التشابه الشديد بين المسلمين واليهود المتشددين عندما يتعلق الأمر بالفصل بين الجنسين

حافلة يهودية تفصل بين الجنسين طولياً بستارة ثقيلة

حافلة يهودية تفصل بين الجنسين طولياً بستارة ثقيلة

إقبال التميمي

أثناء جمعي للأدلة على تفشي ظاهرة التمييز والفصل بين الجنسين في المؤسسات الإعلامية لدراسة أكاديمية. ومن خلال الاطلاع على عدد من الحوادث والأخبار خرجت بقناعة تامة تشير إلى أن المسلمين واليهود المتشددين كلاهما شديدي الشبه ببعضهما البعض عندما يتعلق الأمر بالتمييز ضد المرأة حتى ضمن أوساط مجتمع المتعلمين.

لفت نظري خبر نقلته الصحافية الإسرائيلية “ايميلي غرونزويغ” يوم 11 من سبتمبر 2012، في صحيفة هآرتس حول إذاعة “آي بي إيه” التابعة للحكومة الإسرائيلية والتي تبث من القدس، إذ قامت الإذاعة بافتتاح غرفة كنيس يهودي للعبادة في مبنى الإذاعة، وخصصت المكان للرجال دون النساء. اعترضت العاملات في الإذاعة الإسرائيلية على هذا التمييز. كان تبرير المسؤولين لهذا التمييز بأنه لقلة توافر الغرف المتاحة في الإذاعة، وقلة إقبال النساء على الصلاة. إضافة لذلك امتنعت الإذاعة عن الاستجابة لسؤال الصحفية المتعلق بوجود أو عدم تخصيص أماكن للعبادة للعاملين في الإذاعة من الديانات الأخرى.

عملت شخصياً لمدة 6 سنوات في مبنى قنوات تلفزيون إم.بي. سي وشقيقتها قناة العربية في مدينة دبي للإعلام، حيث تم تخصيص مكان للعبادة للمسلمين من الجنسين. كان هناك”مصلّى” للنساء في الطابق الأرضي لا يختلف مساحة أو تجهيزاً عن مصلّى الرجال. لكن لم يكن هناك مكان مخصص للعبادة للعاملين من أصحاب الديانات الأخرى، ربما لصعوبة حصر انتماءاتهم المذهبية أو ربما قلة أعدادهم أو عدم تدينهم مقارنة بالعاملين من المسلمين. إذ كان هناك عاملين مسيحيين من مذاهب مختلفة، وأشخاص من أصول آسيوية لا علم لي بدياناتهم. وهناك احتمال بأن القناة لن تجرؤ على تخصيص مكان للعبادة لذوي الديانات الأخرى كونها تتلقى الدعم المالي واللوجستي من المملكة العربية السعودية التي ترى في ممارسة العقائد الأخرى حياداً عن عقيدة الإسلام دين الدولة، إذ لا زالت السعودية لا تسمح بالترخيص لإقامة دور للعبادة لذوي الديانات الأخرى على أراضيها.

بالنسبة للإذاعة الإسرائيلية، من الواضح تماماً أن التمييز بين الجنسين ممنهج وقائم. وإلا لما تم تخصيص المكان للرجال دون النساء إن كانت عدد الغرف المتوفرة محدودة، ِلمَ لَمْ يحدث العكس، أي أن يتم تخصيص المساحة المتوفرة للنساء. وكيف تيقنوا من عدم إقبال النساء على الصلاة إن لم يكن هناك أصلاً مكان مخصص لهن للعبادة. ناهيك عن ممارسة التمييز على أساس الدين أو المذهب بعدم تخصيص أماكن عبادة للعاملين من غير اليهود في دولة تدعي تطبيق الديمقراطية بينما هي تمارس العنصرية على كل كافة المستويات.

