قناة الجزيرة تفشل في امتحان الحيادية

مرّت قناة الجزيرة بامتحان نزاهة يوم الثلاثاء الماضي، حينما قام صلاح نجم، مدير الأخبار بتوجيه أوامره في اللحظات الأخيرة للصحفيين ليقوموا بتحريرمحتوى تقرير كان جاهزاً للبث. موجهاً بجعل رأي أمير قطر الشيخ حمد آل ثاني، أمام اجتماع هيئة الأمم المتحدة حول التدخل في الشأن السوري هي المقتطف الذي يفتتح به التقرير لمنح رأي الأمير أهمية. وتحريك ملاحظات الرئيس الأمريكي أوباما التي كانت على رأس التقرير، لتصبح في نهايته، على غرار ما قامت به صحيفة الأهرام سابقاً من حركة مراهقين من خلال التلاعب تقنياً بالصور، بتقديم موضع الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك من الصف الخلفي ووضعه في المقدمة في صورة التقطت أثناء انعقاد قمة القادة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتأخير مكان الرئيس الأمريكي أوباما، راعي البيت، ووضعه في الصف الأخير. بالمختصر المفيد، القائمين على توجيه كل من الصحافة المصرية والصحافة القطرية “استوطوا حائط أوباما واتنططوا عليه” واساءووا لجميع العاملين في مهنة الصحافة.

انتهجت الجزيرة في بداياتها الحيادية والشفافية والاستقلالية الصحفية التي أكسبتها شعبية واحتراماً إلى أن باتت مثالاً للمصداقية. ورغم أن مصدر تمويلها حكومة إمارة قطر، لم يظهر على محتواها التحيز بشكل ملحوظ في بداياتها. ربما لأن الهدف من إنشاء القناة حينها كان مختلفاً ويراد به تأسيس منصة إعلامية منافسة للإعلام الغربي، ولتحقيق بعض التوازن في سوق الإعلام العربي الذي كانت تسيطر على معظمه المملكة العربية السعودية التي اعتمدت على استقطاب الكفاءات الإعلامية اللبنانية.

لكن هذا الوضع بدأ بالتراجع وبشكل واضح من خلال انعكاس الموقف السياسي العام لإمارة قطر على المحتوى الإعلامي لقناة الجزيرة. خصوصاً منذ تغطية أحداث الثورات العربية التي جرت خلال العام الماضي. غالبية الصحفيين العاملين في القسم العربي نشأوا وعملوا في دول عربية، واعتادوا على تلقي التوجيهات المتعلقة بالتسييس الناعم للصحافة وتوخي الرقابة الضمنية وعدم الاقتراب من الخطوط الحمراء المتعلقة بانتقاد أفراد العائلة الحاكمة أو الإشارة إلى ما لا تحبذ الدولة نشره من أخبار. إلا أن هذا الأسلوب لم يجدي نفعاً مع الصحفيين العاملين في القسم الإنجليزي من قناة الجزيرة حيث الغالبية العظمى منهم أجانب تلقوا التعليم الأكاديمي الإعلامي وتدربوا وعملوا في أجواء مؤسسات الصحافة الغربية حيث هامش الحريات أرحب، وحيث اعتادوا التمتع بدعم نقاباتهم المهنية حين وجود ما يتعارض وقراراتهم المهنية، وحيث لم يعتادوا على رؤية صاحبة الجلالة راكعة على ركبتيها أمام أي سياسي أو حاكم

احتج الزملاء الصحفيين العاملين في القسم الانجليزي من قناة الجزيرة على إعادة تحرير الشريط، واستند احتجاجهم إلى دوافع مهنية بحتة مفادها بأن أمير قطر لم يأت بجديد، لأن مداخلته كانت مجرد تكرار لما صرح به سابقاً من مطالبة الحكومات العربية بالتدخل في سوريا، وهذا الموضوع لا يعتبر الأكثر أهمية في تقرير إخباري جديد يفترض بأن لا تتعدى مدة بثّه دقيقتان

