“أنا والعسل”.. مهانة للنساء

شيرين عبد الوهاب في برنامج "أنا والعسل"ِ

شيرين عبد الوهاب في برنامج “أنا والعسل”ِ

لا يختلف اثنان على أن المرأة على الشاشات العربية ما زالت تعتبر أداة للترفيه، وأن غالبية الرجال بمن فيهم بعض الإعلاميين لا يرونها نداَ، بل ما زالوا ينظرون إليها بدونية، ولا يرون أن من حقها حماية خصوصياتها. أحد الأمثلة على هذا التوجه جاء هذا العام ضمن أحد برامج رمضان “الترفيهية” على قناة الحياة المصرية من خلال برنامج “أنا والعسل” حيث استوردت القناة المصرية الإعلامي اللبناني نيشان ليكون مضيف البرنامج، رغم أن مصر تمتلك فائضاً من مقدمي ومقدمات البرامج الذين يتفهمون طبيعة مجتمعهم ويستطيعون استقراء نبض الجمهور وتوقعات المشاهدين من القنوات التلفزيونية في رمضان.

العسل المقصود في هذا البرنامج هو المرأة التي أصر “نيشان” على مغازلتها إعلامياً ووصفها مراراً وتكراراً بالسندريللا والأنثى، رغم أنه بعد مقدمته الطويلة من المغازلة يبدأ بالضرب تحت الحزام.

التلذذ بالعسل كان هدف نيشان الذي كرر محاولاته لاستخراج خفايا حياة النجمات واستفزازهن للتحدث عما يحاولن حمايته من حياتهن الخاصة من أجل أن يسجل نقاط نجاحه من خلال فضح ما أخفين، ومن خلال استفزازهن لدرجة الغضب أو البكاء وذلك لتحقيق نسبة مشاهدة عالية. هذا النهج لا يمكن وصفه إلا بأنه انحدار للذوق وتمييز غير مبرر ضد النساء، خصوصاً وأنه اختار استضافة النساء حصراً دون الرجال. وهنا يتساءل المرء عن الحكمة من أن يكون المضيف رجلاً وجميع ضيوف حلقاته من السيدات أو السندريلات كما وصفهن. وفي الإجابة عن السؤال تفهم لوضع الإعلام العربي الحالي ونظرته إلى المرأة كمصدر للترفيه.

بدأت الحلقة الأولى بالسيدة المميزة ماجدة الرومي فاستبشرنا خيراً. كانت كعادتها رزينة، مثقفة، واعية وواثقة من نفسها. وضعت حداً لمحاولات مقدم البرنامج من عبور الخط الذي رسمته حداً فاصلاً بين خصوصياتها وما سمحت له به من اقتراب عبر بوابة مهنتها. وأصرّت على إعادته كلما فلت من مدار الحديث الذي يعنيه إلى حيث يجب أن يكون. ثقافتها العالية وذكاءها المتوقد واحترامها لذاتها ومعرفتها بخبايا الإعلام ومقدرتها على معالجة أساليب المحاور كشفت عن عمق معرفتها بالحالة السياسية التي تمر بها المنطقة. لذلك نجحت برفع المرأة العاملة في المجال الفني من بؤرة الإسفاف إلى علياء الثقافة.

لكن الحلقة الثانية وما تلتها من حلقات تمكننا من مشاهدتها حتى الآن بدأت بالكشف عن سياسة مقدم البرنامج في حشر النساء في خانة السندريللا وإمطارهن بالإيحاءات الجنسية وحشر مفردات الأنوثة في كل جملة وبشكل مبالغ فيه. هذا عدا عن تقديم وجبة من العسل لضيفة  الحلقة بطريقة فجّة.إذ  لم يرفق وعاء العسل بملعقة وإنما بما يشبه “لولي بوب” كبيرة الحجم مصنوعة من الزجاج  يصعب التحكم بما علق فيها من عسل، وفي نهاية الأمر تضطر النجمة إلى “لحس” الأداة التي يفترض بأنها تستخدم عادة لحمل العسل فقط لرسم خطوط بالساقط منها على قطعة توست أو خبز محمّص، وليس لتوضع مباشرة في الفم. يعتبر هذا الفخ، مصيدة مسيئة تدل على عدم احترام ضيفات البرنامج.

