قطر تتحدى روسيا … “انت سيب.. وأنا أسيب”

Image

إقبال التميمي 

قطر، دولة خليجية صغيرة تبلغ مساحتها 11 الف كيلومتر مربع، ولا يتخطى عدد سكانها المليوني نسمة، غالبيتهم وافدين، إذ أن عدد مواطنيها منهم 300 الف نسمة فقط. ومع ذلك لا تفوت قطر مناسبة دون فرض نفسها كلاعب اساسي على الساحتين العربية والعالمية، والتلويح بقدراتها الاقتصادية. إذ أصبحت قطر تكفي احتياجات بريطانيا العظمى من الغاز السائل وبنسبة 52% من مجمل حاجة الدولة التي كانت مكتفية ذاتياً، بل وفي الفترة بين يناير/كانون الثاني ونوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي ارتفعت نسبة استيراد بريطانيا للغاز السائل القادم من قطر إلى 85% من كامل احتياجها، هذا عدا عن استثمارات أخرى في مجالات العقار والبنوك والرياضة والترويج للنشاط الثقافي. وعلى ذمة “بنجامين بارت” مبعوث صحيفة “لوموند” الفرنسية إلى الدوحة، فإن هيئة الاستثمار القطرية، لها أصول يصل حجمها إلى 60 مليار يورو في أكثر من 39 بلداً حول العالم.

سياسات قطر الحالية عصية على التأويل. إذ ثمة هناك تناقض كبير في سياساتها الداخلية والخارجية، إذ تحمل في الداخل أساليب الاستبداد العلماني، حيث يتحكم في ما يجري داخلها الأمير وزوجته الأثيرة وابنه منها ورئيس وزراءه، بينما تسعى في سياساتها الخارجية تجاه الدول العربية الأخرى إلى دعم وتعزيز الحكم الديني الإخواني “الديمقراطي”.

تحاول الدوحة الاستفادة من تراجع دور مصر القياديي بعد الثورة، وضعف دور سورية الاستراتيجي وانشغال العراق في صراعاته الداخلية. إضافة إلى استكمال محاولاتها في منافسة السعودية على دورها في تشكيل الرأي العام من خلال إعلامها الذي يحاول التشديد على أهميتها الروحية للمسلمين. لذلك في غياب دور هؤلاء لعبت قطر أدواراّ تراوحت بين التسليح والوساطة والتمويل والتحريض.

 لكن موقع قطر الذي لا يكاد يظهر على الخارطة، وسط منطقة لا يضمن استقرارها نتيجة التوترات القائمة بين دول الخليج وإيران، يعني أن هناك احتمال لوجود عوائق مستقبلية في وجه شحنات نفطها، خصوصاً وأنها تعتمد على توصيل شحناتها في الدرجة الأولى عبر مضيق هرمز الذي يقع على مرمى حجر من إيران التي تلوح بعداءها لدول الخليج العربي. والطريق الآخر لنفط قطر، يمر عبر قناة السويس التي تقع على مرمى حجر من إسرائيل المدعومة كلياً من الولايات المتحدة الأمريكية. وهذا الوضع غير مطمئن للمعتمدين على استيراد كميات ثابتة من من المنتجات النفطية القطرية. وحيث أن بريطانيا تعتمد على غاز قطر، لو حصل أي تعطيل للإمدادات فإن أسعار الغاز في بريطانيا سترتفع إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق. لذلك أصبح استقرار أمن قطر من ضمن مصالح بريطانيا أيضاً.

لا يخفى على أحد ارتفاع منسوب طموحات قطر مؤخراً وبشكل فاق التكهنات. إذ حاولت قطر أن تلعب دوراً أكبر مما يوحيه حجم مساحتها أو تعداد سكانها منذ اندلاع الثورات العربية. واستغلت قناة الجزيرة لتكون بوقها الإعلامي عندما دعمت من خلالها الإطاحة بحكم حسني مبارك في مصر، وأثناء لعب دور المنسق لنقل السلطة من علي عبد الله صالح في اليمن، والدعم الصريح مادياً وعسكرياً للإطاحة بالزعيم الليبي السابق معمر القذافي، والضغط الحالي باتجاه تسليح الثوار في سوريا.

من ضمن مغامرات قطر أن وضعت نفسها مكان الند بالند على كفة الميزان السياسي المقابل لدولة روسيا العظمى، عندما رفع رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، حمد بن جاسم، أصبع التحذير في وجه السفير الروسي لدى مجلس الأمن، فيتالي تشوركين، على خلفية مناقشة الوضع في سوريا، إذ قال بن جاسم لتشوركين وعلى طريقة عادل إمام – انت سيب.. وانا حا سيب- “احذرك من اتخاذ أي فيتو بخصوص الأزمة فى سورية، فعلى روسيا أن توافق على القرار وإلا فإنها ستخسر كل الدول العربية”.

