كيف ساهمت إسرائيل في دعم الحركات الإسلامية في المنطقة دون أن تقصد

إقبال التميمي

كان لإسرائيل دور في نمو الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط دون أن تقصد. دعمت صعود حماس في فلسطين، وحزب الله في لبنان، والإخوان المسلمين في مصر والحكومة الشيعية في إيران، في محاولاتها لتقوية أجنحة ضعيفة للقضاء على حركات أقوى، أو بمعنى أصح ليفتك أعداءها ببعضهم البعض، لتقلل عدد جبهات صراعاتها.
يقول الكاتب الإسرائيلي “آري أفنيري” في تعليقه على ما يجري في الشرق الأوسط عقب الثورات الشعبية التي أطاحت بعدة قيادات عربية في العام الماضي 2011، “إذا استطاعت الحركات الإسلامية أن تمتلك زمام السلطة في جميع أرجاء المنطقة، عليها أن تعبر عن شكرها وعميق امتنانها لعدوها اللدود إسرائيل. لأنه لولا سياسات ومساعدة حكومات إسرائيل المتعاقبة، لما كان لحلم الإسلاميين أن يتحقق، وهذا ينطلي على غزة وبيروت والقاهرة وحتى إيران”.
في حديثه عن حماس، يدعي أفنيري أن إسرائيل هي التي دفعت بالفلسطينيين باتجاه التأسلم أو الإسلام دون أن تقصد. ويوضح بأن للبوليس الإسرائيلي السري الدور الأكبر في هذا التوجه، حيث اعتقدت إسرائيل أنه بوجود جماعة إسلامية ستضعف عدوهم الأول، منظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح. فحاولت إسرائيل بذل كل ما يمكن سراَ لتيسير صعود حركة حماس لتقضي على فتح التي كانت عدو إسرائيل الرئيسي.
واجه قادة إسرائيل معضلة، إذ كان باستطاعتهم إغلاق جميع مراكز ومواقع النشاطات السياسية والاجتماعية، لكن لم يكن باستطاعتهم إغلاق المساجد حيث يتجمع الناس للصلاة، وحيث ينظمون الأعمال الخيرية سراً، ويتواصلون بشكل غير ممنهج لأخذ مواقف سياسية. فكان المسجد أنجع أساليب إيصال المعلومة والاتصال بالجماهير، قبل ولادة تويتير أو فيسبوك.
أحد الذين واجهوا هذه المعضلة، الحاكم العسكري الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة. منذ البداية، منع أي نشاط سياسي، حتى الناشطين السلميين أودعوا السجون اٌلإسرائيلية. والذين دافعوا عن سياسة اللاعنف تم إبعادهم خارج البلاد. وأغلقت المراكز المدنية. ولم يبق مفتوحاً لالتقاء الناس سوى المساجد. لكن قرار إبقاء المساجد مفتوحة، لم يكن له إي علاقة بالتسامح. كان جهاز الأمن العام (المعروف باسم الشين بيت أو الشاباك) قد شجع ازدهار المساجد. لأنهم اعتقدوا أن الأشخاص الذين يقومون بالصلاة خمس مرات في اليوم، لن يكون لديهم الوقت لصنع القنابل. وكان العدو الرئيسي لإسرائيل حسب اعتقاد الشاباك، هي منظمة التحرير الفلسطينية، وهي منظمة علمانية، وفيها العديد من الأعضاء البارزين من المسيحيين، وهدفهم اقامة دولة فلسطينية “غير طائفية”. لذلك كانت إسرائيل تراهم كأعداء للإسلاميين، الذين يحلمون بإنشاء خلافة إسلامية.
اعتقد الإسرائيليون أن انتهاج سياسة تقوية فصيل ليقضي على فصيل آخر ستكون ناجحة جدا، وأثنى رجال الأمن في إسرائيل على أنفسهم وعلى ذكائهم كلما كان يحصل خلاف بين فصائل الفلسطينيين. في كانون الأول 1987، اندلعت الانتفاضة الأولى. وتنافس الإسلاميون مع مجموعات أكثر تطرفاً. وفي غضون أيام، تحول الإسلاميون عامة الى حركة مقاومة اسلامية واحدة هي (حماس) وأصبحت أخطر أعداء إسرائيل. ومع ذلك استغرق الشابك اكثر من عام، قبل أن يستطيع اعتقال الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة حماس. واضطرت إسرائيل من أجل محاربة هذا الخطر الجديد ، إلى تغيير سياساتها والتصالح مع منظمة التحرير الفلسطينية في أوسلو لتضعف من دور حماس.