في النهاية تحقق ما أوعز لنجم بأن يقوم به، وتم إعادة تحرير الشريط رغم عدم رضا المحررين، ووضع رأي أوباما في مؤخرة التقرير ورأي أمير قطر في فاتحته. لكن امتعاض الصحفيين العاملين في الجزيرة طفا الى السطح من خلال الملاحظات التي تركت على الموقع الالكتروني والتعليقات المدونة على اليوتيوب والتي أشارت إلى أن قطر تحاول أن تقضم لقمة أكبر من قدرتها على مضغها كونها من أصغر دول العالم مساحة لكنها تحاول أن تلعب الدور الأكبر فيما يتعلق بالتخطيط لسياسات وميزان قوى مستقبل المنطقة العربية بشكل عام، ومستقبل سوريا ودول الخليج بشكل خاص

ورغم استياء العاملين في قناة الجزيرة من التدخل في صميم عملهم بهذا الشكل السافر، إلا أن متحدث باسم قناة الجزيرة دافع عن موقف إدارتها قائلاً بأن كلمة الأمير كانت ذات أهمية ولهذا منحت الأولوية وأن كلمة الرئيس الأمريكي أوباما كانت قد بثت على الهواء مباشرة على أي حال، إضافة إلى أن كلمة أمير قطر جاءت حسب قوله لتوازن الموقف الرافض للتدخل في سوريا الذي اتخذه الرئيس المصري محمد مرسي. نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريراً حول الموضوع يوم السبت قالت فيه أن بعض العاملين في قناة الجزيرة قالوا بأنهم اضطروا لإضافة مداخلة الرئيس المصري على التقرير من مقابلة كانت قد أجرتها معه قناة أخرى غير قناة الجزيرة، وهذا دليل آخر أن الجزيرة وضعت في حساباتها منذ البداية تسجيل تصريح أمير قطر وتجاهل تصريح غيره من القادة العرب، بمن فيهم قائد أكبر كيان عربي مؤثر في المنطقة، وهو الرئيس المصري محمد مرسي.

بدأت قناة الجزيرة بفقدان استقلاليتها وشفافيتها بشكل مضطرد، منذ أن بدأت حكومة إمارة قطر التي تمولها، باتخاذ خطوات صريحة وسافرة للسيطرة على إدارة القناة ومحتواها الإعلامي بعد أن قررت أن يكون لها دور قيادي لتشكيل المستقبل السياسي لمنطقة الخليج بالذات والمنطقة العربية بشكل عام. وحصل تفعيل لهذا التوجّه باستبدال مديرها السابق، الإعلامي وضاح خنفر الذي عمل فيها على مدى 8 سنوات متواصلة باقتدار ومهنية إعلامية حققت نقاطاً لصالح القناة، بأحد أفراد العائلة الحاكمة، الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني الذي لا يملك رصيداً في مجال الصحافة.

للأسف الشديد، الغالبية العظمى من قيادات الخليج ترى في القنوات الإعلامية إما بوقاً للنظام أو مصدراً للاستثمار. لذلك تُنسّب إدارة هذه المشاريع لمن لا يعرفون أبجديات إدارة المؤسسات الإعلامية، متوهمين أن من أدار سلسة فنادق أو بنك استثماري أو أحرز نجاحاً في أي مجال استثماري، بإمكانه إدارة مؤسسة إعلامية. لكن هذه الرؤية قاصرة ومن شأنها تحويل قناة إخبارية تركت بصمتها على تاريخ الفضائيات عالمياً، إلى قزم يزحف داخل غيمة من غبار المنافسة بين قنوات محلية عرجاء.

يبقى السؤال المعلق في الهواء، هل كان لصلاح نجم أن يتجرأ ويطلب من فريق عمله أثناء توليه ذات المنصب في قناة بي. بي. سي تحرير تقرير مماثل، كما فعل في قناة الجزيرة، أم أن الرقابة على المعايير المهنية كانت ستنقذه من مثل هذا الموقف المحرج.

Advertisements

One thought on “قناة الجزيرة تفشل في امتحان الحيادية

  1. هل يعرف احد ماذا قال اوباما وماذا قال امير قطر في هذا التقرير حتي يمكن فعلا الحكم عليه , وهل كان حديث امير قطر احدث من كلمات اوباما ام ان الاخير كان اخر من تحدث في هذا المناسبه , وهل حقيقي احتج صحفيون , اذا كانت هناك رقابة كهذه لماذا تركت في التقرير العبارة التي تقول ان قطر من اكثر الدول العربية واعلاها صوتا . اسئلة من اجل الموضوعية

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s