هذه الاستثمارات المعقدة والمشتته حول الكرة الأرضية وإقامة مشاريعه في دول لا يوجد فيها نظام دفع ضرائب، ساعدت مردوخ على التهرب من دفع ضرائب على أرباحه مما أثار لغطاَ في ساحات الاحتجاج على تهربه من المساهمة في اقتصاد الدول التي تمنحه المزيد من النجاح والثراء.

نشرت على خلفية هذا الموضوع صحيفة الإيكونوميست عام 1999 أن شركة نيوزكورب التي يملكها مردوخ حققت أرباحاً بقيمة 20.1 بليون دولار على امتداد 11 عاماَ لكنها لم تدفع ضرائب على صافي أرباحها التي قدرّت بـ 350 مليون دولار. وهذا يبرر محاولة مردوخ الاستثمار في الإمارات العربية المتحدة أو دول الخليج حيث لا تخضع المشاريع الإعلامية لضرائب تذكر، وحيث الدولة تكبدت كلفة إنشاء البنى التحتية لجميع المشاريع الإعلامية التي تقام على أراضيها.

وفي أواخر عام 2003، اشترى مردوخ 34% من حصص أسهم مجموعة فضائيات “دايريكت تي في” من شركة جنرال موتورز التي كانت تعرف في الماضي باسم هيوز ايليكترونيك، والتي تعتبر أكبر نظام تشغيل للقنوات الفضائية، وكان الثمن المدفوع 6 بليون دولار أمريكي. ثم باع مردوخ “دايريكت تي في” مرة أخرى عام 2008 لشركة “ليبيرتي ميديا” مقابل حصتها في نيوز انترناشيونال.

المرحلة التالية، كانت مرحلة السيطرة على الإعلام الاقتصادي. في عام 2007 استطاعت شركة مردوخ شراء مؤشر داو جونز، الذي تنضوي تحته صحيفة الوول ستريت جورنال، بقيمة 5.6 بليون دولار أمريكي. وفي 15 أكتوبر 2007  استحوذت شركته على قناة فوكس نيوز الاقتصادية. لكن كيف اختلفت سياسة قناته الفضائية الاقتصادية عن قناة “سي إن بي سي”؟ الجواب يكمن في ما قاله “ماك غرو- هيل” يوم 8 فبراير 2007 في مؤتمر القمة الإعلامي حينما خاطب الحضور قائلاً “ستكون قناة فوكس أكثر ملائمة للأعمال التجارية من قناة سي إن بي سي” وتابع تفسير مقصده بالقول إن ” تلك القناة تقفز في كل فضيحة، أو ما تعتقد بأنه فضيحة”.

لم تنته خريطة طريق مردوخ المؤدية للشوارع الخلفية من الإعلام الاقتصادي والفضائح عند هذا المفترق. لأنه قام في عام 2009 بإنشاء وكالة نيوز كور لتوزيع الأخبار.

قد لا يخطر على بال أحد، أن أذرع مردوخ الطويلة وصلت إلى مد جذورها في إعلام مناطق لا تخطر على البال مثل فيجي، الجزيرة البركانية التي تقع شمال شرق نيوزيلندا. حيث استثمر مردوخ في صحفها المحلية،  فيجي تايمز، وصحيفة ناي لالاكاي، وشانتي دات. ولكن لأن قانونها المتعلق بالاستثمار في الإعلام اشترط عام 2010 أن تكون مؤسساتها الإعلامية المحلية مملوكة بنسبة 90% من قبل مواطنيها، اضطر مردوخ لبيع أسهمه فيها إلى مجموعة شركة موتيبهي.

وبالعودة إلى التوابع الزلزالية لفضيحة تنصت شركة مردوخ، اضطر في 13 من يوليو 2010 إلى الانسحاب من مفاوضات شراء قنوات “بي سكاي بي” في بريطانيا، والتي يملك منها أسهماً بنسبة 39.1%، إثر ثورة عارمة من اعتراضات الصحفيين والنقابيين على فساد مؤسساته التي اعتمدت توظيف أشخاص للتجسس على الهواتف الخاصة لشخصيات بريطانية ومن ضمنهم مواطنين عاديين.