والآن، مفارقة المفارقات، أن حماس على وشك الانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية للمشاركة في تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية.
لكن دور إسرائيل في صعود حزب الله كان أقل مباشرة، لكنه ليس بأقل فعالية. عندما دخل جنود ارييل شارون لبنان عام 1982،عبروا الجنوب ذي الأغلبية الشيعية. حينها استقبل أهل الجنوب الجنود الإسرائيليين كمحررين من منظمة التحرير الفلسطينية التي كانت قد حولت تلك المنطقة إلى دولة داخل دولة. ومن أجل تطويق حركة أمل التي كانت حينها المجموعة السياسية الشيعية الرئيسية في لبنان “في أوائل الثمانينيات”، شجعت إسرائيل منافستها ، حركة حزب الله، التي كانت ناشئة آنذاك.
يقول الكاتب الإسرائيلي “آري أفنيري” كنت أسير خلف رتل قوات الجيش الإسرائيلي في سيارتي محاولاً الوصول إلى الجبهة. وفي طريقي، اضطررت الى اجتياز نحو دزينة من القرى الشيعية. في كل واحدة وصلتها، تشبث بي أهلها القرويين، مصرّين على أن يضيفوني القهوة في بيوتهم. في ذلك الوقت لا شارون ولا غيره أبدوا أي اهتمام بالشيعة. وفي اتحاد الطوائف العرقية والدينية المستقلة الذي يسمى لبنان، كان معظم الشيعة مضطهدين وضعفاء. ومع ذلك، تجاهلت إسرائيل ترحيبهم. ولم يستغرق الشيعة سوى بضعة أسابيع ليدركوا أن القوات الإسرائيلية لا تنوي الرحيل. لذلك، ولأول مرة في تاريخهم، ثار الشيعة وبدأت حركة أمل التي كانت المجموعة السياسية الرئيسية، بالقيام بهجمات صغيرة مسلحة. وعندما لم تفهم إسرائيل بالتلميح، تضاعفت العمليات وتحولت إلى حرب عصابات شاملة.
لو غادرت القوات الإسرائيلية لبنان حينها (كما طالبت المجلة الإسرائيلية الساخرة هاأولام هازه) لما حصل كل ماحصل من أضرار. لكن الجيش الإسرائيلي بقي في المنطقة 18 سنة، خلال هذه الفترة تحول “حزب الله” إلى أداة حرب فعالة، واستلم القيادة الشيعية في لبنان، وأصبح له وزن سياسي، وحاز على احترام وتقدير الجماهير العربية التي قارنت قوة موقف حزب الله بضعف القادة العرب.
بينما دور إسرائيل في تقوية شوكة الإخوان المسلمين في مصر كان أكثر تعقيداً. كانت هذه المنظمة قد أنشأت عام 1928، قبل وجود دولة “إسرائيل” بـ 20 عاماً. وبعض أعضاءها حاربوا إسرائيل عام 1948. وكلما ساء وضع المواجهات بين الفلسطينيين وإسرائيل، زادت شعبية الإخوان. منذ حرب 1967 التي خسرت فيها مصر سيناء، وبعد عقد معاهدة سلام بين مصر وإسرائيل، زادت كراهية الجماهير المصرية للنظام وزادت شعبية الإخوان لأنهم مناهضين لمواقف الحكومة. ورغم أن الإخوان لم يكن لهم يد في اغتيال الرئيس السادات، إلا أنهم فرحوا بنهايته. ومعارضتهم لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل لم تكن بسبب عقائدي فقط، بل لأن هذا الموقف كان الموقف الحقيقي للجماهير المصرية بشكل عام. لأن المصريين شعروا بأن إسرائيل خانت الاتفاق وضحكت عليهم. كان في إتفاقية كامب ديفيد عنصر فلسطيني مهم، لولاه لما حصلت اتفاقية بين مصر وإسرائيل على الإطلاق. لأن السادات ظن حينها أن الاتفاقية ستؤدي في النهاية إلى إيجاد دولة فلسطينية. لكن لأن ميناحيم بيغين محامي أصلاً، كان داهية في كتابة الشروط القانونية المكتوبة بخط صغير في العقود. وهو من ضمن أجيال من اليهود الذين نشأوا على تعلم دراسات التلمود الذي هو في الأصل عبارة عن مجموعة من السوابق القانونية. كما ان أذهان اليهود كانت دائماً مشحوذة بالحجج القانونية، ومعروف أن هذا الأمر في طبعهم. مما جعلهم أكثر المحامين الذين عليهم طلب في العالم. لذلك جاءت اتفاقية كامب ديفيد خالية تماماً من ذكر دولة فلسطينية، كل ما ذكر هو الحكم الذاتي فقط، وصيغت الجمله بحيث ستسمح لإسرائيل بالاستمرار بالاحتلال. وهذا ما لم يتم توضيحه للمصريين، الذين أصبح حنقهم واضحاَ. لأنهم مقتنعون بأن بلدهم هي الدولة القائد في الوطن العربي، وعليها مسؤولية تجاه كل أرض عربية. لذلك لم يحتملوا خيانة الفلسطينيين الضعفاء.
