انضمام “قرداحي” لقناة الحياة المصرية عقاب أم خيار؟

إحدى صوري مع الزميل جورج قرداحي أثناء عملي في قناة إم بي سي

إحدى صوري مع الزميل جورج قرداحي أثناء عملي في قناة إم بي سي


إقبال التميمي

أخطأ من ظن أن لا علاقة بين فرصة العمل في مجال الترفيه المتلفز والسياسة على القنوات العربية بشكل خاص، وفي الإعلام العربي بشكل عام. شاهدنا تمسّح إعلاميين بأنظمة عربية دكتاتورية، كما شاهدنا غيرهم يشاركون الجماهير في احتجاجاتهم على الأنظمة. والبعض وقع ضحية لسانه حينما غاب عنه أن الإعلامي في الوطن العربي عبد للمؤسسة، وراتبه مربوط إما بلسانه أو بقلمه، وليس من حقه إبداء رأيه الشخصي خاطئاً كان أم محقاً، لأنه مجبر أن يختار، إما أن يكون مع عصابة من وقع معهم عقد العمل أو مع الفريق المعادي. محظور على الصحفي أو الإعلامي الجلوس على أعراف المؤسسات الإعلامية بين جهنم واحدة وفردوس أخرى، ولا التمشور في أروقة المؤسسة الإعلامية دون ارتداء ولاءه على كتفيه.
باختصار شديد، لا يوجد في الوطن العربي مطلقاً إعلام مستقل، ومسيلمة من يدعي ذلك. فإن أردت بأن يصل راتبك إلى حسابك البنكي في نهاية الشهر، عليك أن تسبّح بحمد الجهة التي تدفع راتبك. وعليك أن تلمّع أحذية أي جهة تناصرها تلك الجهة. لأن راتب الإعلامي في الوطن العربي لا يعتبر مكافئة على خدمة يقدمها، بل يعتبر منّة وتفضّلاً وتكرماً ، كالاستجداء تماماً.
على الإعلامي أن يكتم أنفاسه وعليه أن يختار الفصيل الذي سوف يتفرغ لتلميع صورته في كل محفل، ويدافع عن مواقفه بشراسة، حتى في حياته الخاصة، وأن يفعل ذلك دون توقع شكر أو إشادة. وللتوضيح أكثر، يبيع غالبية الإعلاميين أصواتهم، مرغمين، لمن يوفر لهم ثمن الرغيف الذي سيعودون به آخر النهار إلى أسرهم. لأن معيار الصحافة لم يعد يعتمد على مدى المهنية، وهذا واضح من خلال المستوى المتدني لجيل الإعلاميين الجدد، الذين تم إحلالهم مكان المغضوب عليهم، وبرواتب أقل بكثير. وعلى المواطن العربي المتلقّي تجرّع سموم هفواتهم وأخطاءهم إلى أن يتعلموا، لأن المتلقّي هو مختبر تجارب صبية الإعلام.
أحد من دفع ثمن فتح فمه بإبداء الرأي دون أن يحسبها، مدلل قناة الـ “إم بي سي”، الإعلامي جورج قرداحي الذي امتلك منصة برنامج من سيربح المليون لعدة سنوات. كان قد اعتمد على ثقته بأنه أحد أعمدة نجاحات مؤسسته، لكنه أخطأ الظن، وفُصل من عمله بعد مقابلة متلفزة عبر فيها عن دعمه للنظام السوري. والآن يستعد للعمل مع قناة “الحياة” المصرية، حيث سيقدم برنامجاً مستنسخاً عن برنامجه القديم، “من سيربح المليون”. وسيبدأ تصويره في ابريل وسيعرض في الشهر الذي يليه.
أذكر أن قرداحي حاول أثناء سنوات عملي في قناة إم بي سي تسجيل حلقة لبرنامج حواري يشترك فيه جمهور من الحضور، لكن التجربة فشلت فشلاً ذريعاَ. على ما يبدو أن قرداحي مرتعب من احتمال الفشل لو حاول الخوض في ساحة أخرى مغايرة للقالب المستورد لبرنامج كان مضمون النجاح، وليس بحاجة إلى أكثر من رجل وسيم ذا حضور. وهذا قد يكون سبباً لحشر قرداحي نفسه في ثوب ذات البرنامج، لكن الاسم الجديد لبرنامجه أسقط تساؤل من الذي سيربح، وأبقى على “المليونير”. قد يعبر اسم البرنامج الجديد “المليونير” عن حال معادلة الربح والخسارة في إعلامنا العربي. لأن المليون حقيقة مالية ثابتة، لكن الرابح هو العنصر المتغير.
في مقابلة حديثة مع صحيفة “السفير” قال قرداحي أنه استقال بعد أن تأكد له أن قراراً سياسياً رسمياً صادراً من السعودية حظر عليه الظهور كلياً على الشاشة. الغريب في الأمر أن قرداحي فوجيء بأنه ليس هناك ديمقراطية ولا حرية تعبير في الوطن العربي، واستغرب الحملة الإعلامية القاسية التي شنت عليه في السعودية كما يقول، خصوصاً وأنه كما قال للسفير”عندما بدأ «من سيربح المليون» لم تكن «ام بي سي» الشاشة الأولى عربيا، بعدها أصبحت كذلك”، في إشارة منه إلى مدى ما قدمه للقناة من مساهمة في رفع نسبة المشاهدة فيها.
نذكّر قرداحي وأنفسنا بأن ساحة الإعلام لا تعكس طهارة المهنة ولا ترفعها عن الفساد. لأن الإعلام لم يعد رسالة بقدر ما أصبح أداة تسييس واستثمار لا علاقة لها بحقوق الصحفي ولا بأخلاقيات المهنة. خصوصاً وأن الوطن العربي لا يسمح بتفعيل دور نقابات الصحفيين التي تدافع عن حقوق من ظلموا من الإعلاميين. لأن الحاكم، ومالك الشركة الإعلامية، والخصم، والدولة، والقانون هم جميعاً ذات الشخص. فهو الذي يكتب القانون وهو الذي يغير مقاسه ويعيد تشكيله على هواه، وهو الذي يسمح وهو الذي يمنع، وهو الذي يستثمر وهو الذي يحاكم وهو لجنة التحكيم، وهو الذي يصدر القرار،فينفي ويعدّل ويبعد ويقصي ويلوث ويمنع ويرفع ويجادل عن الجهتين. فأي إنصاف يتوقعه موظف سابق في مؤسسة إعلامية في العالم العربي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s