فضيحة شركة نيوز كوربوريشن هي مجرد إحدى حلقات سلسلة فضائح مردوخ، على إثرها اضطرت شركته في شهر يوليو تموز الماضي 2011، إغلاق صحيفته “وورلد نيوز” الصادرة في بريطانيا عقب انكشاف استخدام صحيفته لأسلوب التجسس على هواتف الناس للحصول على المعلومات. حتى معلومات حساب بنك رئيس وزراء بريطانيا السابق، غوردون براون، والملف الطبي له ولأفراد عائلته والتنصت على مكالماته، وملفاته القانونية الخاصة، لم تسلم من جواسيس شركة مردوخ. وحسب ما نشرت صحيفة الغارديان البريطانية، هناك أدلة على تجسس شركة مردوخ على 4332 شخص، و2987 هاتف نقال، و30 شريط تسجيل صوتي، و91 رقم سري.

تحت ضغط هذه الفضائح اضطر مردوخ الانصياع لمطالبات مجلس النواب البريطاني، والانسحاب من محاولة شراء ما تبقى من أسهم قناة “بي سكاي بي” البريطانية والتي تمثل 61% من أسهم الشركة. فضائح شركته في بريطانيا أثارت مخاوف مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية لأنه يمتلك حصصاً هائلة في الإعلام الأمريكي، إلى درجة أن السيناتور جون روكفيللير طالب يوم 12 يوليو 2011 بتحقيق من قبل الحكومة للتأكد من أن حقوق الأمريكيين لم يتم اختراقها كما فعلت شركات مردوخ في بريطانيا. كما طالب بذات الأمر كل من السيناتور روبرت مينينديز والسيناتور فرانك لوتينبيرغ.

وفي اليوم التالي، 13 يوليو 2011 كتب النائب بيتر كنغ رسالة إلى مكتب التحقيقات الفدرالي طالب فيها بفتح تحقيق في الممارسات الأخلاقية لشركات مردوخ. وفي 14 يوليو تموز، فتح مكتب التحقيقات الفيديرالي تحقيقاً يتعلق بالتجسس على ضحايا هجمات الحادي عشر من سبتمبر. فقام المدير العام لمجموعة “داو جونز”، ليس هينتون، في اليوم التالي، 15 يوليو، بالاستقالة من منصبه وقال ” لقد رأيت مئات التقارير الإخبارية التي تدل على سوء السلوك الحقيقي منها والمزعوم، أثناء فترة عملي كرئيس مجلس الإدارة التنفيذي لشركة نيوز انترناشيونال. الألم الذي تسببت به الشركة لأناس أبرياء لا يمكن تصوره. لقد كنت جاهلاً معتقداً أن ما يحصل غير ذي أهمية وبناء عليه أشعر أنه من المناسب أن أستقيل من شركة نيوز كورب وأن أعتذر لأولئك الذين تأذوا مما قامت به “نيوز أف ذي وورلد”.

كل تلك الفضائح لم تثن مردوخ عن الاستمرار في محاولاته بالسيطرة على الإعلام حول العالم، إذ سرت شائعة منذ أيام (2012) أن نيوز كوربوريشن تحاول شراء 15% من أسهم دار الانتاج الأندونيسي “جينتا بوانا باراميتا”.

على الأمير الوليد أن يتذكر أن مردوخ كان في عام 2005 يملك 29% فقط من شركة نيوز كورب وكانت غالبية هذه الأسهم تخوله التصويت على القرارات فقط ومع ذلك استطاع السيطرة التامة على الشركة. حينها كان لجون مالون من شركة ليبرتي ميديا حصة كبيرة من الأسهم وحق التصويت عن نصف أسهم الشركة تقريباً. لذلك في نوفمبر 2006 أعلنت نيوز كوربوريشن نيتها نقل 38.5% من مصالح ادارتها إلى شركة ليبرتي ميديا التي يملكها جون مالون، مقابل ذلك اشترى مردوخ حصص أسهم ليبيرتي في شركة نيوز كوربوريشن والبالغة 16.3% ليستطيع السيطرة على سياسات الشركة.

 

مدى خطورة دور مردوخ وتأثيره على السياسات الدولية

يقوم مردوخ من خلال مؤسسته الإعلامية، نيوز كوربوريشن، بإقامة مؤتمر سنوي متخصص في الإدارة الإعلامية المتعلقة بالأمور الجيوسياسية، يشارك فيه كبار المتنفذين في المؤسسات الإعلامية الدولية والسياسيين والمشاهير الذين يؤثرون في تشكيل وعي الجماهير. ويعقد هذا المؤتمر في أماكن مختلفة من العالم. مثلاً عقد مؤتمراته في الماضي في كانكون في المكسيك، وجزر هيمان القريبة من الشواطيء الأسترالية وفي منطقة شاطيء ببل في كاليفورنيا.