كذلك احتقرالشعب المصري حسني مبارك وخلعه لأنه كان خادماً لإسرائيل مقابل أجر كانت تدفعه له الولايات المتحدة الأمريكية. بالنسبة للمصريين، لعب مبارك دوراً حقيراً في حصار المليون ونصف فلسطيني في قطاع غزة بالتواطؤ مع إسرائيل. والإخوان المسلمين في مصر، كان لهم موقف ثابت من مناصرة الفلسطينيين. وعدم اتفاق الفلسطينيين مع إسرائيل عزز صورة مشرفة للإخوان.
أما إيران، فهي مدينة لإسرائيل بالكثير. في عام 1951 حصلت في إيران أول انتخابات ديمقراطية في دولة إسلامية في المنطقة. حينها انتخب محمد مصدّق كرئيس وزراء، وعزل الشاه محمد رضا بهلوي عن العرش. الشاه كان من صنيعة بريطانيا التي نصّبته أثناء الحرب العالمية الثانية، وأثناء حكم الشاه جنت إسرائيل ثروة لا تقدر بثمن من خلال عقود المتاجرة بالسلاح الذي كانت تبيعه للجيش الإيراني، عدا عن اتفاقيات تدريب عملاء الشاباك الإسرائيليين لقوات الشرطة السرية التابعة للشاه والتي كانت تسمى السافاك. ومن المعروف أن الفضل يعود لعملاء إسرائيل هؤلاء في تدريب قوات البوليس السري التابع للشاه على أبشع أساليب وتقنيات التعذيب.
بعد خلع الشاه قام مصدّق بتأميم صناعة النفط الإيرانية التي كانت بريطانيا تغرف خيراتها حتى تلك اللحظة مقابل ثمن بخس لا يكاد يذكر. لكن بعد عامين حصل انقلاب على حكم مصدق بتنظيم وتنسيق كل من المخابرات البريطانية والأمريكية. وأعيد الشاه إلى منصبه مرة أخرى، وأعاد هو بدوره النفط الإيراني لبريطانيا وشركاءها. وازدهرت إسرائيل مرة أخرى تحت رعاية نظام الشاه من خلال بيع الأسلحة للجيش الإيراني كما ساعد الشاه في بناء ودفع تكاليف أنبوب نفط يحمل البترول الإيراني من مدينة إيلات الإسرائيلية على البحر الأحمر إلى عسقلان في فلسطين المحتلة. ومن خلال إيران كان جنرالات الجيش الإسرائيلي يسافرون إلى كردستان العراقية حيث كانوا يساعدون في التخطيط للثورات التي قامت ضد بغداد.
في ذلك الوقت، كانت القيادات الإسرائيلية تتعاون مع النظام العنصري في جنوب أفريقيا في مجال تطوير الأسلحة النووية. وكلا النظامين الإسرائيلي والجنوب أفريقي، عرضا الشراكة على شاه إيران لتصبح إيران أيضاً من مالكي مشاريع الطاقة النووية. إلا أنه وقبل تفعيل الشراكة، في فبراير من عام 1979 تم خلع الشاه عن العرش بقيادة الثورة الإسلامية. منذ ذلك الحين وإسرائيل وحليفتها أمريكا لعبتا دوراً رئيسياً في حملة ترويج أكاذيب ودعاية ضد إيران لتحريك الجماهير الإيرانية ضد قيادتها لتجرؤ إيران على المضي قدماً في مشروع امتلاك طاقة نووية. والآن جميع قطاعات الشعب الإيراني بمن فيهم المعارضة يساندون الجهود الإيرانية لامتلاك سلاح نووي خاص بهم، على الأقل لردع إسرائيل عن استخدام ما لديها من أسلحة نووية ضد إيران.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s