رفض الجزيرة عرض فلم مسجل يفتح النقاش حول المعايير المهنية للأخبار

Image

إقبال التميمي

قررت قناة الجزيرة أن لا تبث فيديو سجل من قبل قناص تولوز الذي قتل سبعة أشخاص قبل حوالي أسبوع. واعتبر آيدن وايت، ﺭﺌﻴﺱ ﺍﻹﺘﺤﺎﺩ ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ ﻟﻠﺼﺤﻔﻴﻴﻥ، قرار الجزيرة انتصاراً لأخلاقيات مهنة الصحافة. هذا القرار يعيدنا إلى فتح ملف النقاش حول المعايير المهنية للتغطيات الصحفية التي يجب أن يلتزم بها الإعلام حين عرض الأخبار المتعلقة بالهجمات الإرهابية.

الجزيرة تدعي أنها المحطة الفضائية التلفزيونية الوحيدة التي تلقت الفلم المسجل الذي قيل أن من قام بتصويره  هو محمد ميراح، ذات القناص الذي قتل في تولوز سبعة أشخاص من ضمنهم أطفال يهود، قبل أن يردى قتيلاً بعد محاصرته لمدة 32 ساعة.

سجلت فضائية الجزيرة لنفسها نقطة عندما قالت في بيان لها، أن قرارها هذا لا علاقة له بالضغوطات التي مارسها عليها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الذي طالب الجزيرة بعدم عرض التسجيل، وادعت الجزيرة أن هذا عائد “للمعايير الأخلاقية التي تتبعها، خصوصاً وأن الفيديو لا يضيف شيئاً إلى المعلومات المتوفرة أصلاً على الانترنت، لذلك قررت أن لا تذيع أي من محتويات التسجيل”.

بالطبع هذا التبرير غير مقبول على الإطلاق. لأنه معروف من تاريخ الجزيرة المهني الطويل، بأنها كانت تعرض ما تعرضه وسائل إعلامية أخرى، وما يتم تداوله على الانترنت. بل تشجع تواصل الجمهور لإرسال ما لديهم من مواد عبر موقعها الالكتروني. لذلك موضوع عدم نشر ما هو متوفر فعلاً، و”المعايير الأخلاقية” المتعلقة ببشاعة الحدث الذي تتحدث عنه الجزيرة، هما تبريران مرفوضان. خصوصاً وأن أسهمها ارتفعت عالمياً وأصبح لصوتها صدى على مستوى العالم، أثناء تعرض العراق لبطش الولايات المتحدة الأمريكية وتنكّيلها بالعراقيين، عندما عرضت صوراً ومواداً غاية في البشاعة لم تعرضها أي محطة تلفزيونية سواها وخصوصاً “سي إن إن” التي كانت حتى تلك اللحظة قد خلقت وهم قمة المهنية في عرض الأخبار. هذا النصر المهني سجلته الأبحاث الإعلامية الأكاديمية وتدرّس الآن في الجامعات.

من ناحية أخرى، كانت الجزيرة انتقائية في عرضها للعنف الممارس في بعض الدول العربية، خصوصاً أثناء الثورات الأخيرة. مثل تعاميها عما كان يجري في الدول الخليجية المجاورة مثل البحرين أو ملفات حقوق الإنسان المتعلقة بتعذيب الخادمات والإساءة للوافدين المقيمين في الدول الخليجية، وذلك تفادياً للحساسيات. لكنها سجلت نقاطاً لصالحها عندما عرضت ما لم تعرضه منافستها قناة العربية أثناء هجمة الرصاص المسكوب التي قامت بها دولة الإحتلال ضد مليون ونصف مدني في قطاع غزة الفلسطيني، كما نشرت إثباتات على إرهاب النظامين المصري والسوري.

تدعي قناة الجزيرة أنها رفضت عدة عروض من مؤسسات إعلامية للحصول على نسخ من الفيديو المذكور، والذي حسب ما نسب لمدير مكتبها في باريس، زيد طروش، أنهم قاموا بتحرير المادة وإضافة خلفية موسيقية عليها وبعض الآيات من القرآن الكريم التي تتداخل مع صوت الضحايا يتصارخون.