لقاءه مع شيرين عبد الوهاب وتلذذه بالإصرار على كشف مكنونات حياتها الخاصة والحديث عن طلاقها الذي ما زال جرحاً لم يلتئم بعد، واستضافته لأحد الأشخاص من معارفها ومعارف زوجها السابق ليضغط عليها نفسياً من خلال لعب دور ولي الأمر وبالقول بأنها لا بد وأنها ستعود لزوجها دون أي اعتبار لمشاعرها أو رأيها، كان أمراً مستهجناً.

حاول نيشان مراراً أن يقنع ضيفته بنشر غسيل حياتها الخاصة دون مراعاة كونها أم تحاول حماية ابنتيها من الإعلام الذي يمتلك ذاكرة حديدية للفضائح. ورغم توضيحها لرأيها في هذا الموضوع ومحاولاتها المتكررة لإغلاقه استمر بمضايقتها، معتبراً أن من حقه وحق المشاهدين الدخول إلى خفايا حياتها الخاصة لمجرد أنها نجمة، أو حسب تعبيره شخصية عامة، إلى ان وصلت مرحلة الانهيار والبكاء علناً.

غادة عبد الرازق ونيشان في برنامج "أنا والعسل"

غادة عبد الرازق ونيشان في برنامج “أنا والعسل”

في الحلقة الثالثة قدم نيشان ضيفته على أنها حسناء، غادة القد والجاذبية. إذ لم ير فيها سوى جسد. ضيفة البرنامج “الرمضاني” كانت الممثلة غادة عبد الرازق التي ارتدت ثوباً لا يكاد يغطي ثلث جسدها وطلاء شفاهها المبالغ فيه بدا وكأنه عدة طبقات من الزيت. ولا أريد الخوض هنا في ازدواجية المعايير لدى الجهات الرقابية في مصر التي منعت بث مسلسلات مثل “شربات لوز” و”كاريوكا” على أساس أنهما لا يليقان بشهر الصيام لكن مررت الرقابة ظهور الفنانات بثياب من الحجم الاقتصادي. المثير للانتباه أنها قالت أثناء البرنامج ” أنا فيا شيء لله”، وربما يكون هذا الشيء هو الذي منحها الاستثناء من قواعد الرقابة.

ظن نيشان بأنه يستطيع أن يمحي إساءاته للنجمات بعد تشييئهن وحشرهن في قوالب الجسد والحديث المتكرر عن الأنوثة والأوشام على جسد الضيفة والإيحاءات الجنسية الأخرى عندما حشر ألفاظاً فيها مدلولات عقائدية مثل ” ما شاء الله عليكي” و ” ومن شر حاسد إذا حسد” لتختلط في كوكتيل وصفه لغادة عبد الرازق بأنها “الست السيكسي اللي بتجزوب واللي اليوم سيكسي أكثر” و “عم بتحلوّي أكثر”.

الغريب ليس في وصفه الذي قد يترجم إلى شهوانية لا تليق باستضافة سيدة متزوجة وأم في رمضان، وإنما بردها عليه بالقول “ربنا يخليك” وكأن في ما قاله مجاملة تستحق الثناء أو الشكر.

من المؤكد أن الفنانة شيرين عبد الوهاب التي استدرجت بطريقة بشعة للحديث عن أشياء استفزتها، ومعاملتها من قبل مقدم البرنامج بتنمّر وتسلّط وقلة احترام، والتي عبرت عن استياءها الشديد من اللقاء وقالت أثناء تسجيل الاستراحة ” أنا هاوريلو بعد الحلقة” قد نفذت تهديدها، اذ اضطرت القناة لتصحيح ما أفسدته بمنحها لقاء آخر في حلقة أخرى من نفس البرنامج وعلى غير ما هو متعارف عليه. وهذا في عرف الإعلام اعتذار علني واعتراف بسوء إدارة البرنامج. السؤال يبقى التالي: ألا ترى إدارة قناة الحياة أن المجتمع اللبناني يختلف عن المجتمع المصري وأن الإعلام يجب أن يعكس حساسيات المجتمع المستهدف بالبرامج.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s