محاكمة قيادات إسرائيلية في تركيا اليوم ووصول العلاقات التركية – الإسرائيلية مرحلة اللاعودة

رئيس وزراء تركيا، رجب طيب أردوغان يلقي كلمة في مدينة أكسفورد البريطانية في ابريل عام 2009/ تصوير إقبال التميمي -حقوق التصوير محفوظة

رئيس وزراء تركيا، رجب طيب أردوغان يلقي كلمة في مدينة أكسفورد البريطانية في ابريل عام 2009/ تصوير إقبال التميمي -حقوق التصوير محفوظة

إقبال التميمي

تمر إسرائيل في أصعب أوقاتها هذه الأيام على جميع الأصعدة. فمن اعترافها العلني يوم الخميس 1- 11- 2012 باغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير المعروف بابي جهاد عام 1988 في تونس، إلى نقاش حول استطلاع وجد أن الإسرائيليين يؤيدون التمييز العنصري، إلى الكشف عن سياستها بتجويع الغزيين إلى درجة الموت بتحديد عدد السعرات الحرارية المسموح بها للفرد الواحد وغيرها من فضائح متعددة ومتواترة أفقدت إسرائيل قدرتها على متابعة ترقيع صورتها إعلامياً.

 لكن أهم الضربات التي سوف تقصم ظهر إسرائيل تتعلق بفصم عرى العلاقات  بينها وبين تركيا التي تعتبر الدولة الوحيدة التي يمكن أن تلجأ لها إسرائيل لتكون وسيطاً بينها وبين دول العالم الإسلامي كلما استدعى الأمر. إذ وصلت العلاقة بينهما إلى مرحلة الطلاق البائن بينونة كبرى عقب جريمة نكراء نفذتها إسرائيل بحق تركيا ورفضت الاعتذار عنها. وستبدأ اليوم في اسطنبول محاكمة أربعة عسكريين إسرائيليين يحملون رتبة جنرالات، قاموا بقتل تسعة نشطاء من الأتراك المساندين للقضية الفلسطينية.

الجنرالات الإسرائيليين متهمون بإصدار الأوامر بشن غارة مميتة على أحد سفن أسطول الحرية، “مافي مرمرة” التي أبحرت لكسر الحصار البحري الاسرائيلي على قطاع غزة قبل عامين. وقتل أثناء الهجوم تسعة مواطنين أتراك كانوا على متن إحدى تلك السفن. من ضمن شهود العيان الذين رووا مدى وحشية القوات الإسرائيلية، صديقان من أصدقائي الذين يعيشون في مدينة بريستول البريطانية ممن سافروا على متن الباخرة لتقديم العون لأهالي غزة. الأول تركي واسمه شاكر يلدريم، والثاني رسام بريطاني اسمه كليف هانلي وكلاهما زارا فلسطين أكثر من مرة مع قوافل العون رغم أن الأول ترك خلفه زوجته وأولادة والثاني كان يعاني المرض والتقدم في العمر. وللأسف رغم أنني تلقيت دعوة لحضور المحاكمة العلنية كأحد أعضاء مهنة الصحافة، لن أتمكن من الحضور لكنني سأتابع مثل غيري عن بعد عن طريق بقية الزملاء الذين سافروا لحضور المحاكمة.

الاستماع للشهود سيبدأ في محكمة اسطنبول اليوم الثلاثاء لمحاكمة القادة الإسرائيليين الأربعة الكبار حول مسؤوليتهم في شن الغارة على أسطول سفن مافي مرمرة عام 2010. ولقد طالب المدعي العام التركي بعقوبة السجن تسعة مؤبدات لكل متهم منهم، بما فيهم رئيس هيئة الأركان العامة، غابي أشكنازي، الذي سوف يحاكم غيابيا.

من جهتها، رفضت اسرائيل القضية واعتبرت أنها “عملية قضائية من جانب واحد”، ورفضت التعاون. والعديد من الخبراء يشككون أيضا في ما إذا كانت المحكمة الجنائية التركية هي ذات اختصاص في هذا الشأن. لكن نشطاء مافي مرمرة وعائلات الضحايا لديهم توقعات كبيرة بإحقاق الحق ومعاقبة المجرمين الإسرائيليين.

