مصر تعود إلى استرقاق النساء في عهد حريات ما بعد الثورة

Image

بقلم إقبال التميمي

انفلات مرعب تشهده حالياً مصر بعد ثورتها على النظام الدكتاتوري الفاسد البائد، تتم فيه ترجمة الحقبة الجديدة المتميزة  بفتح فضاء حرية التعبير عن الرأي،  بفساد من نوع جديد متأسلم يهدد مكتسبات المرأة القانونية وحقوقها الإنسانية ويعمل على تصدّيع بناء المؤسسات الاجتماعية الأساسية مثل مؤسسة الأسرة.

من ضمن عجائب فترة إطلاق الحريات في مصر، تزايد عدد القضايا الغريبة التي أطلقها بعض المتأسلمين والتي تهدد صورة مصر الحضارية، على غرار ما بثه برنامج “الحقيقة” عبر قناة دريم ليلة الاثنين 2 يوليو/تموز من تقديم الإعلامي وائل الإبراشي الذي عرض فيديو وناقش قضية ما أطلق عليه اسم، اول زواج اسلامي بنظام ملك اليمين في مصر، حيث ارتبط رجل بامرأة على أساس أنها ما ملكت يمينه. حيث أفتى شيخ متأسلم بأن الزوجة تستطيع منذ تلك اللحظة التي أصبحت فيها من ما ملكت يمينه، أن تخرج حاسرة الراس وملابسها تغطي ما بين السرة والركبة فقط. وأثبت هذا في البث المصور بالفيديو حيث خلعت الزوجة “الأمة” عباءتها وغطاء رأسها وكشفت ذراعيها ونحرها أمام الشهود والكاميرا وقبلها الزوج الغضنفر ذو اللحية.

الحقيقة لا يدري المرء كيف يتماشى هذا الوضع مع رجل ملتحي يبدأ أحاديثه بالصلاة والسلام على النبي ويفترض بأنه رجل مسلم يغار على عرضه لكنه في ذات الوقت استهان بكرامتها بأن نقلها من قائمة الحرائر إلى قائمة الإماء، وجعل من لحمها مشاعاً مباحاً تأكله جميع العيون.

بنى عبد الرؤوف عون اجتهاده على حالة انتهت وانقرضت ولاعودة لها، وهي مرحلة كانت فيها النساء مستعبدات كرقيق، كما كان الحال قبل الإسلام حيث كانت تغير القبائل على بعضها وتسبي النساء، فتصبح المرأة الحرة ذات الحسب والنسب، أمة أو عبدة تباع وتشترى مثل المتاع لإذلال رجال قومها وتدنيس شرفهم وتنكيس مكانتهم. نسي عبد الرؤوف أن التشريعات التي أتت مع الإسلام ضمنت التخلص من الرق تدريجياً إلى غير رجعة من خلال وضع عدد من العقوبات والشروط والمحفزات التي تضمن تحرير البشر، مثل: إذا حملت المرأة من سيدها، وبمجرد وضعها تصبح حرة، هذا عدا عن الكفارات المختلفة التي تسقط بعتق الرقاب، وشراء العبيد وتحريرهم في حالات مثل القتل غير العمد وغيرها.

الإعلام قدم الرجل الذي قام بالترويج لهذا الارتباط وطبقه على نفسه، بأنه داعية إسلامي يعمل مهندسا. ومن هنا يبدأ الخطر، لأنه رغم جهل “الداعية”  الواضح بالقانون والشريعة، أسبغ عليه هذا الوصف شيء من المصداقية لترويج فكرته بين البسطاء من الناس، رغم أن ما قام به لا يتعدى كونه تدويراَ لأحد أشكال الدعارة، وعودة إلى الوراء بحقوق المرأة إلى أكثر من 14 قرن فاتت، بتحويلها إلى أمة أو عبدة لأسباب جنسية ذكورية بحتة، والجور على حقوق المرأة المسلمة بإقناعها بمنح جسدها وروحها والتنازل عن جميع حقوقها المادية والأدبية لرجل، عبر صيغة “زواج” على صيغة استملاك للمرأة- التي أقنعها الرجل بأنها جارية-  بدون شهود أو إثبات ودون التزام من قبله بأي حقوق مادية أو معنوية إذ  قرر أنه رجل حرّ واختار لها أن تكون عبدته أو جاريته.

في الشريط الذي عرضته القناة قامت المرأة التي أقنعها “الشيخ عبدالرؤوف عون” بفكرته، بتمليك نفسها له، ورد هو بقبول ذلك من خلال قراءة سورة “الإخلاص”، التي قرأها ورددتها وراءه بلهجة مغربية متعثرة. موضحاً بأنها إن أردات تطليق نفسها منه، تقوم هي، وليس هو بتلاوتها عليه فتصبح حرّة منه. والزوجة “الأمة” التي تقول “ملكتك نفسي بدلا من زوجتك نفسي” تكون قد دخلت هذا الارتباط بلا مستندات أو وثائق أو حقوق، وإن تم فتح هذا الباب، سيكون مدخلاً لإشكاليات لا حصر لها من جرائم العلاقات المتكررة التي لا يمكن تتبعها، وحالات اختلاط أنساب الأطفال الذين لا توجد قيود تثبت تواريخ ارتباط والديهم.