هذا الموضوع ذكرني بزيارة قمت بها لمسجد في مدينة برمنغهام البريطانية أواخر عام 2006 حين كنت ضيفة لدى إحدى السيدات المسلمات المقيمات في المدينة، والتي دعتني لمرافقتها كضيفة لحضور محاضرة ستقام في المسجد سوف يلقيها ضيف قادم من مصر. فرافقتها لأجد بأن الجميع يحضرون كعائلات رجالاً ونساء وأطفالاً، بعضهم في سيارات وبعضهم سيراً على الأقدام ولكن بمجرد وصول بوابة المسجد يفترق الرجل عن زوجته وبناته لأن الرجال يمرون من الباحة إلى البوابة الرئيسية الجميلة والكبيرة للمسجد، بينما كان علينا نحن النساء أن نلتف حول المسجد من الخلف لنمر عبر ما يشبه الزقاق من بوابة صغيرة تفضي إلى غرفة ضيقة متعثرين بأكوام الأحذية المتناثرة أمام مدخلها لعدم وجود تجهيزات رفوف للأحذية كما هو حال مدخل قسم الرجال.

دخل يومها الرجال المسجد فرادى دون مسؤولية ملقاة على كواهلهم ليتفرغوا للاستماع والاستفادة من محتوى المحاضرة، بينما تركت مهمة الإشراف على الأطفال للنساء. فكان تصارخ الأطفال كافياً لإرسال إشارة مهمة بأن الرجال أحق من النساء بالتعلم والاستماع وأن دور التربية والعناية بالأطفال محصور بالمرأة التي يُمَنّ عليها أن مجرد الإيذان لها بوصول المسجد، يجعلها ملزمة بضريبة القبول بالاستماع المشوّش والمتقطع للمحاضرة وسط أصوات الصغار وما يمكن أن يصلها من صوت المحاضر عبر فتحة صغيرة من الباب بين قاعة المسجد الرئيسية حيث يجلس الرجال، والعلبة الصغيرة المخصصة للنساء في الخلف.

نظرت من خلال الفتحة المسموح بها من الباب لدخول الصوت، والتي لم تتجاوز 30سم على أقصى تقدير، والتي تحكمت بمقدار فتحها امرأة من الحاضرات، فإذا بقاعة الرجال فسيحة جداً، مضاءة بشكل جيد، وفيها تكييف وتهوية ممتازة، وسقف مرتفع ومفروشة بسجاد نظيف جميل وعلى جوانب الجدران رفوف منخفضة فيها كتب في متناول الأيدي، أظن أنها كانت مصاحف. وجميع الرجال مستريحون في جلستهم بما يسمح لهم باستيعاب المحاضرة والاستفادة من مضمونها. بينما غرفة النساء التي بدت كمحطة صغيرة مؤقتة تستخدم لمهام متنوعة، كانت قاتمة الإضاءة ولا يوجد فيها تهوية أو نافذة. تكومت النساء والأطفال فيها بشكل مكتظ غير مريح، سجادها قديم قاتم ومغبّر، بينما رقاب النساء تشرئب باتجاه الفتحة في الباب لاقتناص ما يسمح به الحظ من تسرب صوت المحاضر المتعثر عبر فتحة علبة السردين.

أذكر تماماً أن المحاضر تخطى حدود اللياقة وقال نكتة سمجة فيها إساءة لرجال دين من ذوي المعتقدات الأخرى، وأردت المشاركة بالرأي والاعتراض على أساس أنني مسلمة وأن هذا لا يجوز، اقتداء بمجالس الرسول التي كان يسمح فيها بمداخلات النساء، إلا أنني لم أستطع. فبيننا وبين المتحدث مسافة كبيرة لا تسمح بانتقال الصوت. إضافة إلى عدم توفر تنسيق يسمح بمشاركة النساء، كما لم يتوفر ميكروفون لقسم النساء أسوة بتجهيزات قسم الرجال. والأهم من كل ذلك، الجو الرهيب الذي ساد مجلس النساء وقيامهن بدور الرقيب على بعضهن، وهذا لمسته بوضوح عندما تمتمت بملاحظتي معترضة على إهانة ذوي المعتقدات الأخرى، أو إضحاك الحضور على الغير لاكتساب شعبية. حينها ثقبت رأسي نظرات بعض النسوة من الحاضرات اللواتي غضبن واستهجن محاولتي وكأنهن يوبخنني على موقفي. أستطيع أن أقول، وبما لا يدع مجالاً للشك بأن هناك رقابة ضمنية بين النساء المسلمات في المساجد البريطانية تمنع أي امرأة من التجرؤ على المشاركة، فإن فعلت تعامل كمنبوذة خرجت عن حدود الحلال واللائق.