 وقالت جولدن سونميز، وهي محامية وعضو مجلس إدارة  الجمعية الخيرية الإسلامية التركية “آي إتش إتش” التي قتل أعضاؤها أثناء الغارة ستكون هذه محاكمة تاريخية وسيتم محاسبة المسؤولين عن جرائمهم ضد الإنسانية”. وأضافت ” لن تكون هذه المحاكمة محاكمة رمزية. وإن وجدت المحكمة بأنهم مذنبين، يمكن القبض على هؤلاء القادة الإسرائيليين في أي مكان في العالم من خلال أمر بالاعتقال يعمم على الانتربول”.

ووفق ما قاله المحامون، فإن المحكمة التركية أصدرت بالفعل أوامر استدعاء للقادة الإسرائيليين لمحاكمة هذا الاسبوع، ويمكن للمحكمة أن تصدر أمرا بالقبض عليهم بعد جلسات الاستماع الأولى، حيث من المقرر الاستماع لشهادات 490 شخصاً من 37 بلد سوف يحضرون المحكمة  للادلاء بشهاداتهم. ويتوقع النشطاء بأن تمتد المحاكمة لأسابيع بسبب تورط عدد كبير من أفراد الجيش الإسرائيلي في الهجمة على المدنيين أثناء الغارة. وهم مقتنعون بأن المحاكمة ستكون بمثابة تحقيق العدل لذوي القتلى، إضافة إلى لفت أنظار العالم إلى السياسات الوحشية التي تنتهجها إسرائيل بحصارها لغزة.

بالنسبة لرئيس وزراء تركيا، رجب طيب أردوغان، تلقى الثناء الكبير من البلدان العربية على موقفه من القضية. لكن رغم الآمال الكبيرة المعلقة على هذه القضية، هناك من يشككون بالقيمة القانونية لهذه المحاكمة وبإمكانية تطبيق العقوبة القانونية على الجناة. وحسب ما جاء في تقرير آرون هيللير مراسل وكالة الأسوشيتيدبرس في القدس، فإن الجهات الإسرائيلية أخبرت أكثر من 150 شخصاً من الموظفين والعسكريين الإسرائيليين الذين لديهم علاقة بحادثة مافي مرمرة بعدم السفر خارج البلاد حيث يمكن أن يتم إلقاء القبض عليهم في أي دولة وترحيلهم إلى تركيا للمحاكمة.

هذا وبعد حادثة الاعتداء على الأتراك في المياه الدولية من قبل إسرائيل، ساءت العلاقات بين إسرائيل وتركيا. إذ قامت أنقرة بطرد السفير الإسرائيلي وخفضت التمثيل الدبلوماسي وعلقت علاقاتها العسكرية معها. كما فشلت جهود الأمم المتحدة في التحقيق في الاعتداء كما فشلت الجهود الدبلوماسية لإعادة المياه إلى مجاريها. لأن حكومة تركيا كان لها ثلاثة شروط  لكنها لم تتحقق.  وهي بأن تقوم إسرائيل بالاعتذار وأن تعوض أسر الضحايا وأن ترفع الحصار عن قطاع غزة.

وقال يوم الأربعاء في برلين “ايجمين باجيس” وزير تركيا في الاتحاد الأوروبي وهو صديق مقرب لأردوغان ” إذا كانت إسرائيل تريد تطبيع العلاقات مع أكبر صديق للعالم الإسلامي، عليها أن تستوفي هذه الشروط الثلاثة” وقال “لسنا راضين عن تدهور العلاقات مع إسرائيل، ولكننا حساسون جداً بشأن هذه المسألة”.

تصوير إقبال التميمي- جانب من المحتشدينالذين لم يتمكنوا من دخول القاعة لاكتظاظها يستعمون لكلمة أردوغان حول موقف تركيا من الاعتداء على غزة عبر النوافذ في أكسفورد

تصوير إقبال التميمي- جانب من المحتشدين الذين لم يتمكنوا من دخول القاعة لاكتظاظها يستعمون لكلمة أردوغان حول موقف تركيا من الاعتداء على غزة عبر النوافذ في أكسفورد

موضوع تراجع العلاقات الإسرائيلية – التركية يقلق الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات الأوروبية. خصوصاً وأن تركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل وتفتح سفارة لبلدها في تل أبيب، وتقوم بعمل الوسيط لتقريب وجهات النظر بين إسرائيل والدول الإسلامية الأخرى. وفي التسعينيات عرضت إسرائيل على أنقرة تقديم الدعم التقني لمشاريعها من خلال شركات إسرائيلية، عوضاً عن الحصول على هذا الدعم من الولايات المتحدة الأمريكية أو أي مصدر آخر. كما قام أردوغان بالتوسط بين إسرائيل وسوريا لمدة عامين إلى أن فشلت المساعي عقب الهجمة الإسرائيلية على غزة عام 2009، ومنذ تلك اللحظة أخذت العلاقات الإسرائيلية التركية منعطفاً جديداً. خصوصاً وأن الاعتداء على غزة جاء بعد أيام قليلة من زيارة تاريخية قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت إلى أنقرة.