وفعاليات هذه المؤتمرات سرية ولا يتم كشف أي معلومات عما يجري فيها، ولا يوجد أي تسجيل إعلامي عن ما يجري داخلها كما هو حال المؤتمرات عادة، ولا يتم الكشف حتى عن أسماء المتحدثين أو بنود الأجندة، ولا يسمح لأي إعلامي الحضور إلا إذا كان مدعواً بشكل رسمي ومباشر بالإسم.

كانت قد تسربت نسخة من أجندة المؤتمر الذي رأسه مردوخ عام 2006 في شاطيء ببل في كاليفورنيا ووصلت نسخة منها الى بعض الصحف ومن ضمنها صحيفة لوس أنجلوس تايمز. اتضح منها أن الإعلام الحديث والإرهاب والسياسات على مستوى دولي كانت على أجندة ذلك المؤتمر، الذي اتضح أن من ضمن من منحوا حق استلام منصّتة وإلقاء كلمات فيه، كل من حاكم كاليفورنيا أرنولد شوارزنيغر، ورئيس الوزراء البريطاني السابق ومبعوث الرباعية إلى الشرق الأوسط توني بلير، ونائب الرئيس الأمريكي السابق آل غور، والسيناتور جون ماك كين، والرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون. لكن أكثر ما لفت الانتباه أن رئيس اسرائيل، شمعون بيريس، ظهر ضمن لجنة حملت عنوان ” الإسلام والغرب”.

قد يعتبر البعض أن تدخلات مردوخ في السياسة تمر عبر الإعلام فقط. لكن من الواضح أن هذه رؤية قاصرة لدوره. لأنه تبرع بمبلغ مليون دولار أمريكي لإتحاد الحكام الجمهوريين في شهر يونيو حزيران من عام 2010، وذلك قبل الانتخابات النصفية مما أغضب الديموقراطيين الذين رأوا في هذا دليل على أن نيوز كوربوريشين ليست مؤسسة إعلامية محايدة تعمل بشفافية، وأن لها يد طولى في تشكيل السياسة الأمريكية الدولية.

كذلك وفي ذات الفترة تبرعت مؤسسة مردوخ بمبلغ مليون دولار إلى غرفة التجارة الأمريكية التي كانت تدعم بشدة عودة سيطرة الجمهوريين على الكونغرس. هذه التبرعات وغيرها أثارت الشبهات حول مدى التزام مؤسسات مردوخ بأخلاقيات مهنة الصحافة.

بالعودة لشراكة الأمير السعودي الوليد بن طلال مع روبرت مردوخ. طالب مردوخ مقابل حصص الأمير في نيوز كوربوريشن، بحصة 20% من شركة روتانا التي يملكها الوليد والتي تستضيف شبكة قنوات فوكس في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مكتبة تحوي على ما يزيد عن 2000 فلم عربي ومكتبة موسيقية ضخمة. والسؤال هنا، هل حقاً شخصية بمثل توجهات وسياسات روبرت مردوخ، معنية بالفيديوكليبات العربية التي لا تكاد “تجيب همها” على أرض وطنها؟ وهل مردوخ معني بالثقافة العربية الشعبية؟ على الأرجح أن أي استثمار على أي أرض عربية سيمنح مردوخ ومن هم على شاكلته أن يستخدم “حجّة” مسمار جحا للتدخل أو السيطرة على السياسات المحلية من خلال حقوقه كمستثمر إضافة إلى احتمالات أبعد مدى، تتعلق بماضيه الموصوم بالتجسس على أخبار الشخصيات القيادية من أجل ابتزازهم. هذا عدا عن ترحيل سياساته إلى الشرق الأوسط والتي ينتهج من خلالها القضاء على منصات الإعلام المجاني ليصبح كل ما يبث وخصوصاً من خلال الإنترنت خدمة غير مجانية، وكل مشاهدة أو قراءة ستصبح مقابل دفع رسوم مالية، وبهذا يستطيع تشكيل وعي المتلقي من عامة الشعب.

