نفخ الخبر والترويج المبالغ فيه في تغطيات إعلام دبي

يوم أمس، الثالث من أكتوبر 2012 تم تصوير الحلقة الأولى من برنامج “تكنوميديا” الذي سيبدأ بالظهور على قناة “سما دبي”. وكما هي عادة القنوات في تسويق برامجها الجديدة، تحتاج إلى الصحافة الورقية لتدوير الخبر لاجتذاب الشركات الراعية والدعايات والممولين ولرفع نسبة المشاهدة لتأكيد شعبيتها بالإحصائيات التي تفيد في اجتذاب الإعلانات. لذلك قامت بهذه المهمة صحيفة البيان الإماراتية التي نشرت تقريراً استخدمت في جلّه الفعل الماضي، ووصفت فيه البرنامج بأن “فقراته أستثنائية وآفاقه كسرت جمود البرامج التكنولوجية المعتادة وأبهرت الجمهور العربي”.

قال كاتب التقرير أن البرنامج يبث على الهواء مباشرة، رغم أن التقرير ذاته يتحدث عن “تسجيل” الحلقة الأولى منه. واصفاً البرنامج على أنه “مجلة تكنولوجية تحظى باهتمام متابعيها”،  في حين لم يمر على وقت تسجيل الحلقة الأولى أقل من 24 ساعة. فكيف تم قياس كمية الإبهار وتأكيد وجود متابعين من “الجمهور العربي” وقياس ردة فعل الجماهير.

حسب ما جاء في تقرير صحيفة “البيان” أن مقدم البرنامج، نور الدين اليوسف، قال: “استطعنا بفضل دعم القناة وجهودنا أن نحقق انتشاراً على مستوى دول الخليج والعالم العربي”. فكيف حصل هذا الانتشار في أقل من يوم. ثم جاء النصّ المنقول على لسان الدكتور معتز كوكش، خبير تقنية المعلومات والجرائم الإلكترونية في البرنامج، مدعياً بـ “أن البرنامج لا مكان فيه للتكرار”، وأنه “أول برنامج تكنولوجي مباشر على الهواء، لأنه غالباً ما يتم تسجيل هذا النوع من البرامج”.

هنا ضاعت الطاسة. كيف استطاع الخبير استقراء عدم وجود تكرار رغم تسجيل وبث حلقة واحدة فقط، ولماذا ادعى بأن البرنامج يتميز ببثه على الهواء مباشرة بينما في ذات التقرير نقرأ عن تسجيل الحلقة وليس عن بثها مباشرة وعن تحضير المادة من تقارير تم بثها من قبل بلغات أخرى يتقنها أحد أفراد كادر الإعداد.

وكما هو ديدن مروجي فعاليات دبي وقع الدكتور كوكش في المحظور واصفاً اهتمام المشاهدات المتصلات من شابات وسيدات بأن “التكنولوجيا أصبحت جزءا من الموضة”. قد لا يعلم الدكتور كوكش بأن هذا التعبير مسيء للطرفين: للنساء المهتمات بالتقنيات، وللبرنامج الذي يفترض بأنه يناضل ليثبت أقدامه وسط طوفان من برامج الفضائيات المختصة بتقنيات الاتصال. وأن هناك ضرورة للنأي عن قذف المصطلحات غير المدروسة في وجه المتابعين. فتعبير موضه ملتصق بفعاليات عروض أزياء دبي وعالم الثريات اللواتي ينفقن الأموال بسهوله وبشكل أرعن، بينما الآخر عالم متعلق بالمكافحين للوصول إلى المعلومة والاستفادة من تطبيقاتها، وهما عالمان لا يتقاطعان. أحدهما مصنف ضمن الضروريات المستحبة والآخر ضمن الرفاهيات التي ينظر إليها نسبة كبيرة من الجمهور بامتعاض.

 معدة البرنامج، سالي سعيد، التي اعترفت بأنها جديدة على هذا المجال وغير معتادة على هذا النمط من البرامج قالت “إن الانتشار العربي الذي حققه البرنامج أكبر دليل على سيرنا على الطريق الصحيح من ناحية الإعداد والإنتاج والإخراج والتقديم”.

معيب أن يتم استهبال المتابع العربي دون تردد. ادعاء تحقيق الانتشار في أقل من 24 ساعة وتحضير مادة صحفية ترويجية قبل بث الحلقة الأولى رعونة لم تجرؤ على اجتراحها فضائيات بثت هذا النوع من البرامج، بحجمFox News  أو  CNNأو  BBC. بشكل عام تفتقر الكوادر الإعلامية في كثير من القنوات الفضائية العربية إلى أدنى مقومات المصداقية، إذ لا تبدي كثير اهتمام بالمصطلحات التي تستخدمها لاجتذاب المشاهد وبطريقة فجّة تنم عن نقص في الخبرة وتجاهل لأخلاقيات مهنة الصحافة.

قد يرتفع منسوب المشاهدة بسهولة باستخدام طرق تثقيفية بديلة ومفيدة ومن صميم فكرة البرنامج لو قام مثلاً خبير التقنيات بشرح حول كيفية قيام البروكسي في دبي بفلترة مواقع حقوق الإنسان، لمنع اطلاع الشخص المتعلم، المثقف، البالغ، والأكاديمي على ما ينشر في الخارج. أوكيفية تعطيل الواجهات الرقمية المسلسلة، SDI، وأشباه الموصلات المتقدمة، ASI، لمنع وصول سيل المعلومات من الخارج إلى الفضائيات التي تبث أشياء غير مرضي عنها  كما حصل مثلاً في 16 نوفمبر2007، عندما أمرت الحكومة بتعطيل SDI وتيارات ASI من خلال سماكوم، لتعطيل بث القنوات الباكستانية المستقلة الخاصة والمعارضة “جيو نيوز TV” و قناة “ARY ONE WORLD” بناء على طلب من النظام العسكري في باكستان حينها. وكيف تقوم دو EITC مشغل الاتصالات السلكية واللاسلكية في الإمارات العربية المتحدة في التحكم بالمعلومات القادمة عن طريق الانترنت ومنع نشرها. من المفيد تقديم شرح للمشاهد يفسر لماذا يتم تمكين العامل في مدينة دبي للإعلام في المنطقة التجارية الحرّة من الوصول إلى المعلومة، لكن بمجرد خروجه من عمله وعودته إلى منزله يحرم من هذا الفضل ولا يستطيع متابعة أبحاثه. المشاهد بحاجة إلى جواب منطقي مغاير لادعاء المحافظة على الأخلاق، إذ لا يمكن إعادة تربية وتعليم شخص متقدم في العمر بتجريعه المعلومات المرضي عن مصدرها فقط.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s