في التسعينيات كانت الشركات الإسرائيلية ضمن أول الشركات التي قدمت عروضها لمشاريع الدفاع الاستراتيجية التركية ومشاريع التحديث، ووصلت قيمة تعاقدات تركيا مع إسرائيل بليونات الدولارات. لكن بعد توتر العلاقات، تم تعليق جميع الاتفاقيات العسكرية بينهما بما في ذلك مشروع العمل على نظام المخابرات الجوية الاستراتيجية.

وبينما حالت تركيا دون توثيق التعاون بين حلف الناتو وإسرائيل، قامت إسرائيل بتوثيق علاقاتها مع اثنين من أعداء تركيا في المنطقة. جمهورية قبرص التي يقودها القبارصة اليونانيون، وقبرص. كما عمل اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية على سحب دعمه المعتاد لتركيا، مما وضع تركيا في مواقف صعبة في عدد من المواقف المتعلقة بسياساتها الخارجية. كما تأثرت حركة السياحة بين البلدين. ففي عام 2008 زار 560.000 سائح إسرائيلي تركيا، لكن عقب الاعتداء على سفينة مافي مرمرة وقتل 9 أتراك وجرح ما لا يقل عن 30 شخص تراجع عدد السياح الإسرائيليين في عام 2011 إلى 80.000 فقط. لكن رغم ذلك بقيت العلاقات التجارية قائمة بين البلدين وزادت قيمة التداولات التجارية بينهما العام الماضي عن 4.4 بليون دولار أمريكي.

يرى العديدون أن موقف أردوغان الغاضب من إسرائيل بعد هجومها على غزة أكسبه شعبية كبرى خصوصاً في البلاد العربية مما قوى العلاقات بين تركيا والشارع العربي إلى درجة اختيار أردوغان كأكثر قائد إسلامي محبوب بين ستة دول ذات أكثرية إسلامية من خلال استطلاع أجراه مركز بيو للدراست إذ حصل على 65% من الأصوات عندما تنافس اسمه مع قيادات كل من مصر، الأردن، لبنان، تونس، والباكستان.

وقال أردوغان للصحفيين على متن الطائرة التي كان يستقلها أثناء عودته من برلين إلى أنقرة، بأنه يخطط لزيارة غزة قريباً. وهذا التصريح أثار حفيظة إسرائيل. خصوصاً بعد أن طلبت منه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل في ذات اليوم بأن يعمل على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن أردوغان أصر في حديثه للصحفيين “شروطنا الثلاث يجب أن تتحقق. وتركيا لا تسمح بخيار تقديم الاعتذار والتعويض دون رفع الحصار عن غزة”.

 لقد زار رئيس وزراء تركيا، رجب طيب أردوغان مع زوجته وابنته ووفد تركي رفيع المستوى مدينة أكسفورد البريطانية في ابريل من عام 2009 عقب الاعتداء الإسرائيلي على غزة، ودعيت لحضور كلمته التي حملت موقفاً قوياً وعزيمة وإصرار لمساندة الحق الفلسطيني. ورغم توافد الآلاف لحضور كلمته، غابت الصحافة البريطانية يومها وتم التعتيم على زيارته ولم تجد ما يليق بها من تغطية لزيارة زعيم دولة بحجم تركيا ومواقفها. وفي هذا إشارة واضحة للموقف السياسي الغربي من اقتراب تركيا من الدول العربية ومن مساندة الفلسطينيين. قال أردوغان يومها “نعم، نحن أوروبيون. لكن يجب أن لا تنسوا بأننا مسلمون أيضاً”.

تصوير إقبال التميمي - جانب من الحضور لكلمة أردوغان داخل القاعة ابريل 2009

تصوير إقبال التميمي – جانب من الحضور لكلمة أردوغان داخل القاعة ابريل 2009

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s