حاول عبد الرؤوف تبرير زواجه المجاني الخالي من جميع أشكال الالتزام المادي والمعنوي، بمحاولة اقناع المشاهدين أن فكرته أتت لحل مشكلة عدم قدرة كثير من الشباب على تكاليف الزواج مركزاً على قلقه على شباب في السادسة أو السابعة عشرة ممن لا يستطيعون الزواج. قائلاً “أحببنا أن نؤكد للجميع أن علاقة ملك اليمين مبنية على الحب والرحمة، وليس علاقة تجارية مبنية على المال، فكان مهرها آيات من القرآن، ولذلك قلت لها: قبلت وكاتبتك على سورة الإخلاص”.

إن استخدام سورة الإخلاص لإضفاء هالة من القدسية على هذا العهر المجاني المغلف بلحية، أمر يجب الوقوف عنده لخطورته، لأن فيه محاولة لعقد مقارنة ذهنية خبيثة مع توصيات الرسول الكريم بزواج الشباب الذين لا يملكون مهر النساء نتيجة للفقر المدقع، حيث يقبل من الرجل التقي تقديم ما يحفظ من القرآن كمهر للزوجة. هذا النوع من المهر الرمزي فيه إشارة إلى ورع الزوج الفقير وبأنه من حفظة كتاب الله وقادر على إنصاف زوجته وحمايتها حسب ما جاء في كتاب الله رغم ضيق ذات يده. لكن الشيخ عبد الرؤوف لا يوجد لديه مبرر لعدم تقديم مهر، فهو يعمل كمهندس، ومظهره يدل على أنه في بحبوحة من العيش وبإمكانه تقديم أضعف الإيمان لزوجته وهو خاتم من حديد.

قال عبدالرؤوف عون الذي قام بخلط الأوراق بطريقة في غاية الخطورة لصيد عصفور آخر بنفس الحجر، بأن سبب تفكيره بهذا الشكل من الزواج عائد أيضاً إلى قلقه على النساء المسلمات اللواتي لا يردن ارتداء الحجاب، قائلاً “أن نسبة كبيرة من الفتيات المسلمات لا يستطعن الالتزام بالحجاب ولا هن مقتنعات به”. وأردف عون السوبرمان المتطوع لإنقاذ النساء المتضايقات من الحجاب إنه “يفتح بابا يجعل كثيرا من المسلمات يمشين في الشارع كاشفات الشعر بالحلال. فخبطته الفكرة بأنه “طالما أن الله أباح للمرأة ملك اليمين ذلك، تستطيع المرأة أن تصبح أمة من خلال هذا الزواج الذي سوف يسمح لها بأن تكشف شعرها  وأجزاء أخرى من جسدها. وحجابها يصبح محصوراً بإخفاء ما بين السرة والركبة فقط”، يعني مسموح لزوجته أن تسير وسط السوق “توب ليس” مكشوفة الثديين أيضاً. ونعم الحل يا حنون.

ما زال المتأسلمون الذكور يخترعون أشكالاً مختلفة من استغلال النساء جنسياً تحت عباءة الإسلام بمسميات مختلفة تضمن للرجل المتعة المجانية وعدم الالتزام بأي مسؤولية تجاه المرأة. وفي هذا إجحاف لها أسوأ من الدعارة. لأن الدعارة واضحة لا تختفي تحت قناع العفة، وتمنح المرأة اختيار كلفة التمتع بها.

فشل عبد الرؤوف في الرد على سؤال مقدم البرنامج وضيف الحلقة الدكتور عبد الله النجار عضو مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر، اللذان سألاه ، طالما أن المرأة التي تزوجتها هي من “ما ملكت أيمانكم”، أي أنها ليست حرّة، فمن كان مالكها الأصلي، ممن اشتريتها وماذا كان ثمنها. ماطل صاحب فكرة ما ملكت أيمانكم وحوّل مسار النقاش ووقت البث للترويج لكتاب ألفّه حول زواج المتعة.

للأسف اخترع الشيوخ أسماء مختلفة لتغليف مبررات تنفيس شهواتهم الجنسية من خلال استغلال حاجة النساء الفقيرات والضعيفات، مثل زواج المتعة، وزواج المصياف، والمسيار، والعرف، وزواج فريند وغيرها. دون استحداث فتاوى تخدم حقوق النساء وكرامتهن و كرامة أولادهن إن حملن وأنجبن من هؤلاء الرجال.

