“BBC” واتهام الإسلاميين بالدعارة

إقبال التميمي

من المؤكد أن القنوات الموثوقة تتحمل مسؤولية أكبر من غيرها عند صياغة العناوين أو الأخبار. لذلك كان العنوان التالي لتقرير على قناة “BBC العربي” صادماً:

“الإسلاميون المتشددون في مالي يشترون الأطفال للحرب ويجبرون النساء على ممارسة الدعارة”

السبب الأول، لأن القنوات أصبحت تلقب المجموعات التي تصف أنفسها بـ”إسلامية” بذات الصفة التي خلعتها تلك المجموعات على أنفسها، بغض النظر عن همجيتها وبراءة الإسلام من أفعالها التي حادت عن كل ما يمثل الإسلام، ولأنها وصمت هذه العقيدة بأسوأ أشكال العنف المقزز، وذلك دون أي توضيح أو إشارة من قبل تلك القنوات بأن هذه المسميات هي ادعاء. لا يجوز للفضائيات أن تقف مكتوفة الأيدي حيال تزييف أي مجرم لهويته بإطلاق ما شاء على نفسه من ألقاب الورع دون توضيح ذلك. لأنها بذلك تسمح له بامتطاء سمعتها بالاستفادة من هذا الغطاء الإعلامي لتعزيز عنفه وهمجيته والحصول على دعاية مجانية تحقق مبتغاه من تخويف وترهيب للمدنيين.

لكن الجزء الأهم والذي أثار انتباهي وخيبة أملي معاً من ناحية مهنية، هو أن العنوان شيء ومتن الخبر شيء آخر. إذ أن العنوان قال أن “الإسلاميون المتشددون في مالي يجبرون النساء على ممارسة الدعارة”  بينما محتوى التقرير يفيد بأن إيفان سايمونفيتش، مبعوث الأمم المتحدة قام بزيارة لتقصي الحقائق في مالي، وتحدث عن انتهاكات لحقوق الإنسان في المناطق التي يسيطر عليها من  وصفتهم “BBC” بالإسلاميون المتشددون وأنه قال حسب متن تقرير BBC أن “السيدات يجبرن على الزواج دون رغبتهن، وإنه يجري إعادة بيع الزوجات فيما يمثل دعارة بالإكراه”.

من المعروف أن حرفة الصحفي هي صياغة الكلام لكن مع مراعاة الدقة والتزام النزاهة في نقل الخبر. فالدعارة التي وردت في العنوان شيء، ووصف مبعوث الأمم المتحدة للوضع وتشبيهه بالدعارة شيء آخر، رغم أن كلا الحالتين فيهما انتهاك لحقوق المرأة. فإكراه النساء على الزواج معروف في كثير من المجتمعات، البدائية منها، والتي تدعي التحضر بين العائلات الغنية التي تسعى لدمج ثروات أسرتين على حساب تزويج المرأة حتى في المجتمعات الغربية الثرية التي تجتهد في التوفيق بين رجل وامرأة لمجرد المصالح. ومحاولة وصف مبعوث الأمم المتحدة للوضع بتشبيهه حسب قوله” فيما يشبه الدعارة بالإكراه” شيء آخر تماماً، والعنوان الذي حاكته “BBC. العربي” ليبدو الخبر مؤكداً وليس مجرد تشبيه او محاولة لإيصال فكره هو أمر مختلف تماماً.

للأسف فضائية  BBCالعربي لا تلتزم ذات المعايير المهنية التي تلتزم بها شقيقاتها من أذرع الشركة الأخرى التي تبث بالانجليزية. وأحياناً يهيأ إلي وأنا أقرأ أو أستمع لبعض تقاريرها بأنني أتابع موقع إحدى فضائيات الشرق الأوسط المفلسة من الجمهور، والتي  تحاول اصطياد ود أي شريحة ممكنة لرفع نسبة المشاهدة باستخدام العناوين الفضائحية والمبالغ فيها، وفي هذا النهج اغتراب عن أخلاقيات المهنة التي تستدعي التزام الدقّة في اختيار الألفاظ، وأبعد ما تكون عن مهنية قناة BBC ذات السمعة الموروثة عن خدماتها الاذاعية العريقة بانتهاج الدقة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s