هذا التبرير أقرب إلى مسرحية هزلية منه إلى رد مهني. إذ أن الجزيرة ادعت بنفس البيان أن المادة متوفرة على أي حال على الانترنت، وبذات الوقت تقول أنها رفضت عروضاً للحصول على المادة من قبل مؤسسات إعلامية عديدة. إن كانت المادة متوفرة للجمهور على أي حال، لماذا تتجشم قنوات أخرى عناء شراء مادة متاحة. كما أن موضوع تحرير المادة هذا قد يكون السبب الرئيس لانسحاب الجزيرة عن قرار بثه، لما لهذا الإجراء من تداعيات أخلاقية مهنية. إذ يتأرجح الرأي العام بين كراهية عرض مواد تظهر بشاعة الإرهاب، وبين كون تحرير المادة يخرجها من إطار المصداقية إذا استخدمت، لأن لكل لقطة ولكل صوت وزاوية تصوير أوحركة، دلالة إعلامية لا يستهان بها مهنياً، وعليه لا يجوز تقييف مادة إثبات جريمة مصورة.

رحب إيدن وايت، ﺭﺌﻴﺱ ﺍﻹﺘﺤﺎﺩ ﺍﻟﺩﻭﻟﻲ. ﻟﻠﺼﺤﻔﻴﻴﻥ، بشدة بقرار الجزيرة المتعلق بعدم نشر المادة الفلمية على أساس أنه لا داعي لنشر مادة عنيفة تسبب الأذى النفسي لأقارب الضحايا، وحث جميع المؤسسات الإعلامية أن تحذو حذوها.

كنت قد ناقشت هذا الأمر مسبقاً مع مايك جيمبسون، مدير مجلس أخلاقيات مهنة الصحافة في بريطانيا، ومدرّس الإعلام في جامعة ذي ويست أف إنغلاند، على خلفية ادعاء قناة العربية أن أمهات أطفال غزة هم الذين طالبوا بعدم عرض ما جرى في غزة أثناء هجمة عملية الرصاص المسكوب. برر هو حينها وجهة نظر الإعلام الغربي الذي لم يبث ما جرى حقاً في غزة، بأنه لا داعي لإيذاء مشاعر الأحياء من أقارب ومشاهدين أو قراء، لكن وجهة نظري الخاصة كإعلامية وكباحثة، أن من حق الجمهور معرفة كل شيء ليستطيع المشاركة بصنع القرار السياسي والتصويت الديمقراطي المتعلق بالانتخابات ودعم الأحزاب وهو على بينّة. أليس الواجب الأول للمؤسسات الإخبارية إعلام الناس وفضح ما يخفيه الساسة.

وكما دافع هو عن مشاعر الأحياء، أدافع أنا عن حقوق الأموات الذين أخرسوا ولم يعد هناك من يطالب بحقوقهم. فالقتل لإخراس صوت المضطهدين هو هدف الإرهابيين الأول، بغض النظر إن كان الإرهابيون ملتحين أو يرتدون بدلات السموكنغ. وتقنين ما يعرض في الصحافة، أمر لا علاقة له بالمهنية في كثير من الأحيان، بقدر ما له علاقة بمدى وقوع المؤسسة تحت طائلة التسييس وتشابك مصالحها مع مصالح بعض الدول والمستثمرين، لذلك تخفي القنوات متى شاءت وتنشر متى شاءت.

علينا أن نتذكر أن إسرائيل حاصرت غزة إعلامياً، ومنعت دخول أي صحفي إلى المناطق القريبة من غزة، وشهادة الزميل “جو سنو ” من القناة الرابعة ما زالت إثباتاً حياً في أحد حلقات برنامجه “ديسباتشز”. ولولا الأفلام التي وصلت الجماهير، وغالباً عن طريق الانترنت ومن مصورين هواة، ما انكشفت عورة إسرائيل وشركاءها، الرئيس المصري المخلوع الذي شاركها الجريمة بإحكام قبضته على جميع منافذ نجاة أهل غزة، والحكومة الأمريكية التي تحدثت عبوات سلاحها الفارغة التي احرقت أطفال غزة عن حجم قذارتها من خلال توفيرها أسلحة محرمة دولياً للبطش بالشعب الفلسطيني، ومن خلال تلاعب إعلامها ببث صورة مغايرة للواقع على امتداد سنوات، شكلت من خلالها أسس كراهية المواطن الأمريكي البسيط ضد كل ما هو فلسطيني، بوصمها للفلسطينيين بالإرهاب لتمرير أجندات الصهيونية.

في نهاية الأمر، قرارات محطات التلفزة بالنشر أو المنع غالباً ما تكون قرارات سياسية أكثر منها مهنية. والذي يمول القناة هو الذي يضع المعايير الصحفية وهو الذي يلوي ذراع التبريرات وهو الذي يختار العناوين.

إقبال التميمي/ مديرة المرصد الإعلامي للصحفيات العربيات في بريطانيا

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s