ماذا يقصدون بتعبير تشكيل حكومات إسلامية؟

Image

إقبال التميمي

الإعلام المحلي والدولي احتفيا أثناء اندلاع ثورات الشعوب العربية بمفردات التخلص من القهر والدكتاتورية  وانتشال العباد والبلاد من بؤر الفساد المستشري في الوطن العربي. لذلك فرحنا وهللنا عند سقوط عدد من الزعماء الذين التصقت مؤخراتهم بكراسي الحكم لمدد اشتكى منها الكرسي. لكن بمجرد سلخ هذا الدكتاتور وذاك عن مناصبهم، تغير الخطاب وأصبح المستقبل السياسي مرهون بما أطلق عليه تعبير الحكم الإسلامي. وتم خطف الثورات التي قامت أصلاً على أكتاف من لا يمجدون الفوارق العقائدية، من قبل بعض المتأسلمين، فارتدت مرحلة ما بعد الثورة العمامة. والحركات الإسلامية التي كانت تشدد على زهدها في الحكم، وتدعي أن دورها لا يتعدى تقديم الخدمة الاجتماعية تغيرت مواقفها وأصبحت تطالب بقضمة كبيرة من شطيرة الحكم، وبدأ التأطير السياسي يحصل بهذا الاتجاه. فما هو الحكم الإسلامي المرتجى، وهل الأحزاب الإسلامية الحالية قادرة على تطبيقه كما ينبغي لعدل المنهج الإسلامي المفترض.

 هل سيعني صعود حكومة “اسلامية” الالتزام بتطبيق أحكام الشريعة كما كان الحال منذ 14 قرناً؟ هل سيكون لدينا نسخة حديثة من رئيس دولة يشبه عمر بن عبد العزيز، يكتفي بشمعة وإبريق وضوء في بيت مكون من غرفة واحدة. هل سيمن علينا الإسلاميون بقائد مثل عمر، يغلق أنفه عند القيام بوزن المسك في بيت مال المسلمين لئلا يطاله ذنب التمتع بما ليس من حقه؟ وهل سيُطالب أبناء البلد من ذوي المعتقدات الأخرى، ممن شاركوا بإنجاح الثورة بدفع الجزية؟ هل يعني الحكم الإسلامي إنصاف النساء وتفعيل ما تم تعقيده من حقوق المرأة التي ضمنها الإسلام وصادرتها الحكومات الماضية مثل الخلع؟ وهل سيتجرأون على دعم مشاريع إنصاف النساء المسيحيات والأقليات الأخرى كما وعدوا شقيقاتهن المسلمات وتفعيل حق المتضررات منهن بطلب الطلاق، أم سيضحون بحقوقهن على أساس أنهم يتفادون حصول “فتنة” في البلد؟ هل سيكون هناك بيت مال للمسلمين ينفق على كل محتاج ومريض بغض النظر عن أي اعتبارات  أخرى؟

جميعنا ننتظر ونترقب هذه التغيرات ونحن نتابع مهرجانات الترشيح، حيث أصبح كل من هب ودب يطمع  بأن يقود الأمة، بمن فيهم المغني والحلاق والممثل والمريض نفسياً.

اللقاءات المتلفزة مع مرشحين “اسلاميين” تدل على ان مشروعاتهم الانتخابية عبارة عن كوكتيل من الإسلام المودرن، مرشح جلابية بلدي على قبعة بيفر، وكثير منهم ينتهج أسلوب “تعا .. ولا تجي”، تاركاً الاحتمالات مفتوحه على الغارب، لعله إن فشل في استقطاب “س” من الباب الأمامي، يستطيع اصطياد دعم “ص” من الباب الخلفي.

أظن أن هذا تكتيك لكسب أصوات المساندين والمعارضين معاً. فالحالمون بمجد الدولة الإسلامية سيصدقون المفروم من الكلام، والمتشككين سيتوسمون خيراً على أمل تحقق الوعود بالتغيير، لأننا شعوباً أدمنت الوعود والتسويف، وتحقق الوعود الانتخابية قد يصيبنا بالشلل. وللتخلص من سموم هذه الثقافة المتعفنة، يجب إخضاع الشعوب لجلسات غسيل أخلاقي جماعي.

مبهر حجم الحبال الصوتية التي نشرت عليها نداءات “الشجاعة” التي تفتقت بعد الثورة. لكن المقلق في الأمر أن هؤلاء المرشحين ذوي الأفواه الكبيرة والأنفاس العملاقة، هم ذاتهم الذين كانوا متقوقعين في شرانقهم لما يقارب من نصف قرن، ينتظرون أن يتحقق دعاءهم دون أن يجعلوا معه شيئاً من القطران. هم ذاتهم الذين تركوا للشباب الصغار مهمة اصطياد الثورة من ذيلها وبعضهم كان يلوّح بإثم الخارج عن مشيئة ولي الأمر.