يحمل هذا التهديد في طياته نبرة واثقة توحي بأن قطر هي حنجرة جميع الدول العربية فيما يتعلق بموقفها من ما يجري في سوريا، وهذا يعني أنها نصبّت نفسها وكيلاً عنهم كدول قصّر، وأن روسيا تعتمد على البلاد العربية لاستمراريتها. وأن قطر متأكدة من مساندة جهات حليفة غير عربية، وأن هذا الحليف الذي تصيح من خلف ظهره، يعادل الثقل الروسي على الميزان. لا شك أن هذا قد يكون صحيحاً، إذا أخذ بعين الاعتبار الدعم الأمريكي لها، حيث تستضيف قطر على أراضيها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة هي قاعدة عيديد. إضافة إلى صداقتها “الحضارية” مع إسرائيل التي تعتبر الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتك السلاح النووي.

قيل أن هذا الأسلوب استفز ممثل الدولة العملاقة روسيا. فكان رد تشوركين بمثابة إعادة تحجيم ممثل قطر إذ قال له “إذا عدت لتتكلم معي بهذه النبرة مرة أخرى، لن يكون هناك شيء اسمه قطر بعد اليوم، أنت ضيف على مجلس الأمن فاحترم نفسك وعد لحجمك وأنا أساسا لا أتحدث معك، أنا أتحدث باسم روسيا العظمى مع الكبار فقط”.

كان الرد بمثابة ضربة موجعة تحت الحزام. ممثل روسيا لوّح بقدرة بلده على محو قطر من الخريطة. وذكّر ممثل قطر بأخلاقيات الضيف وحدوده. وهذا الرد يعكس نظرة روسيا الدونية إلى حجم وقدرات قطر المنفردة.

يبدو أن تلك المشادة كانت شرارة البدء في توسيع هوة الخلاف بين الدولتين، إذ وقع إثرها الرئيس الروسي مرسوما يعفي السفير فلاديمير تيتورينكو من منصبه في قطر. لكن هذه المشادة لم تكن وليدة ذلك الاجتماع، إذ كانت العلاقة بين قطر وروسيا تزداد برودة خلف الكواليس منذ أن خفضت روسيا مستوى تمثيلها الدبلوماسي في قطر قبل ثلاثة أشهر على خلفية تعرض تيتورينكو ودبلوماسيين روسيين آخرين من مرافقيه، لاعتداء على ايدي قوات الامن والجمارك القطرية الذين حاولوا الاستيلاء على البريد الدبلوماسي الروسي بالقوة في مطار الدوحة، لدى عودة السفير من مهمة دبلوماسية. بالنسبة لحجم المشاريع الاقتصادية المشتركة بين الدولتين، كان قد جرى اتفاق بين قطر وروسيا على تطوير مصافي البترول الروسية في شبه جزيرة يامال في سيبيريا، إضافة إلى الاستثمار في لحوم غزال الرنة الحلال. كما كانت مجلة “شبيغل” الألمانية قد نشرت تقريراً ادعت فيه إن وكالة الأنباء السورية ‏اتهمت قطر بتسليح المجموعات الإرهابية في المدن السورية، بما فيها مدينة حمص. وقالت أنه تم العثور على وثائق تدل على أن قطر اشترت ذمة صحفيين من روسيا لنشر أكاذيب عن النظام في دمشق.

تقرير التلفزيون الروسي يرى في انتفاخ الإيغو لدى قطر سببه اعتمادها على دعم أمريكا السياسي، العدو التاريخي لروسيا، لذلك كانت قطر أول دول عربية تقفل سفارتها في دمشق، وتقوم بتزويد الثوار السوريين بالأسلحة، كما فعلت مع الثوار في ليبيا مما أكسبها مديح الرئيس الأمريكي، أوباما، وجعل هيلاري كلينتون وزيرة خارجيته تصف علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بقطر بالشراكة، رغم الفارق في المساحة والثقل السياسي بين الشريكين غير المتكافئين. وعلى أساس مقولة أن “صديق صديقي هو صديقي”، هذا يعني أن قطر أكثر من مجرد صديقة لإسرائيل، وهذا أمر لم تجتهد قطر في إخفاءه حتى قبل حدوث الثورات ضد دكتاتوريات المنطقة العربية. لخصت قناة “روسيا اليوم” وصف حميمية العلاقات الحالية بين الولايات المتحدة الأمريكية وقطر بالقول “إن الولايات المتحدة التي كانت تصف قناة الجزيرة القطرية بالقناة الإرهابية غيرت لهجتها وأصبحت تشيد بالجزيرة علناً وتصفها بأنها تلعب دوراً مهماً ورئيسياً”

إقبال التميمي صحفية فلسطينية مقيمة في بريطانيا.

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s