روسيا تمنع وأمريكا تسمح

القاضي الروسي"يفجيني كوميسيروف"

القاضي الروسي”يفجيني كوميسيروف”

سمحت أمريكا بتدوير وعرض الفلم المسيء للنبي وللمسلمين “براءة المسلمين” الذي عكس رسول الإسلام محمد كرجل متعطش للحرب تحركه شهواته الجنسية الشاذة، مما أطلق شرارة من الاحتجاجات حول العالم. لم تعتذر الولايات المتحدة الأمريكية عن عرضه أو عن موقفها الذي بدا وكأنها تظهر تحفظاً وتخفي ابتهاجاً، رغم نتائج هذا العمل الأرعن من تعريض لحياة الكثيرين للخطر بمن فيهم أفراد بعثاتها الدبلوماسية في الخارج. إذ أدت توابع عرضه إلى مقتل أربعة أشخاص في ليبيا من ضمنهم السفير الأمريكي. موقف الولايات المتحدة المعلن، أن في حظر الفلم أو معاقبة من أنتجوه أو مولوّا انتاجه مساس لحرية الفرد على التعبير، على رأي تاجر خضار كبير، لم يخرط مشط أحد. لأنها مارست ازدواجية المعايير. إذ أمرت شركة غوغل في ذات الوقت بسحب الفلم من محركها، وصادرت حق الشركة المفترض بالتعبير عن الرأي.

من ناحية أخرى قام التلفزيون الروسي بعرض تقرير حول قرار القاضي الروسي “يفجيني كوميسيروف” بحظر عرض الفلم من خلال التلفزيون والانترنت في روسيا. ووصف القاضي الروسي”يفجيني كوميسيروف” الفلم بأنه متطرف.

بالنسبة لأي شخص مسلم يعيش في الشرق الأوسط، يبدو موقف أمريكا غريباً بعض الشيء خصوصاً وأنها صديقة حميمة للغالبية العظمى من قيادات دول الخليج التي يفترض بأن دين الدولة لديها الإسلام. لكننا اعتدنا على ازدواجية معايير الولايات المتحدة وتلاعبها بمشاعر المسلمين حسب ما تمليه عليها مصلحتها. ساعدها في ذلك معرفتها العميقة بنفسيات وثقافة أهل المنطقة. فدول البترول يقطنها بشر سريعي الاشتعال، يمكن استثارتهم بكل سهولة. تكفيهم كلمة إساءة عن ديننا من مسطول لإشعال سعير جهنم عن طريق التواصل الاجتماعي الافتراضي.

فقدان المسلمين ثقتهم بأي موقف يصدر عن أمريكا يعود إلى مواقفها المتذبذبة. فهي الدولة التي ادعت ذات يوم شراكة المسلمين على أساس أن جلّ مواطنيها من أهل الكتاب، واستخدمت هذه الورقة لجرّ رجل كل إنسان سهل الانقياد، لتكوين جبهة إسلامية تقاتل روسيا من داخل الأراضي الأفغانية. غزلت ناعماً مع ثلّة من الشباب من ذوي الدماء الحارة، خصوصاً من مواطني السعودية الذين رضعوا الحلم بحمل لقب مجاهدين، وصدقوا بكل حسن نيّة أنها حليفتهم عندما استخدمتهم لمحاربة الاتحاد السوفيتي على أساس أن روسيا دولة “كافرة”. ودعمت تأسيس جبهة من المجاهدين الذين كان من ضمنهم أسامة بن لادن. ثبتتهم هناك وأمدتهم بالدعم والسلاح ليقاتلوا ويقتلوا من قبل عدوها دون خسائر بشرية أمريكية تذكر. إلى أن انتهت من تصفية القطب الروسي وانتهت الحرب الباردة. ولم يعد هناك منافس لأمريكا ولا قوة عظمى أخرى تهزّ ميزان قوى العالم سواها. وبعد أن استفردت بالقمة ولم تعد بحاجة لمن ساعدوها في إنهاك روسيا، استادرت على حلفاءها “المجاهدين” وقامت بتصفيتهم بعد أن خلعت عليهم جميع الألقاب السيئة المنتقاة بعناية ليشمئز منهم ومن المسلمين كافة، كل من يوجد على أرض البسيطة.

القرار الروسي بحجب الفيلم لا علاقة له بالدين ولا باحترام الإسلام ولا محبة في المسلمين. إنما هو قرار سياسي بحت. مدروس جيداً لحماية المصالح الروسية في المنطقة، وتفادي الاضطرابات التي قد تنجم عن تحريك عواطف فئات مسلمة، خصوصاً في دول الجوار مثل الباكستان وأفغانستان حيث العاطفة تسبق الحكمة بأشواط. ولتبقي على حبل الود متصلاً مع دول إسلامية للاستفادة من حسن العلاقات لتستمر  ببيع وإبرام المزيد من صفقات السلاح. إضافة إلى اتخاذ عنصر الحذر أثناء هذه الفترة التي تتميز بإعادة تشكيل القيادات وترتيب الانتماءات في الشرق الأوسط، وتشكيل التحالفات الدولية الجديدة عقب تغيير القيادات.

وكما هو واضح للعيان، سيطر الإسلامييون بفصائلهم المختلفة على التشكيلات السياسية الجديدة التي عقبت ثورات الربيع العربي والانتخابات الديمقراطية. لهذا ليس من مصلحة روسيا أن تضع يدها في عش الدبابير فتفقد فرصتها في إعادة مجدها في المنطقة حتى لو كان ذلك بالتحالف مع الإسلاميين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s