حتى هذه اللحظة تقوم شركة روتانا بتقديم وجبة من الأفلام العربية والمكتبة الموسيقية مجاناً لكن جودة موقعها الإلكتروني متدنية. لكن هناك احتمال أن هذا لن يستمر طويلاً بعد شراكة مردوخ الذي يعرف كيف يحلب المال من كل سلعة له فيها سهم. لذلك سارعت مؤسسة “إم بي سي” التي يمتلكها الشاب السعودي، الشيخ الوليد الإبراهيم، بتطوير موقعها الالكتروني الذي يبث خدمة منافسة من خلال “شاهد نت” على شبكة الإنترنت، وتقديم وجبة دسمة ومجانية من المسلسلات والبرامج المنوعة ذات الجودة العالية رغم وجود هفوات مهنية في توقيت وعنونة ومتابعة تجديد محتويات الموقع. وبهذا قطع خط الرجعة على محاولات روتانا ومردوخ بالتفكير بتشغيل عداد الاستثمار والسيطرة المنفردة على ما يمكن للمشاهد العربي أن يصل اليه من مواد مجانية، والأهم من هذا، التأثير على المواطن العربي في الأماكن القاصية وفي المهجر، حيث لا يوجد أمامه بديلاً عن استخدام الانترنت للمرور عبر قنوات الإعلام.

مردوخ والعرب

من خلال ما تنتجه صحافة وإعلام شركات مردوخ نعلم تمام العلم بأنه لا يحترم العرب ولا دينهم ولا ثقافتهم أو تقاليدهم، بل يحتقرهم وينظر لهم نظرة دونية، ومساندته الصريحة لإسرائيل ودفاعه المستميت عنها لا يختلف عليها اثنان. ونظرة خاطفة على ما تبثه قناة فوكس التي يمتلكها كافية للتوضيح. إذ يرى في العرب والمسلمين إرهابيين ومتطرفين ودائماً مرتبطين بجرائم القاعدة وأن اليهود هم دائماً ضحايا التمييز العنصري. لذلك لا تخلو مغامرته الجديدة في الشرق الأوسط من دوافع أبعد ما تكون عن البراءة.

 

كيف يرى مردوخ العرب والمسلمين وموقفه من القضية الفلسطينية؟

لأخذ فكرة عن مشاعر روبرت مردوخ تجاه سكان الشرق الأوسط وما يجري فيه،أترجم كلمة ألقاها بمناسبة استلامه للجائزة القومية للعلاقات الإنسانية التي منحته إياها اللجنة اليهودية الأمريكية في نيويورك يوم 4 نيسان/ ابريل عام 2009 والتي قال فيها:

” عبر السنوات، أكثر نقادي ضراوة اعتقدوا بأنني يهودي، وفي ذات الوقت أعزّ أصدقائي يتمنون لو كنت يهودي فعلاً. لذلك، دعوني أصحح معلوماتكم. أعيش في نيويورك، ولي زوجة تتوحم على الأكل الصيني، وأولئك الذين يثقون بي يقولون بأنني تقريباً من اخترع كلمة “تشوتسبا” (مفردة تعني الوقاحة والتجرؤ).

ميشيل، لقد فتنت باستماعي لك وأنت تتحدث عن تاريخ هذه المنظمة المميزة. فاللجنة اليهودية الأمريكية بدأت كردة فعل على اضطهاد اليهود في روسيا. وردة فعلكم هذه أخذت شكلاً أمريكياً: فكانت منظمة تتحدث نيابة عن من لا صوت لهم. وخلال قرن منذ تأسيسكم، أصبحت اللجنة اليهودية الأمريكية واحدة من أكثر المؤسسات تأثيراً في العالم. وعلى الرغم من ذلك ما زلتم قلقين ومهتمين بسلامة ورفاه اليهود. هذه المخاوف ليست بسيطة. والسبب واضح: أنتم تعلمون أن أفضل ضمان لسلامة اليهود في أي مكان مرتبط بحرية الناس في كل مكان. إن جهدكم الطيب ساعد في تحقيق تغييرات حقيقية ودائمة لعالمنا. لكن للأسف، بينما تغلبنا على بعض التهديدات، ظهرت تهديدات جديدة مكانها. وهذه التهديدات الجديدة تذكرنا بأن ما تقوم به لجنة اليهود الأمريكان، أصبحنا بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى.

في أوروبا حالياً رجال ونساء يحملون آثار معسكرات الاعتقال. يطلون على قارة حيث حياة اليهود وممتلكاتهم تتعرض للهجمات، ولهجة النقاش العام مسمّمة  بمعاداة السامية التي كنا قد ظننا أننا تخلصنا منها إلى مزبلة التاريخ. وفي إيران نرى نظاماً يساند حزب الله وحماس، وهو في طريقه لامتلاك أسلحة نووية. وفي الهند نرى إرهابيون مسلمون، استهدفوا مركزاً لليهود في مومباي في خطة محكمة التخطيط والتنسيق، بحيث بدت الهجمة كنموذج يصلح لهجمات على مدن أخرى حول العالم.