هل المرأة في الإسلام مجرد وعاء لشهوة الرجل؟ هل النساء مضطرات للمشاركة بتمثيلية الزواج كإماء للخروج حاسرات الرؤوس والصدور والسيقان، هل التخلص من بعض الملابس لا يتم إلا بمنح النساء أجسادهن للرجال عبر تقبلهن فكرة أنهن جواري وإماء في عصر استطعن فيه أن يصلن لمواقع القرار؟

تفشي هذه الفرضيات التي تفتقر إلى منطق في المجتمع بين الجاهلات، تعني القضاء على مكتسبات المرأة القانونية وعودة الاسترقاق والتعهير تحت مظلة إسلامية تفكك مؤسسة الأسرة التي تضمن شيئاً من حقوق النساء والأطفال.

 المرأة التي لا تقتنع بغطاء رأسها تستطيع أن تخلعه دون أن تمكن رجل بخيل ومهووس بالجنس من جسدها. للمرأة حرية أخذ القرار المتعلق بشكل التزامها الديني أو مظهرها لأنها “حرّة” تملك حق اتخاذ القرار كما تتحمل نتائجه. المرأة المسلمة ليست بحاجة لمبرر يمر عبر الفراش أو يجعلها عاهرة أو خادمة مجاناً لتأخذ قراراً بتغطية رأسها أو كشفه. ألم يفكر هذا المستشيخ بملايين الشباب الذين تطفو هرموناتهم على أدمغتهم وتعيق الرؤية المنطقية لديهم عندما لوّح لهم بأن فكرته ما جاءت إلا لإنقاذهم من الكبت الجنسي؟، ألا يعلم بأن هؤلاء الشباب لا يزالون يفتحون راحات أيديهم لوالديهم لاستلام ثمن موس الحلاقة الذي يهذب وبر وجوههم، وأنه لو حصل وأن راقتهم فكرته، ستتحمل الدولة وأسرهم عبء مسؤولية ملايين الأطفال الذين سيولدون من رحم هذه الفكرة الهجينة التي لا تضمن للأطفال ولا لأمهاتهم أي من أشكال الحياة الكريمة.

كإمرأة مسلمة، وكإعلامية ناشطة في مجال حقوق المرأة أطالب الجهات المسؤولة في مصر، بإجراء تحقيق قانوني وشرعي في هذا الطرح، والخروج بنتيجة قانونية وشرعية محكمة يتم تعميمها إعلامياً، لوقف المهازل التي يحاول من خلالها الرجال التمتع بالنساء دون ضمان لحقوقهن القانونية تحت شرشف الدين. ومعاقبة كل من يجرؤ على استغلال النساء والفتيات من خلال بوابة الإفتاء دون ترخيص من هيئة متخصصة ومعتمدة. وحيث أن طرح ” ما ملكت أيمانكم” وما شابهه من طروحات يعودون بنا إلى عصر ما قبل ألف وسبعمائة وخشبة قبل الميلاد، أتمنى أن تكون العقوبة من جنس ذات العمل كما أفتى حمورابي في شريعته. وعلى هذا لن نتعاطف كنساء مع شخص سيحكم عليه بالإخصاء لأن دماغه ينتج فتاوى لا تتعدى حدود السرير دون مراعاة للأذى الذي سينعكس سلباً على أمن الدولة والمجتمع.

http://www.youtube.com/watch?feature=endscreen&v=0gBugSEjbFM&NR=1

Advertisements

5 thoughts on “مصر تعود إلى استرقاق النساء في عهد حريات ما بعد الثورة

  1. أولا أرجو منك البحث علي النت لمراجعة أنه صدر أكثر من ألف رد من علماء معظم الدول العربيه يؤكد عدم وجود زواج مثل هذا
    ثانيا لقد تم إثبات أن المرأة المذكورة ليست إلا سيده بحرينيه هاربه تعيش في مصر وهي شيعية الديانه ومطلوبه في البحرين لأنها عميله لإيران
    ثالثا الرجل الذي تملكها (تزوجها) فقد ثبت في الجرائد المصريه في اليوم التالي للبرنامج بأنه شيعي ويعمل كداعيه للتشيع في منطقته وهو كما قيل من الشيوخ المعممين
    رابعا أوافقك الرأي بأن فتح هذا الباب ليس إلا عوده إلي حاله مؤقته عمل الأسلام علي إنهائها كما ذكرتي بشتي الطرق

  2. المقال جميل ورائع يا أستاذه إقبال
    اللهم احفظ الاسلام والمسلمين في كل مكان

  3. أشكرك يا أستاذ وليد على تقييمك للمقال. وأسأل الله أن ينير بصيرتنا فنرى الطريق القويم.

  4. لاحول ولاقوة الابالله ، لا أظن أن المشكلة متعلقة بمصر وحرياتها وثورتها المشكلة أكبر هذه فتنة كبري وأمثال هؤلاء يجب أن يحاربوا ليل نهار . اللهم أقبضنا اليك لاضالين ولامضلين آمين يارب العالمين .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s