للأسف الشديد لم يثبت في أي فترة تاريخية منذ انتهاء حكم الخلافة الراشدية، أو ربما بعدها بقليل، أن قامت دولة إسلامية نزيهة حكمت الشعوب وجلبت الرفاه للناس تحت راية هذا الدين. لأن قيام دولة إسلامية مرهون بتطبيق كل ما جاء في الشريعة بتكامل العناصر. لا يجوز الانتقاء أو الاكتفاء بنتف أجزاء من دستور متكامل وتوقع النجاح. لا يجوز أن يسرق الحاكم ما شاء له من ثروات البلاد والعباد، وفي ذات الدولة يأمر بقطع يد من سرق رغيف خبز لأن بطنه التصق بظهره من الجوع. لا يجوز للأمير أن يزني ويسكر ويعربد ويلعب القمار ويعدد ويطلق ويعلّق، دون أن يجد من يجرؤ على محاسبته، بينما مراهق أرعن يدخل السجن أو يجلد لأنه عاكس بنت. للأسف، علينا الاعتراف بعدم وجود نموذج واحد قائم لدولة إسلامية في هذا العصر برغم ما يدعيه إعلام تلك الدول. فالحكم الإسلامي ليس بمجموعة من المظاهر محصورة بشعر الوجه والرأس وطول الثوب وبضعة كلمات يتم حشرها بشكل هجين في الأحاديث اليومية.

نحن وجلون من المرحلة القادمة لأننا لا نتمتع باكتفاء ذاتي بعد، ولا نمتلك آليات الاتفاق على تطبيق أي خريطة طريق، ولا يوجد لدينا النيّة في إخصاء المؤتمرات التي تتناسل توصيات لا يتم تنفيذ أي منها. ولأننا ما زلنا نعتمد على نصح ومشورة  الخبراء، الآخر في كل شيء، حتى ملابسنا الوطنية التي تعكس هوياتنا المحلية مستوردة.

إن جميع الدول التي تدعي بأنها إسلامية في هذا العصر، هي دول موصومة بالتخلف واستشراء الفساد والجور ولديها أسوأ ملفات حقوق للإنسان. أكاد أجزم أنه لا يوجد دولة “إسلامية” واحدة في هذا العصر حققت الرفعه لشعبها، أو أثبتت أن هذا الحكم قابل للتطبيق في أجواء التبعية الثقافية والاقتصادية وتغوّل حكم العائلات التي يمارس أفرادها استرقاق البشر بأشكال مختلفة.

قبل التشدق والوعد بحكم إسلامي، على هؤلاء المرشحين أن يدرسوا الأولويات وأن يسألوا أنفسهم إن كانوا قادرين على أن يقولوا للأعور أنت أعور في أي محفل دولي دون خوف من انقطاع معونة التمور أو من طرد العمالة الوافدة من بلد ذلك الأعور؟

في الوقت الحالي لا أرى في مستقبل الحكم “الإسلامي” سوى وهم قد يرسمه ازدياد في عدد اللحى في مجالس النواب وطبقة الوظائف العليا. أو السماح بعدة دقائق مستقطعة لوقت الصلاة في الفعاليات. للأسف الشديد كل ما رأيناه حتى هذه اللحظة من الساعين لأسلمة الدولة هو مجرد استعراضات. لسنا بحاجة لمن يستعرض شجاعته برفع الأذان أثناء انعقاد مجلس النواب لحل القضايا المصيرية للناس، ولكننا بحاجة لشجاعة من يضمن لنا جميعاً ودون استثناء، عدلاً وحقوقاً مدنية حقيقية للجميع دون الإشارة إلى المذهب. لأن بلادنا تفتقر إلى العقليات السياسية الناضجة، لكنها تنعم بآلاف المفتين الجهلة وألف طريقة للتأويل. والعبرة سجلتها تجربة المملكة العربية السعودية التي ألّه رجال الدين فيها بعضهم بعضاً وانقاد خلفهم البسطاء، دون تفعيل لدور الاجتهاد أو القياس. فلم يجرؤ أحد إلى الإشارة بأن الإمام ابن تيمية أخطأ عندما أجاز قتل غير المسلمين، فكانت فتواه مبرراً اتكأ عليه كل من مارسوا الإرهاب باسم الدين، حتى أولئك الذين لا يحسنون القيام بالوضوء. وانعكس هذا سلباً على سمعة الإسلام والمسلمين وما زلنا جميعاً ندفع الثمن رغم أن السعودية اضطرت متأخرة جداً لرفض فتواه والتنصّل منها لحقن دماء المزيد من الأبرياء. لكن هيهات…جاء القرار متأخر جداً.

إقبال التميمي/ صحفية فلسطينية مقيمة في بريطانيا 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s