لكن الأهم من هذا كله، نرى هجوماً متزايداً على شرعية وأمن دولة إسرائيل. هذا الاعتداء موجّه من أناس أوضحوا بكل صراحة بأنه ليس لديهم نيّة على الإطلاق بالعيش جنباً إلى جنب بسلام في دولة يهودية، مهما كانت التنازلات التي قد تقدمها إسرائيل. والسبب واضح أيضاً: هؤلاء رجال لا يستطيعون الالتزام بفكرة الحرية، أو التعايش أو الديمقراطية. إنهم يكرهون إسرائيل لذات السبب الذي يكرهوننا من أجله.

وأنا أتكلم الآن، بؤرة الاضطراب هي غزة. منذ أشهر وحماس تمطر المدنيين الإسرائيليين بالصواريخ. ومثل جميع الهجمات الإرهابية،  هدفهم بث الرعب بين أفراد المجتمعات الحرة، وشلّ قادتها، وهذا ما لا تستطيع إسرائيل أن تقف ساكنة حياله. لا داعي لأن أخبر أحداَ في هذه القاعة، أنه لا يوجد شعب ذا سيادة، يستطيع الجلوس والانتظار بينما تتم مهاجمة شعبه المدني. وحماس تعلم ذلك أكثر منا. وحماس تفهم أمراً آخر كذلك. في القرن الحادي والعشرين، عندما تقوم الدول الديمقراطية بالرد على الهجمات الإرهابية، تواجه تلك الدول عقبتين كبيرتين، الأولى منها عسكرية، صحيح أن تفوق إسرائيل التقليدي يعني بأنها تستطيع تسوية غزة بالأرض لو أرادت، لكن قوات الدفاع الإسرائيلي، على غير حال حماس، تتم مساءلتها من قبل حكومتها المنتخبة ديمقراطياً . وبغض النظر عن حزب الأغلبية الحاكم، كل حكومة إسرائيلية تعلم بأنها ستتعرض للمساءلة من قبل الشعب ومن قبل العالم، على الخسائر البشرية التي قد تنجم عن قراراتها. وهذا يندرج على الفلسطينيين الأبرياء الذين يقعون في مرمى تبادل إطلاق النار ويندرج أيضاً على الجنود الإسرائيليين الذين قد يخسرون حياتهم وهم يدافعون عن شعبهم. في مثل هذه الحرب، لا تحتاج حماس للانتصار على إسرائيل عسكرياً لتفوز فوزاً ساحقاً.

في الحقيقة، حماس تعلم أنه في بعض الأحيان، الفلسطينيين القتلى يخدمون مخططاتها بشكل أفضل من قتلى الإسرائيليين. نحن في الغرب نرى هذا الأمر ونقول هذا كلام غير معقول. لكن إن كنت ملتزماَ بفكرة تدمير إسرائيل، وإن كنت تعتقد بأن الفلسطيني ميتاً سيساعدك على تسجيل نقاط نصر دعائي، ستقوم بفعل أمور مثل إطلاق الصواريخ  من ساحة مدرسة فلسطينية. هذا يضمن لك بأنه عندما ترد إسرائيل، على الأغلب سيقتل فلسطينيين أبرياء مهما كانت كمية الاحتياطات التي يتخذها الجنود الإسرائيليين.

وحماس تنفذ بعملتها، وعلاوة على ذلك، لأنهم لا يحكمون غزة بموجب موافقة من فوضوهم لتمثيلهم بمحض إرادتهم كما يدعون. إنهم يحكمون الناس بالخوف والترهيب ولا يخضعون لمساءلة أحد سوى أنفسهم. وهذا منطق غزة المخيف. وهذا يساعد في تفسير سبب لماذا حتى أقوى قوة عسكرية مثل إسرائيل تجد نفسها عاجزة أمامهم في الميدان.