عملية اعتبار مكان العبادة أولوية للرجال دون النساء أصبح مرفوضاً في هذا العصر لأن لمباني العبادة استخدامات أخرى غير الصلاة. إذ أصبحت تقام فيها النشاطات الاجتماعية والتعليمية والفعاليات الثقافية. لذلك آن الأوان للتخلص من المعايير المزدوجة المتعلقة بتصرفات المسلمين أنفسهم. إذ تخرج المرأة إلى السوق وتركب الحافلة المكتظة بالرجال والنساء، وتتحدث إلى البائع والمحاسب، وتحادث سائق التاكسي وبعضهن يعملن في مؤسسات خدمية أو حكومية ويتعاملن مع الرجال طيلة النهار، ويقفن في معاملات حكومية أمام رجال. لكن عندما يصلن باب المسجد تسقط رؤوسهن فوراً باتجاه أقدامهن، وكأنها ردة فعل للجاذبية الأرضية. يمتنعن عن أي حديث ولو كان مجرد الاستجابة لنداء أطفالهن، ويسرن مهرولات وكأنهن ملاحقات من قبل أسد هارب، وبأسلوب فيه الكثير من المبالغة، باتجاه بوابة المسجد الخلفية المخصصة للنساء. وكأن تعثر نظر إحداهن بخيال رجل سيجرثمها أو يجعلها آثمة لا يجدي معها التطهر في ماء الكوثر.

كذلك الأمر غالبية رجال المسلمين “الملتزمين” ابتداء من الطبيب وانتهاء بالبائع، يعملون مع نساء، ويقابلون نساء، ويحادثون نساء. لكن بمجرد وصولهم بوابة المسجد يتصرفون بغرابة شديدة وكأن المرأة لغم يجب الحذر من السير بجانبه. وبمجرد خروجهم من باب المسجد تعود تصرفاتهم إلى وضعها الطبيعي.

في رأيي المتواضع هذه التصرفات المبالغ فيها ما هي إلا مجرد تمييز جنسي صريح وسيطرة ذكورية وازدواجية معايير مخجلة أمام الرب المطلع على كل كبيرة وصغيرة. وهنا أستطيع القول بأن تصرفات هؤلاء المسلمين أشبه ما تكون بتصرفات اليهود المتشددين الذين لا يسير الواحد منهم إلى جانب زوجته في الطريق، بينما يسمح لها بأن تسير على ممر المشاة المقابل في الشارع حيث يسير بقربها رجال غيره، غرباء عنها، لا يمتون لها بأي صلة قرابة.

إنه التمييز الأعمى لدى المتشددين بغض النظر عن انتماءاتهم العقائدية أو مقدار تعليمهم، حيث تعتبر المرأة كائن ثانوي خلق لطاعة الرجل وتلبية أوامره والحرص على رغباته. واعتبارها عورة يجب حجبها وتحجيمها وحشرها في الأماكن الضيقة المعتمة لأن مشاركتها ليست بأهمية مشاركة الرجل، متناسين أنهم جميعاً أبناء نساء.

قد لا نملك من أمرنا شيئاً في الدول العربية لنطالب كنساء بتفتيش أو رقابة للتأكد من أننا نتمتع بما يتمتع به الذكور من فضاءات التمكين من العبادة والتعليم والنشاطات، لكننا كمسلمات نعيش في بريطانيا نتمنى أن تلتزم الدولة بوعودها بتحقيق شروط وحقوق المساواة في أماكن العبادة كالتي تتبعها في المؤسسات والنشاطات المجتمعية الأخرى، وبالذات في الأماكن المخصصة للأقليات، وأن لا تترك أمر تطبيق هذه المعايير لاجتهادات قيادات المجتمع المسلم وحدهم، فاللجان التي تحدد المناسب في مجتمعاتنا يديرها الرجال.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s