والعائق الثاني أمام إسرائيل هو الحرب الإعلامية العالمية الموجهة ضدها. فبالنسبة لحماس، صور الفلسطينيين الذين يعانون من فقدان منازلهم، والآباء والأمهات المفجوعين بأطفالهم القتلى، وصور الدبابات التي تجوب الطرقات – تخلق تعاطفاَ مع قضيتهم . وفي المعركة التي تتميز بالقتال بين شارع وشارع، قتل الأبرياء أمر لا مفر منه. وهذا ينطبق على غزة. هذه الوفيات دفعت البعض للمطالبة بتوجيه تهمة ارتكاب جرائم حرب إلى إسرائيل ومحاكمتها أمام المحكمة الجنائية الدولية.  ولكنني مستغرب: لماذا لا نسمع عن مطالبين بتوجيه تهم ارتكاب جرائم حرب إلى قادة حماس؟ ولماذا لا نسمع مثلاً عن مطالبات بفتح تحقيقات حقوق إنسان حول استخدام قناصة حماس للأطفال الفلسطينيين كدروع بشرية؟ ولماذا هناك عدد قليل من التقارير حول مطاردة أفراد من حماس لفلسطينيين في المستشفيات لاغتيالهم؟ وأين جماعات حقوق الإنسان من مطالبة حماس بوقف طمس أهم جزئية في الحرب: ألا وهي التمييز بين المدني والمقاتل؟

أعتقد بأن الإجابة لها علاقة بذات المنطق القاتم الذي يدفع بحماس لاستفزاز معركة عسكرية تعلم علم اليقين بأنها لا تستطيع أن تربحها. ولا يهم إن وجدت إسرائيل مذنبة بأي جريمة في أي وقت مضى. حماس تحصل على الدعاية بكل بساطة بتكرار الاتهامات وبصوت مسموع. وهذا يجعل إسرائيل تجد نفسها في ذات الوضع الذي وجدت فيه الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في العراق قبل زيادة القوات. عندما أدركت القاعدة أنه من مصلحتها إثارة العنف الطائفي بين الشيعة والسنة مهما كان الثمن بالنسبة للعراقيين الأبرياء. هذه هي طبيعة الإرهاب. وما نراه في غزة، ما هو إلا مجرد واجهة لحرب أكبر بكثير.

اعتدنا في الغرب على الاعتقاد بأن إسرائيل لا تستطيع الاستمرار دون مساعدة أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وهذا المساء أقول لكم، ربما علينا أن نبدأ بالتساؤل إن كنا نحن في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية نستطيع الاستمرار إن سمحنا للإرهابيين بالفوز في إسرائيل.

في القرن الجديد، “الغرب” لم يعد موضوع جغرافيا. الغرب يتحدد بالمجتمعات التي سخرت أنفسها للحرية والديمقراطية. وهذه على الأقل هي الطريقة التي يراها الإرهابيون. وإن كنا حقاً جادون في مواجهة هذا التحدي، علينا أن نوسع تحالفاتنا العسكرية المسخّرة للدفاع عن الغرب لتضم هؤلاء الموجودين على خط جبهة هذه الحرب. وهذا يعني أن نضم دولاً مثل إسرائيل إلى حلف الناتو في حربنا هذه.

في نهاية الأمر، الشعب الإسرائيلي يحارب نفس العدو الذي نحاربه: يحارب قتلة بدم بارد، يرفضون السلام.. يرفضون الحرية.. ويحكمون بأسلوب سترة التفجيرات، والسيارة المفخخة، والدرع البشري.

 لمحاربة هذا العدو، لن أنتقد القرارات التي تتخذها إسرائيل الحرة للدفاع عن مواطنيها. وأود أن أطالب جميع أولئك الذين يدعمون السلام والحرية بأن يفعلوا المثل”.

إلى هنا وانتهى خطاب مردوخ امبراطور الإعلام، وبقي السؤال معلقاً، هل علم الأمير الوليد بن طلال بسياسات مردوخ هذه، الداعمة مالياً وإعلامياً للدولة الصهيونية العنصرية المحتلة، ومع ذلك مدّ إليه يده بالشراكة؟ أم أن الأمير الوليد منشغل بارتفاع مؤشر ثروته بحيث لم يكن لديه الوقت الكافي للقراءة؟ أم أنه على علم وثيق بكل ذلك وأكثر، وموقفه من القضية الفلسطينية ومن المسلمين لا يختلف عن موقف مردوخ الذي كشفت عورة إعلامه الفاسد في المحاكم البريطانية.

علينا أن ننتظر نتائج شراكة مردوخ مع الوليد والتي ستمنحه  الحق في امتلاك موضع لدقّ مسمار جحا في الخليج العربي. من يا ترى سيكون أول المفضوحين من علية القوم من الشخصيات الخليجية والعربية، بعد أن يستكمل طاقم مردوخ إجراءات تركيب أجهزة التصنت وفك تشفير أرقامهم السريّة؟.

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s